15 محرم 1441 / 15 شتنبر 2019
ندوات

مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي
مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي

د. إسماعيل الحسني

جامعة القاضي عياض/مراكش

 

أريد في البداية أن أضع هذا الموضوع في سياق ما كتبته طوال عشرين عاما. كتبت في مقاصد الشريعة من زاوية انتظامها في نظرية محددة في منطلقاتها، وفي مكوناتها، وفي أدلتها. كما في كتابي "نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور". وكتبت في مقاصد الشريعة من زاوية فقه العلم المنسوب إليها، كما في كتابي "فقه العلم في مقاصد الشريعة الأعلام المجالات المفاهيم". وكتبت في مقاصد الشريعة من زاوية تطبيقاتها الاجتهادية الحديثة، كما في كتابي "مقاصد الشريعة والاجتهاد في المغرب الحديث".

1. مقاصد الشريعة

مقاصد الشريعة كما تتجسد في المعاني المقصودة من الخطاب الشرعي التي يتوصل إليها باستحضار المقام الذي سيق فيه الخطاب، هي أيضا الغايات المصلحية المقصودة من تشريع الأحكام، والتي تنتظم في تحقيق مهام الاستخلاف التي جعل الله تعالى الإنسان مسؤولا عن القيام بها، ومكلفا بإنجازها في حياته، وفي حياة المجتمع والأمة.

 ويتعلق الأمر هنا بالإصلاح الشامل للاعتقاد وللعقول وللأعمال بما يمكن من عمارة الأرض، والانتفاع بما خلقه الله في دائرة الأخوة البشري وأعني بالمعاني المقصودة؛ الدلالات التي يقصدها الشارع من ألفاظه وكلامه. وأقوى طريق للكشف عن هذا النوع من مقاصد الشريعة هو استحضار المقامات التي سيقتفي إطارها الخطابات الشرعية.

كما أعني أيضا بالغايات المصلحية؛ الأهداف التي يهدف الشارع إلى تحقيقها من تشريع الأحكام. وهي متعددة في أقسامها بحسب تعدد الاعتبارات الموضوعية، والمعرفية، والمجتمعية. والفرق بين هذين النوعين من المقاصد راجع إلى طبيعة كل واحد منهما على حدة؛ فمقاصد الشارع من خطاب هذا طبيعة خطابية؛ إذ تستند إلى مبدإ الإفادة من مقام الخطاب. أما مقاصد الشارع من أحكامه فذات طبيعة تقويمية؛ إذ تنهل من مفهوم مكارم الأخلاق الذي يقيد المصالح التي جاءت أحكام الشريعة لتحقيقها.

2. الفكر المقاصدي

يستمد وصفي للفكر بأنه مقاصدي من تشبع صاحبه بمقصد الشريعة. تشبع مرتسم في عدة منهجية تقدر صاحب هذا الفكر على اكتشافها وإعمالها في اجتهاده. فمادة "الفكر"، وبغض النظر عن استعمالاتها المختلفة في اللغة العربية، هي فعل ذهني مرتبط بالذات الإنسانية كذات مفكرة تريد الوصول إلى "حقائق" مخصوصة.  فالفكر الإنساني، من زاوية معناه النظري والذهني، مبني ومشكل في معظم أحواله من إعمال جملة من المبادئ الأخلاقية وغير الأخلاقية والعمليات الذهنية-النظرية التي قد تتبلور وتنصهر في بوثقة مفاهيم عامة.

فمن المبادئ يمكن أن نذكر مبادئ التريث والرزانة والموضوعية والنزاهة والأمانة وغيرها. ومن التقنيات أو العمليات الذهنية؛ المقارنة، والاستقراء، والاستقصاء، والفهم، والتساؤل، والاعتراض، وتحليل الأمر الواحد إلى أجزاء متعددة، ورد الأجزاء المتعددة إلى أمر واحد، وغيرها من الترتيبات البحثية ومن المفاهيم مفاهيم العلمية... كلها أعمال فكرية تسهم، بهذه الدرجة أو تلك في تكوين العدة العلمية التي تستثمر وتوظف في بناء الفكر العلمي بصفة عامة، ومنه الفكر المقاصدي.

وصول المفكر في موضوع علمي ما إلى منزلة بناء المفاهيم دليل على مدى الإبداع ودرجة الابتكار؛ لأنه استطاع من خلال مفهوم محدد أو مفاهيم محددة أن يبني بناء نظريا التحمت بداخله جملة من المبادئ بجملة أخرى من التقنيات. بذلك يكون المفكر قد برهن على درجة من درجات النضج في معرفة موضوع اشتغاله، بل برهن على نوع معين من امتلاكه لمكونات هذا الموضوع.

 لا ننسى أن الممارسة العلمية لا تفضي بنا فقط إلى المعرفة الجزئية بتفاصيل الموضوع من خلال تقنياتها فحسب، وإنما تجمع جمعا جدليا بين الإحاطة بالتفاصيل، وبين القدرة المستمرة على بناء النظرة الشمولية التي تمكننا من العلم بالعلاقات بين عناصر الجزئيات والتفاصيل. وهو ما نتمكن منه من خلال المفاهيم.

والمفاهيم في العلم بصفة عامة ليست جامدة، ولا ثابتة لأننا إذا اكتشفنا أن مفهوما ما غير صالح وغير متطابق مع واقع المعرفة الموضوعية، فإن المطلوب دائما وأبدا، هو البحث، وإبداع مفهوم آخر، وليس حصر واقع الموضوع في المفهوم.

3. أسئلة الفكر المقاصدي

وتستمد أسئلة الفكر المقاصدي من واقع المسلمين، كما هو، و ليس فقط من ما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع. فالاكتفاء بما ينبغي أن يكون عليه الواقع وعدم التبصر بما عليه هذا الواقع يجعلنا نصوغ أسئلة مزيفة. وكما قال الأستاذ الجابري رحمه الله: "لا شيء يعتم الرؤية، ويوقع في التيه الوجداني والضلال الفكري كالأسئلة المزيفة[1]."

 ولهذا أجهدت نفسي في طرح أسئلة لئن اختلفت مناسباتها فإنها مناسبة لما عليه واقعنا الإسلامي. وهكذا انتدبت نفسي لمحاولة الإجابة عنها، وغرضي من ذلك أن أرسخ لتوجه معرفي ولتوظيف منهجي لعلي أسهم، انطلاقا منهما، في نقل الفكر المقاصدي المعاصر من علياء التنظير إلى أرض التطبيقات التي تنبثق مسائلها من الواقع الكائن، وليس مما ينبغي أن يكون عليه. ففي ميدان العمليات يتكون ويبنى هذا الفكر، وفي إكراهاته المتشابكة وفي ضغوطه المتداخلة يتشكل ويتبلور.

يمس بعض أسئلة الفكر المقاصدي الموضوع المركزي لمقاصد الشريعة؛ لأنه إذا كانت المصلحة موضوعا رئيسا في مقاصد الشريعة فكيف يتحدد الامتداد والشمول الزمني فيها؟ وبعضها الآخر يمس وظائفها المنهجية، وذلك من قبيل: ما أثر استحضار مقاصد الشريعة في الفقه والفكر الإسلامي المعاصر؟ وكيف السبيل للخروج من واقع الجفاء بين أحكام الفقه الموروثة وبين ما تجري عليه حياة معظم المسلمين من الاحتكام إلى قوانين غربية ومستوردة؟ وما هو دور استحضار مقاصد شريعتنا الإسلامية في معالجة مسائل انتماء الإسلامي المعاصر إلى مجتمعنا وأمتنا؟ وكيف يمكن للمفكر المقاصدي المعاصر أن يقارب طبيعة المعادلة التي تحكم علاقة مظاهر حرية التعبير عن الرأي في الإسلام بما تقتضيه ممارستها في المجتمع من الالتزام بضوابط مخصوصة؟

أ. سؤل التدقيق

إن الموضوع الأساسي في الفكر المقاصدي هو المصلحة. نعم لاشك في ذلك، ولكن لا تتجسد المصلحة داخل بنية هذا الفكر في منطق الأهواء العارضة والنزوات العابرة، بل المطلوب أن يتسق صاحب هذا النوع من الفكر مع ما يقصده مشرع الأحكام من مصالح. بكلمة أخرى إنما يهم عالم المقاصد هو مصالح الناس بحسب ما يقصده الشارع سبحانه و تعالى، وليس بحسب ما يقصدونه.

وهكذا إن المصلحة بعد جوهري لا يتأتى بدونها الحديث عن مقاصد الأحكام الشرعية؛ لأن الغرضية أو القصدية التي تميز السلوك الإنسان يقننها الشرع الإسلامي تقنينا جعلها متناغمة ومتسقة مع ما يقصده الشارع من مصالح. فأحكام الشارع إنما تستهدف تحقيق مصالح محددة يقصدها الشارع، مصالح قد تتناغم أو قد لا تتناغم مع ما يقصده هذا الفرد أو ذاك، أو هذه الفئة أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، أو هذا المجتمع أو ذاك.

 نفهم، انطلاقا من هذا الطرح، أن الإشكال في المصلحة، باعتبارها موضوعا أساسيا في الفكر المقاصدي، متمثل في مدى ودرجة ونوع اتساق الفهم المصلحي لهذا العالم أو ذاك مع ما يقصده الشارع حقيقة. قد يقال إن المصالح التي يستهدفها الشارع من تشريع أحكامه بقدر ما تشمل الدنيا تشمل الآخرة. نعم قد يقال هذا، ولكن لا ننسى أن هذا القول تعميم اعتقادي لئن شهدت له نصوص الدين، فإن يفتقر، وباستمرار، إلى تدقيق علمي تشهد له معطيات الواقع المشهود. ومن ثم يطرح السؤال: كيف يتحدد الامتداد والشمول الزمني للمصلحة بوصفه موضوعاً رئيساً في الفكر المقاصدي؟ بصيغة أخرى: بأي زمن تتعلق المصالح التي يتعين على عالم المقاصد بحثها وسبرها وتعقلها؟ وكيف السبيل إلى نقل الفكر المقاصدي من التعميم إلى التدقيق؟

نطرح هذا السؤال، ونحن المسلمين نعتقد سلفا بأن نتائج أعمالنا وتصرفاتنا بقدر ما تظهر في الآخرة، تظهر أيضا في حياتنا الدنيوية. نعم لاشك في ذلك، لكن قد يتحول الفهم السقيم لهذا الإيمان إلى عائق يحول دون التفقه السديد للمصالح وللمفاسد في ديننا الإسلامي، وفي واقعنا الوجودي. ولهذا لابد من التمييز في تاريخ الفكر المقاصدي بين رؤيتين وجهتا الجواب عن هذا السؤال البسيط في مظهره، العميق في مخبره وأبعاده؛ الأولى؛ تعميمية تنحو منحى اعتقاديا. والثانية؛ تخصصية تنحو منحى تدقيقيا.

ب. أسئلة الوظيفة

يؤدي استحضار مقاصد الشريعة وظائف منهجية متعددة: منها ما يتصل بتشكيل العقلية العلمية، ومنها ما يرتبط بفقه الواقع الذي يعيشه المكلفون، وينتمون إليه تاريخيا واجتماعيا. وهكذا يمكن التمييز في الوظيفة المنهجية التي تؤديها مقاصد الشريعة بين الأسئلة الآتية:

السؤال الأول؛ يمس دور مقاصد الشريعة في ترسيخ الفكر العلمي؛ أعني كيف يرسخ الفكر المقاصدي للفكر العلمي في إدراكنا لواقعنا، وفي أفهامنا لديننا، وفي استنباطاتنا لأحكام شريعتنا؟ نسطر هذا السؤال، ونحن نستحضر ما عليه واقعنا من آفات كثيرة، لعل أعظمها غياب ما يكفي من النزعات العقلية، والاتجاهات التحررية التي تتناغم مع المقتضيات المبدئية، والتقنية للتفكير العلمي.

إن ما نصبو إليه هو أن نطمح أن لا يكون الفكر المقاصدي مجرد شعار نرفعه، بل فكرا تطبيقيا يتطلب تشغيل جملة من التقنيات، ويقتضي اعتماد جملة من المبادئ. تقنيات ومبادئ تتبلور في جملة من المفاهيم التي تجعل اجتهادنا متصفا بالنظريتين الشمولية والنقدية.

السؤال الثاني؛ يتصل بدور الفكر المقاصدي في فقه واقع الجفاء؛ أي كيف يسهم التمايز، باعتباره مفهوما أساسيا في الفكر المقاصدي، في معالجة واقع الجفاء المستمر بين أحكام الفقه الإسلامي الموروثة، وبين ما تجري عليه معظم حياتنا من الاحتكام إلى قوانين أجنبية مستوردة. هذا سؤال حاولنا الإجابة عنه في سياق علمي سابق. ولا تخفى أهمية هذا السؤال في زماننا الراهن الذي اتهم فيه الإسلام والمسلمون بالعنف والإرهاب والغلو والتعصب والانغلاق عن الذات ورفض الآخر المخالف.

السؤال الثالث؛ يتصل بفقه الانتماء إلى واقع المجتمع والأمة في الوقت الحاضر. ومفاد هذا السؤال: ما مدى إسهام التمكن من مقاصد الشريعة في وضوح موقف انتماء الفقيه والمفكر لواقع مجتمعه وما يفرزه من مسائل وقضايا مختلفة؟

السؤال الرابع؛ يرتبط بالكيفية التي يكون بها التعبير الحر عن الرأي حتى يتناغم مع مقاصد الشريعة في واقعنا المعاصر. ومفاد هذا السؤال: كيف يمكن للتعبير عن الرأي أن يكون حرا وسط ضغوط الواقع وإكراهاته وتناقضاته، وأن يكون في الوقت نفسه متناغما مع مقاصد الشريعة فيحفظ حقوق الأفراد والمجتمعات؟

نطرح هذا السؤال ونحن نعلم سلفا أننا نحن المسلمين متفاوتون في تجذر الممارسة الاستبدادية في بنيات مجتمعاتنا، وذلك لأسباب ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية وجغرافية وتاريخية. وكلها أسئلة بينا وجهة نظرنا فيها من خلال كتابنا الأخير "مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي دراسة في أسئلة التدقيق المصلحي والتوظيف المنهجي[2]".

الهوامش

 


[1]. الجابري محمد عابد، وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكرالعربي، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1992م، ص83.

[2]. وهو من منشورات الرابطة المحمدية للعلماء لعام 2012م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط علم الكلام نموذجا

أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط
 علم الكلام نموذجا

منذ ثلاث عقود تقريبا تتعالى أصوات في مجال الفكر الإسلامي منادية بتجديد علم أصول الدين وبناء علم كلام جديد، والسؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه الورقة هو: ما مدى مشروعية الدعوة إلى تجديد علم أصول الدين؟

التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية

التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية

يتناول البحث أهمية علم الرياضيات، وتأثير الفكر الرياضي في تطور المعرفة الإنسانية. فالرياضيات نموذج متميز للتفكير والمعرفة الإنسانية. ويتوقف البحث عن تطور الفكر الرياضي واستخدام الرياضيات في تطوير المعارف الإنسانية وتقدمها منذ القدم وحتى العصر الحديث مرورا بمرحلة الحضارة العربية والإسلامية التي قدمت للبشرية خدمات علمية كبيرة.

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب
مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

اعتبر المنطق منذ أرسطو إلى اليوم جزءاً لا يتجزأ من الفلسفة، بل هو جزؤها الأهم. وكانت عندها الفلسفة هي أم العلوم. كما كانت أولى المعارف التي وصلت إلى المجال المعرفي العربي عبر عمليات الترجمة التي أنجزها نصارى السريان. ولما كانت الفلسفة مزودة بآليات المنطق وأشكاله الاستدلالية...