21 شوال 1440 / 26 يونيو 2019
ندوات

التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية
التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية

د. محمود حمو الحمزة

بروفيسور وكبير الباحثين في أكاديمية العلوم الروسية

معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا

 

مقدمة

يتناول البحث أهمية علم الرياضيات، وتأثير الفكر الرياضي في تطور المعرفة الإنسانية. فالرياضيات نموذج متميز للتفكير والمعرفة الإنسانية. ويتوقف البحث عن تطور الفكر الرياضي واستخدام الرياضيات في تطوير المعارف الإنسانية وتقدمها منذ القدم وحتى العصر الحديث مرورا بمرحلة الحضارة العربية والإسلامية التي قدمت للبشرية خدمات علمية كبيرة.

أولا: عن أهمية علم الرياضيات

يعتبر الحديث عن الرياضيات مغامرة صعبة ولكنها شيقة، وذلك مرتبط بطبيعة هذا العلم الدقيق والمتناسق والمنطقي. وبدايةً نتذكر قول عالمة رياضيات روسية هي "صوفيا كوفاليفسكايا" حيث قالت: "يخطئ بعض الناس عندما يخلطون بين الحساب والرياضيات. فالرياضيات علم نظري بالدرجة الأولى لكنهم يعتقدون أن الرياضيات علم جاف ومعقد جداً، إلا أن الحقيقة هي أن الرياضيات علم جميل وممتع، وحتى يكون الإنسان عالم رياضيات حقيقياً ومبدعاً يجب أن يتحلى بروح شاعرية ومخيلة غنية. حينها تصبح الرياضيات عالماً رحباً وجذاباً".

كما أضيف إلى ذلك بأن الرياضيات لها صلة وثيقة بالفلسفة، ولها تطبيقات كبيرة في العلوم المختلفة وفي المجالات العملية. ولها صلة بالأدب وعلم النفس، وعلم التربية، والطب، وعلم اللغة. وتشير دراسات حديثة لعالم روسي إلى أن الحساب كعلم عن الأعداد يُخفي وراءه فلسفة عميقة تتمحور حول طريقة الاكتمال التي تظهر في الفكر والواقع.

فالرياضيات ظاهرة معقدة ومتعددة الوجوه وعميقة في ذات الوقت، ولكي يشعر الإنسان بروعتها عليه أن ينفذ إلى جوهر هذه الظاهرة، ويتعمق ويتابع التسلسل المنطقي لبنائها وتطورها، ويتعرف على تطبيقاتها وفوائدها. عندئذِ يدرك بأن الرياضيات نظام متماسك ومتين مكون من مسلمات وتعاريف ومبرهنات قامت بوضعها أجيال من الناس العظماء على مدى آلاف السنين.

 والرياضيات هي ملكة العلوم، حقاً، لما تقدمه من فائدة وتأثير على مختلف فروع المعرفة؛ بدءاً من العلوم التقنية وانتهاء بالعلوم الاجتماعية، مروراً بالاقتصاد وعلم الحياة وغيرها. لقد تكلم العلماء كثيراً عن الرياضيات وأهميتها بالنسبة للعلم بشكل عام وللفكر وحياة الإنسان العملية. ونورد بعض هذه الأقوال:

 يقول "الكندي" أول فيلسوف في الإسلام وعبقري زمانه: "إن الفلسفة لا تنال إلا بالرياضيات". وقبله كتب الفيلسوف اليوناني الشهير "أفلاطون" على باب أكاديميته عبارة تقول: "لا يدخل هذه الأكاديمية من لا يعرف الرياضيات". أما العالم الإيطالي العظيم جاليليو فقد قال: إن الطبيعة مكتوبة في كتاب عظيم، ولكي نقرأ صفحاته لابد من معرفة لغته الخاصة وهي الرياضيات. و"أن الرياضيات هي أفضل وسيلة وهي أساس المعرفة الحقيقة للظواهر الطبيعية". كما أكد عالم الرياضيات الألماني الكبير هيلبرت مخاطباً المؤتمر العالمي للرياضيين سنة 1900م.

ويقول الفيلسوف الألماني "إنجلز": "إن المقياس الحقيقي لتطور وتقدم أي علم هو بمقدار استخدامه للرياضيات"، وهذه الحقيقة تتجسد يوماً بعد يوم في مختلف جوانب حياتنا العلمية والواقعية، فيكفي أن ننظر إلى الفيزياء التي تقدمت كثيراً بفضل اعتمادها على الرياضيات وكذلك فإن الحاسوب وما أدخله من ثورة في المعلومات، وكذلك اختراع أحدث الأجهزة التكنولوجية والمكتشفات العلمية مثل غزو الفضاء والاتصالات.. كل ذلك من نتائج تطبيق الطرق الرياضية المختلفة.

 وأضيف إلى ذلك بأن أحد مقاييس التقدم العلمي والاجتماعي في أي بلد هو بمدى اهتمامه وتقديره لعلم الرياضيات وتدريسه بشكل معمق منذ المراحل الأولى في حياة الطفل، ولا يخفى علينا جميعاً أن الدول المتخلفة أو النامية، كما يسميها البعض، تضع شروطاً ضعيفة للقبول في تخصص الرياضيات. بينما تذهب أفضل العقول وأذكاها في الدول المتقدمة لدراسة الرياضيات. ويكفي أن نقول أن الرياضيات[1] تعطينا معلومات عن ظواهر غير مرئية بالعين المجردة، ولا حتى بأحدث الميكروسكوبات أو التلسكوبات، فهي تعطينا معلومات دقيقة نسبياً عما يجري داخل نواة الذرة وفي الفضاء الكوني وكواكبه البعيدة عنا ملايين الأميال، والحاسوب بأهميته الهائلة في حياتنا المعاصرة ما هو إلا نتاج الرياضيات؛ فهو مبني على أساس جبر بول المنطقي المعروف منذ أواسط القرن 19م.

وفحوى القول أن الرياضيات هي لغة العلم وأنها لغة مجردة "رمزية" تستطيع وصف معظم ظواهر الطبيعة والمجتمع والفكر. وأسلوب التفكير الرياضي مهم للغاية بالنسبة للعلماء في الاختصاصات المختلفة. ونذكر هنا الدور العظيم للعلماء العرب والمسلمين في خلق حضارة عربية إسلامية متطورة في القرون المتوسطة، فقد تميزوا بالموسوعية والإلمام العميق بالفلسفة والعلوم الأخرى وخاصة الرياضيات، مما يدل على الصلة الوثيقة بين الرياضيات والفلسفة.

ويمكن تلخيص أهم ميزات الرياضيات التي تجعل منها أداة فعالة في تطوير العلوم الأخرى وفي اكتشاف قوانين الطبيعة والفكر والمجتمع:

1. التجريد وهي صفة قد تبدو أنها منعزلة عن الواقع، لكنها في الحقيقة تعطي قوة للرياضيات بأن تصبح صالحة لكل العلوم ويمكن تطبيقها في مجالات معرفية غير متوقعة مثل تطبيق طرق التحليل الدالي في الاقتصاد، وكذلك نظرية الزمر (من الجبر الحديث) في علم التربية وهكذا.

2. قدرة الرياضيات على دراسة الظواهر غير المرئية مثل الفضاء الكوني، ونواة الذرة.

3. التعميم؛ وهو الانتقال من الحالات الخاصة بمسألة معينة الى طريقة تشمل حالات كثيرة.

4. طريقة الاستقراء والاستنباط التي تسمح حل مسائل مختلفة وخاصة في الإحصاء.

5. الدقة في الحلول والنتائج، على أن تُفهم الدقة على أنها نسبية وتقريبية.

6. الرمزية واستخدام الأرقام والحروف في التعبير عن القضايا الرياضية، وبالتالي فإن لغة الرياضيات هي لغة فعالة لا تقل عن اللغات الأخرى التي يتحدث بها الناس.

7. الرياضيات قابلة للاستخدام في برمجيات الحاسوب، وبالتالي فهي تتيح الفرصة لحل أعقد المسائل بالطرق العددية والبرمجية.

8. محدودية علم الرياضيات ونظرياتها، حسب فرضية العالم النمساوي جودل حول عدم اكتمال الرياضيات كمنظومة معرفية مثلها مثل العقل البشري. وبالتالي فالرياضيات نظام غير مكتمل بالرغم من دقته الكبيرة.

ثانيا: نشوء علم الرياضيات 

هناك آراء متناقضة أحياناً للعلماء حول مصادر نشوء الرياضيات كعلم. واضح أن الكم والعدد كما يتناولهما العلم الرياضي هما من أكثر الأمور العلمية تجريداً وبعداً عن الأشياء الحسية التي يعالجها علماء الطبيعة (الفيزياء) والأحياء؛ بحيث يسهل على المتأمل فيها أو بالأحرى في أصولها ومنابعها، أن يذهب مذهباً مثالياً كمذهب أفلاطون قديماً (الذي اعتبر أن الرياضيات صور لنماذج موجودة في الواقع، لكن الرموز الرياضية موجودة في عقلنا فهي صور ومثل عقلية بَحتة).

 ولكن هذه النظرة في أصول الرياضيات المثالية أو العقلية الصرفية لم تكن مقبولة دوماً خاصة بعد أن عرف الكثير عن فيزيولوجية (علم وظائف) الحواس[2] كمنبع آخر ومحتمل للرياضيات، وبعد أن جمع علماء الاجتماع وقائع كثيرة عن فكرتي المكان والزمان اللتين يرد إليهما أحياناً الكم والعدد على الترتيب. فقد ألقت تلك الدراسات الضوء على الأصول التجريبية لأفكار مثل المكان والزمان والكم والعدد وغيرها.

فقد بين أرنست ماخ (E.Mach) في كتابه "المعرفة والخطأ " أن تلك الأفكار وليدة التكوين الفيزيولوجي للحواس الإنسانية. فقدً أجريت تجارب حول فكرة المكان واستنتج العلماء أن الإحساس بالمكان قوي في أطراف الأنامل ولكنه ضعيف في الظهر. وهذا يؤكد الأصول الفيزيولوجية الممكنة للرياضيات. ولكن في الحقيقة هذه الأصول بالرغم من أهميتها تبقى ذات صفة فردية وذاتية ولا تكون علماً مشتركاً بين الجميع. لذلك يذهب علم الاجتماع إلى التأكيد على الأصول الاجتماعية للأفكار الرياضية. غير أن هذه النظرية تظل ضعيفة؛ لأن الأصول الاجتماعية مرتبطة بالقبائل وبالمفاهيم البدائية التجريبية المباشرة لفكرتي المكان والكم وهو غير المفاهيم المجردة التي نتعامل معها في الهندسة والحساب.

 يقودنا ذلك إلى ضرورة وجود فكر آخر لحضارة أرقى لكي يصل إلى فكرة المكان المجرد الرياضي ذي الأبعاد المختلفة. فهذا المكان الرياضي لا تستطيع أن ترقى إليه لا الحواس ولا العقلية البدائية فالفراغ (الفضاء) الذي يرمز للمكان هو مكان مستمر متصل متجانس وهو لا نهائي. ونلاحظ أن الزمان بتتابعه يمكننا من ملاحظة تتابع الأعداد. أما المكان فهو في أساس المفاهيم الهندسية، ولكن بالرغم من أن فكرة العدد قريبة من فكرة الزمان؛ ترجع مثلها إلى تتابع الحالات النفسية عند الفرد، إلا أنها لا تستطيع أن تفسر لنا العدد في تجريده وتعريفه الحديث المرتبط بأحدث الطرق الرياضية والفلسفية. كما نضيف أن البدائيين خلطوا بين العدد والمعدود.

نستنتج أن الأفكار حول الأصول الفيزيولوجية أو الاجتماعية للرياضيات غير كافية إطلاقاً في فهم حضارة العلم. ولكننا الآن سنعود إلى التاريخ للتدقيق في مصادر نشوء الرياضيات، ونركز هنا على مصدرين رئيسين أكدتهما التجارب والأبحاث وهما:

المصدر التجريبي؛ وهو ناتج عن حاجة الإنسان المادية العملية، منذ فجر التاريخ وحتى الآن، إلى قياس الأراضي (أطوالها ومساحتها)، وسعة الأواني، وحساب الزمن، وعد الأشياء، فنشأ مفهوم أولي عن الهندسة وهي علم تجريبي، وتعني "قياس الأرض" (Geometry) وذلك في مصر القديمة حوالي 3500 ق. م، وقد استخدم القدماء العد بطرق مختلفة واستخدم الحساب منذ عهد السومريين والبابليين في بلاد ما بين النهرين، ولعب الهنود والعرب دوراً بارزاً في علم الحساب واكتشاف واستخدام ونشر الأرقام العشرية.

 كما أسهم العلماء الإغريق في التطور الهائل للرياضيات؛ فيثاغورس، على سبيل المثال، استحدث طريقة لتصوير الأعداد بوصفها تنظيمات من النقط أو الحصى، واستمرت هذه الكلمة في الرياضيات حتى الآن (الحصاة – Calculus). كما أن العلماء العرب مثل الخوارزمي (أول عالم رياضيات في الإسلام) ألف كتابه "فن الجبر والمقابلة"، وكتب في مقدمته أنه موجه لمساعدة الناس في حل مسائل عملية كتقسيم المواريث وحساب الفرائض وغيرها. وكذلك اهتم المسلمون بالفلك لتحديد جهة القبلة والجهات الأربعة، وكذلك لتحديد منازل القمر وغيرها.

المصدر النظري؛ وهو من نتاج عقل الإنسان وإبداعه. يقول العالم الألماني كرونيكر (1891-1823-Kronecker) "إن الله قد خلق الأعداد الصحيحة والباقي من عمل الإنسان".

والرياضيات، كعلم نظري وفكري، من ميزات العقل البشري الذي يسعى دوماً لفهم ما يحيط به وعندما أدرك العقل أنه لن يستطيع إحاطة فيزيائية بالكون هرع إلى رموزه يستنطقها الحقيقة وفي تلك اللحظة ولدت الرياضيات، باعتبارها علما مجرداً فإن ارتباطه بالحاجات المادية الواقعية التي لم يكن ارتباطها كافياً لدفع هذا العلم ليصبح له أساسه المنطقي والبديهي (المسلماتي)، وهذا ما تحقق لأول مرة على أيدي العلماء الإغريق. فقد كان الاكتشاف الحقيقي لعلمي الهندسة والحساب واستخدام البرهان النظري للمبرهنات يعود إلى العلماء اليونان(600 ق. م).

بدأت الدراسة الجدية للرياضيات والتي برزت فيها العقلية النظرية البرهانية إلى أبعد حد. وقد تميز الفكر الرياضي الذي بدأ بفيثاغورس في القرن السادس قبل الميلاد، تميز بظاهرتين: أولهما؛ أنه امتزج دائماً بنظرات مثالية زائدة على حاجات الرياضيات نفسها؛ فقد اعتبر فيثاغورس وتلامذته أن كل شيء في الوجود هو شكل هندسي وعدد (كما يروي أفلاطون وأرسطو)، وهذا التجريد هو أول شرط لتكوين الفكر الرياضي. أما الظاهرة الثانية؛ فهي أنه عني بحل وبرهان مسائل متفرقة من الرياضيات وبين أن الرياضيات معرفة علمية تقودنا إلى الحقيقة.

اهتم اليونان بالفلسفة والمنطق، وهم أول من بدأ بدراسة المسائل الرياضية "حباً في البحث ذاته" كما يقول المؤرخ "هيرودوت". ونذكر أن العالم العربي الكبير ثابت بن قرّة درس العلم حباً في العلم، وكذلك فيلسوف العرب الكندي. ونظروا إلى الأعداد، كما قلنا، كأداة رئيسة لوصف الطبيعة. ووجد الفيثاغوريون جوهر العلاقات الرياضية في الأرقام والعلاقات الرقمية، ولهذا اكتشفوا الطبيعة التوافقية للنغمات الموسيقية بعلاقات رقمية بسيطة تمثل المسافات الموسيقية.

ومن المحتمل جداً، أن الكشوف في ميدان الموسيقى هي التي أدت إلى الاعتقاد بأن الأشياء كلها أعداد بحيث يتحتم علينا من أجل فهم العالم المحيط بنا أن نهتدي إلى العدد في الأشياء. وما أن ندرك البناء العددي حتى تتحقق لنا السيطرة على العالم. هكذا فكر علماء الرياضيات اليونان وقد تبلور المصدر النظري لنشوء الرياضيات في كتاب إقليدس الهندسي "الأصول" أو "العناصر" الذي عرض فيه كل الهندسة على أسس منطقية ومسلماتية نظرية بحتة.

 كما نشير إلى أن اكتشاف العدد التخيلي (المركب) هو من الدلائل القوية على صحة المصدر النظري وهناك أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد اكتشف علماء اليونان معادلات القطوع المخروطية، وبقيت ألفين عاماً دون تطبيق إلى أن جاء كيبلر وكوبرنيكوس (علماء فلك) ليثبتوا أن المدارات الكونية للكواكب قطوع مخروطية.

أما عن العدد التخيلي؛ الذي ليس له مقابل في الواقع، فإن يلعب دوراً حاسماً في الأعداد المركبة التي لولاها لما كانت النظريات الفيزيائية الكهرومغنطيسية وغيرها. ولكن الواقع ليس هو المكان فقط، وإنما الزمان المرتبط بالمكان بشكل قوي، ولا يمكن الفصل بينهما، حسب النظرية النسبية لإنشتاين، بخلاف ميكانيك نيوتن الذي يفصل بين الزمان المطلق والمكان المطلق. ويمكن فهم الوجود كما يلي[3]،[4]:

المكان يقابل المسافات والحركة؛ أي المادة المجسدة بينما تقابل الطاقة التي تصرفها المادة المجسدة في الحركة عامل الزمان أما دور الرمز؛ فهو السماح بالانتقال بين المكان والزمان بين المادة والطاقة. يا له من رمز ذاك الذي يلعب دور جواز السفر بين جانبي الواقع الأساسيين المكان والزمان، المادة والطاقة!. إنه رمز في منتهى الواقعية.

وقد تطورت الرياضيات سواء من حيث تلبيتها لمتطلبات الحياة العملية، أو من حيث تعمق وتوسع جانبها النظري لذلك نرى أن الرياضيات البحتة، والرياضيات التطبيقية تلتقيان بالرغم من التباعد الشكلي في مواضيعهما وطرقهما؛ أي أن الرياضيات علم واحد له وجوه متعددة. وتصنيف الرياضيات الى نظرية وتطبيقية عائد للرياضيين أنفسهم، وليس لأن الرياضيات في الوقع تقسم هكذا.

 ونذكر، مثالاً، وهو استخدام نظرية الزمر (Group Theory) من الرياضيات البحتة في الفيزياء النووية، وفي علم التربية الحديث، وكذلك استخدام التحليل الدالي في الفيزياء النظرية المتقدمة وفي الاقتصاد الرياضي، وفي بحوث العمليات واستخدام الجبر المجرد في المجالات التقنية، واستخدام التبولوجيا في الاقتصاد وغيرها كثير.

وتساعدنا العلاقات الرياضية في فهم طبيعة العالم الواقعي المحيط بنا؛ فبالرغم من دقة المعلومات التي نحصل عليها عن طريق الحواس، وإمكانية قياسها وتدقيقها بواسطة التجربة، خاصة وأننا نملك أجهزة قياس متطورة، إلا أنها صحيحة بصورة تقريبية فقط. أما العلاقات الرياضية التي تعتمد على أساس منطقي علمي فتمكننا من معرفة ظواهر واقعية لا نستطيع أن نحس بها، وأحياناً إن الحدس والحواس فيهما خطر الخدعة في معرفة العالم الخارجي، لكن الرياضيات تعطينا درجة كبيرة من الدقة.

ومن خواص استخدام الرياضيات في مجالات المعرفة الإنسانية، أنها تساعد ليس فقط في تسهيل دراسة تلك المجالات بطريقة رياضية فعالة، وإنما تساعد في استخلاص النتائج التي تعود وتطبق في المجالات المعرفية المختلفة. وهناك فريق ثالث بين علماء الرياضيات يرى أنه لا يوجد أي تأثير للمصدر المادي في نشوء علم الرياضيات، ويمكن تفسير هذا الرأي بكيفية فهم الرياضيات نفسها. فاذا انطلقنا من تعريف المصرييين القدماء للرياضيات على أنها علم المبادئ العامة، فإن النظري والعملي يختلطان تماما.

ثالثا: موضوع الرياضيات ومنهاجها

 ماذا تدرس الرياضيات؟ وما هو مضمونها؟ قد يبدو هذا السؤال سهلاً لكنه في الحقيقة سؤال عميق. وللإجابة الدقيقة عليه لابد من إلقاء نظرة على تطور الرياضيات نفسها عبر القرون، وكذلك التحليل الفلسفي لطبيعة موضوع الرياضيات ومنهاجها.

يعتبر كانط أن أي علم يعتبر علماً بقدر ما يحتوي من رياضيات؛ أي أن الرياضيات هي مقياس علمية أي مجال معرفي. وكل تاريخ الرياضيات يؤكد على الصلة الوثيقة بين العقل والطبيعة. ويقول غاليليو: إن قوانين الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات. ويقول كاري: الرياضيات هي علم عن الطرق الشكلية. ويقول احد العلماء أن الرياضيات هي علم مجهول الموضوع لأنها تستخدم المجهول X ولذلك لا نعرف عن أي شيء تتحدث الرياضيات.

فلو سألنا تلميذاً في المرحلة الابتدائية ما هي الرياضيات؟ حسب مفهومه لأجاب هي الحساب والهندسة، أما في المرحلة الإعدادية فتشمل الجبر والهندسة والحساب، وهكذا في المرحلة الثانوية يفهم الطالب الرياضيات على أنها التحليل الرياضي،، والجبر، والهندسة المستوية، والفراغية، وحساب المثلثات، والإحصاء، والاحتمالات، والميكانيكا. أما الطالب الجامعي فيفهم الرياضيات من خلال كمية المقررات الرياضية التي يدرسها ولكن تبقى مواضيع كثيرة لا تدرس في الجامعة، بل في مرحلة الدراسات العليا ومع ذلك فحتى الأستاذ الجامعي لا يحيط بكل مواضيع الرياضيات.

 إذاً المسألة ليست تعداد للمقررات، بل هي إعطاء وصف دقيق يميز طبيعة موضوع الرياضيات ومنهاجها؛ فالرياضيات كائن حي متجدد ومتطور وهي فرع من فروع المعرفة الإنسانية التي ليس له نهاية، كما هو الكون من حولنا. فالرياضيات تتطور وتتوسع مع تطور العقل البشري سواءً من الناحية التجريدية أو من ناحية التطبيق العملي.

إن موضوعات الرياضيات[5] في صورتها الحالية التي يألفها الرياضيون اليوم تبدو مجردة عن كل ما هو حسيَ وكأنها تنبع من الفكر وحده. فهي موضوعات لا تشير إلى الأشياء حتى تحتاج مقدماً في تكوينها واطراد نموها إلى تجربة سابقة وإلى معرفة بها. وإنما هي تشير إلى الجانب الذي "يقاس" و"يُعَد" منها فحسب؛ أي أنها تتناول جانب الزيادة، والنقصان، والمساواة في الأشياء، وهذا هو القياس. كما تتناول جانب "الترتيب"، أو "النظام" في تتابع الأشياء وتسلسلها، كما تراه الفلسفات موضوعاً مزدوجاً: القياس والترتيب (Measure & Order) كما يقول ديكارت، أو الكم والمقدار. أو الكم المتصل، والكم المنفصل، كما تقول اصطلاحات أكثر قدماً عند فلاسفة كثيرين ترجع في أصولها إلى أرسطو.

ونلاحظ أن القياس والعد مرتبطان بالهندسة والحساب؛ فهذا ابن سينا يقول: "والكم ينقسم إلى المتصل.. وإلى المنفصل.. ومن حيز الكم المتصل تبتدئ الهندسة.. ومن حيز المنفصل يبتدئ الحساب ولا نظر لهذه العلوم الرياضية في ذوات شيء من الجواهر، ولا في هذه الكميات من حيث هي في الجوهر"؛ أي أن الرياضيات تتناول الكم المتصل، والكم المنفصل بشكل مجرد عن جوهر الشيء نفسه.

ونرى أن عالم الرياضيات الروسي غينيدينكه (Genedenko) يناقش موضوع الرياضيات على شكل حوار بين رياضيين مختلفين[6]. فمنهم من يعتبر أن الرياضيات تركز على الجانب النظري، وآخر يرى أن موضوع الرياضيات تطبيقي، وثالث يرى أن الرياضيات تجمع بين هذا أو ذاك. ويعطي "غينيدينكه" أوصافاً تبدو موفقة في تشبيه الرياضيات بمدينة فيها شوارع يجري تحسينها وفتح شوارع جديدة، أو تشبيه الرياضيات بغابة فيها أشجار متنوعة قد يَموت بعضها ويتم بتره وتولد فروع جديدة وتعلو وتكبر وهكذا.. باختصار فالرياضيات حسب غينيدينكه كائن حي متطور داخلياً يؤثر على ما حوله، وتؤثر فيه عوامل خارجية.

وهناك آراء أخرى مهمة حول موضوع الرياضيات سنعرضها باختصار.

إن موضوع الرياضيات[7] في الفكر الرياضي الكلاسيكي (ونقصد بالرياضيات الكلاسيكية الرياضيات حتى الهندسات اللا إقليدية في القرن 19م) هو: "المقادير القابلة للقياس" أما المنهاج الرياضي الكلاسيكي فكان يقوم على الحدس والاستنتاج؛ حدس الحقائق البديهية، والأفكار الفطرية واستنتاج حقائق جديدة من تلك. فالحدس يمد الرياضيات بعنصر الخصوبة، أما الاستنتاج يمنحها التماسك المنطقي.

وهنا سنتحدث عن تطور الفكر الرياضي، وليس عن المكتشفات الرياضية، ونتابع كيفية تفكير الرياضيين منذ القديم وحتى العصر الحديث. والفكر الرياضي هو نمط عقلي متطور من أنماط الفكر، والحديث عن تاريخ الفكر الرياضي من قبيل الخوض في فلسفة الرياضيات؛ فلكل علم فلسفته وهي تدرس أسس هذا العلم وقضاياه الأساسية وتتضح دراستنا للفكر الرياضي من خلال موضوع الرياضيات ومنهاجها، فالموضوع مرتبط بالمنهاج. وتتميز الرياضيات الكلاسيكية بكون الموضوع منفصل عن المنهاج أما الرياضيات الحديثة فتتميز بالدمج بين الموضوع والمنهاج؛ (يقصد بالمنهاج – الطريقة Method).

وقد تطورت الرياضيات وتنوعت وظهرت فيها أزمات وتباينت المواقف والنزعات تجاهها فهناك النزعة الحدسية، وهناك المنطقيون، وظهر تفكير جديد متميز عن الرياضيات القديمة فقد تغير الموضوع من الكائنات المستقلة بذاتها والحقائق البديهية (المسلمات) إلى أن أصبح العلاقات و البنيات (structure). فتداخلت فروع الرياضيات وانطوت كلها تحت شكل بنيوي شامل ومجرد، أما المنهاج الرياضي، تغير منذ القديم فلم يعد يقتصر على الحدس والاستنتاج بالمعنى القديم للكلمة، بل أصبح جملة من الإجراءات والتحويلات تجرى على البنيات، فبينما كان منطق أرسطو غير منتج فقد أصبح المنطق الجديد منتجاً ويعطي الجديد. فمن المقدمات نصل إلى نتائج جديدة وأصبح المنطق هو لغة الرياضيات وليس مستقلاً عنها، فهو يدرس البنيات المنطقية والجبرية، وأصبحت الرياضيات كلاً واحداً يدمج بين الموضوع والمنهاج؛ لأنها تدرس البنيات الرياضية التي تصاغ على أساس منطقي وتدرس بطريقة منطقية.

وأصبحت الفلسفة جزء من الرياضيات؛ أي أن فلسفة الرياضيات جزء من اختصاص الرياضيات. وما حدث في الفكر الرياضي قدم نظرية في المعرفة جديدة وعلمية أعطت فوائد للأفكار العلمية في ميادين أخرى من فيزياء وعلم اجتماع وعلم نفس وغيره. فتحققت وحدة الفكر البشري المبدع الخلاق.

رابعا: المراحل التاريخية لتطور علم للرياضيات

يقسم عالم الرياضيات الكبير اندري كولموغوروف (ت 1987) بطريقة عبقرية تطور الرياضيات الى أربعة مراحل أساسية عبر تاريخ البشرية تبعا لاستخدام الثوابت والمتغيرات للعناصر والعلاقات:

ـ المرحلة الأولى: ولادة الرياضيات (حتى بداية القرن 6 ق. م).

ـ المرحلة الثانية: الرياضيات الابتدائية (التي تتعامل مع الثوابت) (حتى بداية القرن 17 م) (مثال: 3+4 أو 3×4 العناصر ثابتة والعمليات ثابتة).

ـ المرحلة الثالثة: رياضيات المتغيرات (حتى بداية القرن 19م) (مثال: س+ ص، حيث العناصر س وص متغيرة لكن العملية + ثابتة).

ـ المرحلة الرابعة: الرياضيات المعاصرة (رياضيات العلاقات المتغيرة) (في القرنين 19 و20م) ( مثال: X α Y حيث X وY متغيران وكذلك العلاقة α التي تأخذ معاني مختلفة مثل الجمع والضرب وغيرها.)

ـ ويضيف الباحث الروسي فيكتور فاغانيان[8] مرحلة جديدة في تاريخ الرياضيات، وهي مرحلة "الرياضيات الزمنية" أي الرياضيات المرتبطة بعامل الزمن بالمعنى الرياضي، وليس الفيزيائي، ويسميها "الواقعية الرياضية"؛ لأن العلاقات الرياضية تتعلق بالزمن كمتغير.

وتضم المرحلة الأولى اسهامات الحضارة المصرية، والبابلية، والهندية، والصينية، واليونانية، حيث بدأت الرياضيات بطرق حسابية عددية، وهندسية قياسية، وحسابات مثلثية متفرقة، وتطبيقية، إلى أن وصلت الى علم قائم على أساس مسلماتي منطقي عند اليونان ("كتاب "الأصول" لإقليدس) في القرنين السادس والخامس ق.م. وتلك كانت مرحلة ولادة الرياضيات؛ أي مرحلة الرياضيات الأولية. وتحدد مستوى تطور الرياضيات بمتطلبات الحياة البسيطة اليومية في البناء والحسابات المتعلقة بالمعيشة والتجارة، والملاحة، وإدارة الدولة. وأكثر المعارف العلمية التي حظيت بتطور سابق لعلم الرياضيات هي علم الفلك (وحساب المثلثات كجزء منه، والنظام الستيني الذي اخترعه البابليون) لكثرة الطلب عليها منذ القدم.

أما مرحلة الرياضيات الابتدائية (التي تدرس حاليا في المرحلة ما قبل الجامعية) فقد امتدت حتى القرن السابع عشر للميلاد. وهي مرحلة طويلة تراكمت فيها الاكتشافات العلمية الدقيقة بشكل واسع في الحساب والهندسة والجبر والمثلثات والفلك والميكانيكا. وقد استندت الى إنجازات القدماء في الشرق.

فعلم الجبر الذي يدرس، على سبيل المثال، المعادلات بالدرجة الأولى وجد بداياته عند البابليين والصينيين قبل الميلاد، وفي المرحلة الهلنستية وخاصة عند ديوفانطس في القرن الثالث للميلاد (في كتابه "الحساب") وفي الهند في القرن السابع للميلاد تبلور كعلم مستقل عند العرب والمسلمين على يد محمد بن موسى الخوارزمي، ولاحقا عند أبي كامل شجاع بن أسلم والكرجي وعمر الخيام. ويجدر الذكر أن الرموز الجبرية مرت أيضا بمراحل امتدت من الحساب الهندي والديوفنطسي إلى العلماء المسلمين في المغرب العربي والأندلس، وكان أولهم ابن الياسمين (ق. 12م) وتبعه لاحقا القلصادي (ق. 15م) وتتوجت هذه الرموز عند فييت الفرنسي في القرن 17م.

أفلاطون الفيلسوف اليوناني الذي عظّم الرياضيات

ونتوقف قليلاً عند أفلاطون كمثال على تفكيره الفلسفي وارتباطه بالرياضيات وتطبيقه على الفكر الإنساني. يعد أفلاطون أنموذجاً للفيلسوف المثالي الذي يعتقد أن معرفته أو حكمته علوية تهبط كالنسر على ما في هذا العالم السفلي من أشياء. فالمعرفة عند الفيلسوف الميتافيزيقي الحق تبدأ كاملة، ثم تهبط من السماء إلى الأرض، أما المعرفة عند رجل العلم فتبدأ بما هو مألوف على ظهر البسيطة ثم تحلق، شيئاً فشيئاً صاعدة إلى السماء. فالمذهبان متباينان في جوهرهما.

وعند أفلاطون؛ لا تستمد المعرفة إلا من المثل الخالصة البحتة، على حين أن الأشياء المادية لا تؤدي إلا إلى آراء مزعزعة مشكوك في صحتها. وكان أفلاطون من المتأثرين بفيثاغورس، وفلسفته مصبوغة بالرياضيات وقد دربه جزئياً في الرياضيات سقراط. وبيّن أفلاطون موقفه من الرياضيات بياناً وافياً في "الجمهورية" حيث قال: "من المناسب إذن يا جلوكن أن ينص في قوانيننا على وجوب دراسة هذا الفرع من العلم، ويجب أن نحمل من يلي مناصب الدولة العليا على أن يدرس الحساب ويتمكن منه، لا كما يفعل الهواة، بل عليه أن يواصل دراسته حتى يصل إلى مرحلة تدبير طبيعة العدد بالتفكير البحت، لا للانتفاع به في الحرب، وفي تيسير صرف النفس عن عالم المادة إلى عالم الجوهر و الحقيقة". واعتبر أن دراسة العدّ المقصود منها المعرفة وليس الاتجار، وهي تدفع النفس إلى السمو وتستحثها على البحث في الأعداد البحتة فلا تذعن لما يعرض عليها من حجج مستمدة من ارتباط الأعداد بالمرئيات والملموسات.

فمن وجهة نظر أفلاطون؛ الرياضيات لها من الأهمية ما يستدعي أن يكون هناك قانون يحتم دراستها على من يتولون أمور الحكم. (وأفلاطون إذ يتكلم عن الرياضيات، إنما يتكلم بطبيعة الحال عن الرياضيات البحتة التي تبصر بالحقيقة الخالدة، وتقدم أفضل وسائل السمو بالنفس إلى الخير، إلى الله. وينفر من الرياضيات التطبيقية، لذلك نبذ استعمال أدواتها عدا المسطرة والفرجار.

وقد عبر عن وجهة نظره العامة تعبيراً جميلاً بقوله: "إن الله دأبه أن يهندس (الله رياضي قبل كل شيء) وقد كان منقوشاً على باب أكاديميته هذه العبارة "من لم يكن رياضياً فلا يدخلن ها هنا". وبرأيه أن الدائرة التي نرسمها، أو التي نراها ليست هي الدائرة المثالية الموجودة في ذهننا؛ فكل ما هو مرئي يعتبر تقريباً لتلك الدائرة المثالية.

وقد كان للنسق الرياضي المطرد الذي اهتدى الفيثاغوريون إلى وجوده في المسافات الموسيقية أثر كثير في نفس أفلاطون؛ فللرياضيات، إذن، صلة بالموسيقى من جهة وبالفلك من جهة، أخرى، أفلا يكون ذلك دليلاً على أن في الفلك موسيقى؟ هذه فكرة خلابة تملكت أفلاطون فجرته إلى فكرة التوافق في السماوات أو التوافق في روح الكون.

واعتبر اليونان أن المرحلة العليا من التثقيف العام كانت كلها رياضية (الحساب والهندسة والموسيقى والفلك). ويعتقد أن أفلاطون لم يكتشف جديداً في الرياضيات ومع ذلك كان أثره في تقدم الرياضيات عظيماً. فقد أثار الإعجاب بالرياضيات وبالهندسة في نفوس من يدرسون الفلسفة. "لابد لمن يريد تعلم الرياضيات من أن يحبها، وإلا فلا سبيل له إلى تحصيلها" وقد أشار عدة مرات إلى أن الرجل المهذب يجب أن يكون على علم بالرياضيات.

وحتى الصينيين الذين ساد لفترة طويلة تصور خاطئ عن ضعف اسهامهم في تطور العلوم تبين بعد اكتشاف "الحساب في تسعة كتب" (في الفترة ق 2-1 ق. م) بأن لهم باع كبير في تقدم الرياضيات، والجميع يعرف دور الحضارة الصينية في تقدم البشرية من خلال المكتشفات العديدة التي قدموها للعالم. ومازال الباحثون في كل فترة يكتشفون طريقة رياضية تمتد جذورها الى الصين. ولم ينظر الصينيون إلى الحسابات على أنها محض مهارات تصلح لأي كان بل على أنها أمور يجب أن تكون موضوعاً لاهتمام أذكى المفكرين في الدولة. وكذلك حسب رأي جون ماكليش لأناقة اللغة الصينية وبساطتها، والسبب الثالث يتعلق بطبيعة الكتابة الصينية لأنها لغة صورية وفيها تبسيط بالتعبير عن الأفكار. وهناك من يربط بين فكرة النظام الثنائي المعروفة في بناء الحاسوب الحديث وبين الصين لأنهم استخدموا هذه الفكرة. وهو أساس الرموز (الكودات) Codes التي تستند إليها معظم العمليات الحاسوبية.

أما الهند فيكفيها أنها قدمت نظام العد العشري الذي نقله العرب بعد توضيبه الى العالم فاشتهر بالأرقام العربية. ولكن العالم الكبير "كولموغوروف" وقع في خطأ واضح بأن نسب نشوء علم الجبر إلى الهنود بينما يتفق مؤرخو العلم على أن "الخوارزمي" هو مؤسس علم الجبر ومبدع مصطلح "الجبر" وهي كلمة عربية-آرامية.

 ولا ننسى حساب المثلثات الذي وضع الهنود لبناته الأولى، وبلوره العرب كعلم مستقل تماما عن الفلك. وأخيرا فالهنود أول من وضع فراغا مكان العد صفر في منظومة الأعداد. ولكن العرب استخدموا رمز الصفر. وكذلك كان رجال الدين الهنود يضعون في شروط ترقية رجال الدين امتحانهم بالحساب، ويضعون لهم مسائل حسابية معقدة، ومن لا يجتاز الامتحان لا يصبح رجل دين عند الهنود.

وتدعى الفترة من القرن الثامن وحتى الخامس عشر بالفترة الذهبية في الحضارة العربية الإسلامية ولا مجال للدخول في تفاصيلها لأنها غنية جداً، ولكننا سنتوقف عند بعض محطاتها وسماتها الأساسية، ونبدأ بتشجيع الإسلام للعلم والعلماء:

شجع الإسلام على طلب العلم، وأعطاه قيمته، ودعا إلى ترويجه وطلب التثبت منه للأخذ بأسباب اليقين والاعتماد على مبدأ السببية لرفع الأهواء والخرافة. قال تعالى: ﴿höaZXæo R_´Cdt —çZöF>rZ`t LB>iùn﴾ (طه: 111) و﴿-höaZX -hӌ •Ppö]ôEö÷yӖöF æv–öFù^qj@¢A æupöb]iö÷mӖöF æv–öFù^qjAæo ]œ› $æupöb]iö÷mӖöF﴾ (الزمر: 10) و﴿]œ›æo cV>ZWö]‡F Bӂ \x÷–Eö]j \†]j ©ùŠö`YöF $º~>iùn﴾ (الإسراء: 36)، و﴿höaZX >AobsöaO ZöF®H A\^rBӂ —PYX øˆCÔÓp#<Ӂföyj@¢A åPõ‘÷t]œ›Aæo﴾ (يونس: 101) و﴿ølÓöYXØsӖöF fb/@¢A æv–öFù^qj@H >ApöaóEöӂAÓ§ ÷~.ö„öóEöù‚ æv–öFù^qjAæo >Apöa‡Fo£A Ó~>iùm>j@H $¾ˆD#<Óѐæt]r﴾ (المجادلة: 11) و﴿qP‹\{z fb/@]A 'bŠöNZöF%&A ]œ¥› ӊö]:j;`A Nœ›;`A ÓpaŒ a‡Š\ö„«<Eö]×i<Ӂ>jAæo >Apöaj÷o£Aæo ø~>iùm>j@H﴾ (آل عمران: 18) وقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". "عالم ينتفع بعلمه، أفضل من ألف عابد". "خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت". "العلماء ورثة الأنبياء" و"يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم".

ومن جهة أخرى، لابد من التذكير بأن بعض علماء الرياضيات والفلسفة خاصة، عانوا من اضطهاد من الحكام في بعض مراحل الدولة الإسلامية، وهذا لا علاقة له بالإسلام، بل متعلق بالسلطة وضرورة محاربة العلوم الدقيقة التي سموها علوم دخيلة قد تؤدي إلى الشك في مواضيع لا تقبل الجدل في الإسلام.

كما تأثر العرب بالمنطق اليوناني، فدخل في أسلوبهم العلمي المبني على أساس صحيح فخلص للحق والحقيقة، وقد امتاز العرب في الجمع بين فروع العلم و الأدب وفاقوا في هذا غيرهم. فنجد بين علمائهم من وقف على روائع الأدب وغاص في دقاق العلم وجمع بينهما. ومن يطلع على كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة يجد أن المؤلف جمع بين الجبر والأدب وجعلهما متممين أحدهما للآخر، فالمادة الرياضية مفرغة في أسلوب أخاذ لا ركاكة فيه ولا تعقيد، ينم عن أدب رفيع وإحاطة بدقائق اللغة. ونظرة في كتب البيروني[9] تبين كيف يتعانق الأدب والرياضيات بما فيها الفلك والفيزياء.

ومنهم من جمع في كتبه بين الأدب والنواحي الأخرى من المعرفة كالفلسفة والعلوم والتاريخ وغيرها كالجاحظ وغيره. وكذلك امتاز أسلوب الفارابي بالإيجاز والعمق. والفارابي مبتكر لا مقلد. وقد أنتج عقله الخصب نظريات جديدة فيها ابتكار وفيها عمق. وقد اعترف مونك: أن العرب انتخبوا أرسطو وفضلوه على غيره لأن طريقته التجريبية كانت أقرب إلى نزعاتهم العلمية من مذهب أفلاطون الخيالي، ولأن منطقه كان سلاحاً فعالاً. واعتمد ابن سينا الأسلوب المنطقي، والمنطق برأيه "هو الآلة العاصمة للذهن عن الخطأ، فيما نتصوره ونصدق به، والموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج سبيله". وقال ابن سينا إن الفلاسفة يُصيبون ويُخطئون كسائر الناس. وكان يؤمن بالعقل والعلم وكان يعتقد أن السعادة القصوى لا تكون إلى عن طريق العلم.

أما ابن رشد: فسار في أسلوبه على أساس التوفيق بين الشريعة والفلسفة، وقد عرف بالنقد واشتهر في أوروبا ونشأ مذهب الرشدية الذي يمجد العقل، وقد أثر في أوروبا لكونها كانت تعيش في ظلام وسيطرة الخرافات بعيداً عن العقل والعلم. كما كان ابن رشد مخلصاً للحق إلى أبعد الحدود، ويسعى إلى الحقيقة ويعمل جاداً على الوصول إليها والأخذ بها بغض النظر عن مصدرها؛ فكان يدعو إلى قبول الآراء الصحيحة سواء من مسلم أو غير مسلم.

وقد اتبع العرب طريقة في البحث العلمي، بعيداً وكان أشهر من استخدم هذه الطريقة والذي ابتكرها هو العالم ابن الهيثم في كتابه " المناظر ". كما وردت أحكام طريقة البحث العلمي في "رسائل إخوان الصفا " الذين تأثروا كثيراً باليونان. وقد اُعْتمِدت العناصر الإسلامية في طريقة البحث العلمي الحديث وهي: الاستقراء، والقياس، والاعتماد، والمشاهدة، أو التجربة والتمثيل..

الكندي فيلسوف العرب

ونتوقف بتفصيل أكثر عند أبو يوسف يعقوب الكندي (ق 9 م) الذي يعود بنسبه إلى أحد ملوك العرب، وكان أبوه أميراً على الكوفة محل ولادته. وقد انتخبه الخليفة المأمون ليكون أحد من يعهد إليه في ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان. كان من أشهر فلاسفة الإسلام (صالح زكي في "آثار باقية") والذي لقب بـ"فيلسوف العرب".

 وقد كان من أوائل العرب الذين أبدعوا في الفلسفة، والحساب، والهندسة، والمنطق، وعلم النجوم، وتأليف الألحان، وطبائع الأعداد. وأولى اهتماما خاصاً لعلم الرياضيات. ومن مآثره أن منهجه كان يقوم على ذكر المقدمات، ثم يعمل على اثباتها بشكل رياضي استدلالي "... قطعاً لمكابرة من ينكر القضايا البينة بنفسها، وسداً لباب اللجاج من جانب أهل العناد..." ومن يطلع على رسائله يجد الطريقة الاستنباطية تغلب عليها، "... وأن "منهجه رياضي منطقي يدهش الإنسان من إتقانه، سبق الجميع الى الفلسفة واستخدام الرياضيات والمنطق...".

ويعتبر فكر الكندي ومنهجه العلمي مدرسة للأجيال، وقد استفاد منه الأوربيون كثيراً وأشادوا بإسهاماته العلمية القيمة. ويعرف عنه أنه كان يلجأ في طريقة العرض، إلى عرض رأي من تقدمه على أقصد السبل وأسهلها سلوكاً، وأن يكمل بيان ما لم يستقصوا القول فيه: "...اعتقادا منه أن الحق الكامل لم يصل إليه أحد، وأنه يتكامل بالتدريج بفضل أجيال المفكرين...". وقد وضع نظريته في العقل حيث دمج فيها آراء الذين سبقوه من فلاسفة اليونان بآراء له. وظلت أفكاره مؤثرة في العرب والأوروبيين قرون طويلة، وهي معلم من معالم الفلسفة الإسلامية يدل على اهتمام العرب والمسلمين بأهمية العقل، إلى جانب رغبتهم في التوسع بالبحوث العلمية الواقعية التي لا تتناقض مع دينهم.

ومن أهم ما قاله الكندي في إحدى رسائله عن أهمية الرياضيات: "لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات"؛ أي أن الإنسان لا يكون فيلسوفاً إلا إذا درس الرياضيات، ويظهر أن فكرة اللجوء إلى الرياضيات وجعلها جسراً للفلسفة قد أثرت على بعض تآليفه فوضع كتاباً في الإيقاع الموسيقي قبل أن تعرف أوروبا الإيقاع بعدة قرون. وطبق الحروف والأعداد على الطب. واستخدم التناسب الهندسي في الموسيقى والأدوية وفي دراسة الحواس.

وللكندي أفكار عظيمة في نزاهة الباحث ووفائه للحق والحقيقة؛ فـ"غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق". ويقول أيضاً: "ينبغي ألا نستحي من الحق واقتناء الحق من اين أتى وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق ولا التصغير بقائله ولا الآتي به ولا أحد بُخس بالحق بل كل يشرفه الحق". ويضيف الكندي أن معرفة الحق ثمرة لتضامن الأجيال الإنسانية؛ فكل جيل يضيف إلى التراث الإنساني ثمار أفكاره ويمهد السبيل لمن يجيء بعده. وأخيراً نورد كلماته المشبعة بالحكمة والتواضع المميزة للعلماء: "العاقل من يظن أن فوق علمه علماَ، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهى، فتمقته النفوس لذلك...".

وتصلح أفكار الكندي لتكون ميثاقا للعلم والعلماء، وعلاقتهم بالحقيقة العلمية، وبأهمية الرياضيات في خلق روح البحث المجردة عن الأهواء والخلفيات الفكرية المختلفة.

ونلاحظ، هنا، بأن تطور الطرق الرياضية، والفكر الرياضي لعب دوراً حاسما ومؤثرا في تقدم الحضارات والدول، ووجد تأثيره في الأفكار والمعرفة الإنسانية بكافة صنوفها.

ومن متابعة التطور التاريخي للفكر الرياضي وللرياضيات، بحد ذاتها، نجد أن الأفكار الفلسفية والطبيعية أثرت كثيراً في تطور علم الرياضيات، وبرز ذلك عند اليونان (أفلاطون، سقراط، ديمقريط، فيثاغورس)، وعند العرب (الكندي، ابن سينا، الفارابي) وعند الأوربيين (مدرسة أوكسفورد ومدرسة باريس القرن 12-14 م اللتين تعتبران استمرارا للمدرسة اليونانية، وأهم ممثلي هاتي المدرستين: غروسيتيست، وروجر بيكون، وتوماس بردفاردين، ونيكولا اوريسم).

 خامسا: مرحلة تاريخية جديدة: الرياضيات الزمنية أو الواقعية الرياضية[10]

يعتقد بعض العلماء أن هناك مرحلة خامسة تسمى "رياضيات الحاسوب" وتعود هذه الفكرة الى ليبنتز بأن "الآلة الحاسبة أو الحاسوب" تستطيع أن تحصل عل كل النظريات. ولكن انطلاقا من فرضية العالم النمساوي جودل حول عدم اكتمال منظومة الحاسوب في التعويض عن عقل الانسان فلا يمكن برمجة ونمذجة عقل الانسان لأنه عقل حي متطور بينما الحاسوب يلتزم بحدود المسلمات والبيانات التي أدخلت فيه. وبالتالي فالرياضيات الحاسوبية، إن صح التعبير، لا يمكن أن تعكس كل الرياضيات المعاصرة، وهناك من يسمي المرحلة الخامسة مرحلة الصيغ المتغيرة.

ففي نظرية الرياضيات الواقعية يعاد النظر في أحد أهم مبادئ المعرفة الأساسية؛ وهو المتطابقة: A≡A حيث الطرف الأيسر لا يتطابق مع الطرف الأيمن نتيجة تغير زمن كتابتهما على التوالي. وبالتالي فالرياضيات الواقعية تنظر الى الرياضيات كجسم ديناميكي متعلق بالزمن، وبذلك تقترب الرياضيات من الواقع الفيزيائي أكثر. كما أن الرياضيات الواقعية تعطي حلولا لكثير من المحيرات (المتناقضات) التي شغلت العلماء. ويرى صاحب نظرية الرياضيات الواقعية بأن الرياضيات الستاتيكية (السكونية) تنتج عن الرياضيات الزمنية بإعطاء قيمة صفرية للزمن.

سادسا: فلسفة الحساب: نظرة جديدة للرياضيات[11]

يمكن التأكيد على أن نمط التفكير، على أعتاب الألفية الثالثة، سيصبح أسلوب الاكتمال (Целостность - Wholeness) لمعالجة القضايا. ولذلك سعى الباحث لدراسة الحساب كعلم عن الأعداد، من وجهة نظر المفهوم الوحيد، مفهوم الاكتمال. كما يمكن، بمساعدة هذا المفهوم، التعبير عن التناقض الكامن في أساس حركة الأعداد وذلك بصورة "متناقضة"، ثم بالاعتماد على هذا التناقض الوحيد من نوعه نرسم "حياة" الأعداد. يوجد لمفهوم الاكتمال معنى فريد، وهو تحقيق الفهم المكتمل (المتكامل) لهذا الجزء أو ذاك من الواقع المدروس. وتبعاً لذلك يصيغ المؤلف نموذجاً (موديلاً) لمفهوم الاكتمال، الذي يجد مجالاً لتطبيقاته في عالم الأعداد الصحيحة.

 بتطبيق مفهوم الاكتمال على الأعداد تبدأ الأعداد " بالتحدث" بلغة الاكتمال فتفصح، بذلك، عن "أسرارها" الاكتمالية التي كانت سابقاً (عند محاولة التعبير عنها بلغة غير اكتمالية معروفة جيداً لدينا منذ مرحلة الدراسة ما قبل الجامعية) "مخفية" تماماً عن "النظرة غير المتخصصة". وهذه "الأسرار" الاكتمالية للأعداد تنطوي بحد ذاتها، كما قد يبدو ذلك غريباً، على محتوى فلسفي.

 إن محاولة الولوج إلى عالم الأعداد المتناقض، كما هو معروف لنا، بقيت غير موفقة من حيث الجوهر: بالرغم من أنه تم إثبات تناقض العدد (من قبل أرسطو وهيغل) إلا أنه لم يعرض بطريقة تناقضية اكتمالية خارجياً وكان ذلك الشرط الوحيد للدراسة اللاحقة لطبيعة الأعداد المتناقضة بشكل اكتمالي. لقد حاول صاحب هذه الفلسفة سد هذه "الثغرة". وتعمل هذه الفلسفة قدر الإمكان على استخدام لغة اكتمالية وكأنها تتكلم "باسم الأعداد". كما أنه يحاول إظهار النوعية المكتملة في عالم الأعداد الكمي البحت.

يتغلغل الحساب في جميع الفروع لأن العدد يدخل في كل مجال، ويبدو كذلك فقط في صيغته الاكتمالية التي تعبر عن أي "شيء" بطريقة اكتمالية؛ أي متناقضة: مثل "ذلك" ونقيضه "هذا" (كما هو الحال مع الاستمرار والانقطاع). وهكذا فالحساب "الكمي"، بفضل طبيعته الاكتمالية، يجسد في ذاته النوعية المنتشرة في كل شيء. في هذا الإطار يتحول الحساب إلى علم شامل للنوعية وبالتالي يتأهل للعب دور لغة الفلسفة. سندرس هنا الحساب فقط من وجهة النظر الاكتمالية.

 لكي ندقق ما المقصود بـ"علم شامل للنوعية" نورد مقارنة بين الطبيعة "اللاكمية الشاملة" للعدد "صفر"، والطبيعة "اللانوعية" للحساب. كما هو معروف يعتبر العدد "صفر" عدداً خاصاً (في عالم الأعداد الموجبة والسالبة) وهو يعني انعدام العدد بشكل عام. ولكن هذا الانعدام للعدد "صفر" يعني وجود كل الأعداد بلا استثناء:  

 ومنه فالعدد "صفر" الذي يبدو للوهلة الأولى "لا كمي" ما هو إلا عدداً "شامل الكمية" (تتموضع فيه "كل الكميات" المعبر عنها بالأعداد). وهناك وضع مشابه يخص الحساب ككل:

فالطبيعة "اللانوعية" للحساب تعني أنها لا تمتلك أي صفة نوعية، بمعنى أنها تحتوي بداخلها على كل النوعيات بلا استثناء والذي نعبر عنه كما يلي:

 "شيء ما ونقيضه" + "شيء آخر ونقيضه" + "شيء ثالث ونقيضه" +....... = النوعية الشاملة للحساب، فكما أن جميع الأعداد متوضعة في الصفر، فإن جميع النوعيات متوضعة في الحساب. بقي أن نوضح ذلك. بهذا نستنتج أن الحساب الذي يبدو لانوعياً تأكد أنه علم شامل النوعية إذا ما نظرنا إلى الحساب بشكل اكتمالي. ومن هذا الحساب – الطريق مباشر إلى الفلسفة.

إن تركيبة أصابعنا العشرة (2 إبهامين و8 أصابع صغيرة) هي أيضاً مماثلة لتركيبة "منطق الطبيعة" و"طبيعة المنطق". نستنتج أن أصابعنا أيضاً "منطقية". حتى الورقة التي نطبع عليها هذه السطور، والتي قد تصبح مخزناً للمعلومات، لها وجهان، كما نلاحظ بدايةً، ثم لها في الحقيقة 8 أحرف (جوانب) فلكل وجه من وجهي الورقة 4 جوانب ومجموع الجوانب كله 8.

هل هذه التطابقات صدفةً أم هي قوانين عميقة؟ في كل الأحوال ترتسم أمامنا اللوحة التماثلية العددية التالية: الذرة التي ندرسها، والمنطق الذي نستخدمه في دراستنا، وأيدينا التي نطبع ونكتب بأصابعها العشرة، والورقة التي نكتب عليها… كل هذه "الأشياء" لها تركيبة تماثلية عددية، وهي بالضبط "2 و8".

والآن، إن أردنا أن نعبر عن هذه التركيبة العامة بعدد واحد، فهذا العدد سيكون "10". لذلك في دراستنا لفلسفة الحساب نستخدم نظام العد العشري. هذا النظام العددي نراه الأكثر منطقية من الأنظمة الأخرى. حيث ترشحه الآن طريقة القياس التماثلي، ولكن توجد أسباب أخرى تدعم هذه النظرة يوردها المؤلف في كتابه عن فلسفة الحساب.

نضيف أخيراً أن العدد "10" هو نهاية لشيء بدايته "01" حيث أن 10 و01 يشبهان تماماً "م ب" و"ب م" التي درسناها سابقاً. فهل يعقل أن يمثل 01 و10 اكتمالاً؟ يعبر عنه بوضوح. إذا كان الأمر كذلك، فإن النظام العشري لازم وكافي من أجل الدراسة المكتملة (الاكتمالية) الفلسفية للحساب.

 يناقش المؤلف ورقة موبيوس (Mobius) التي تدرس في التبولوجيا والهندسة التفاضلية. إن ورقة موبيوس لها وجه داخلي أو خارجي، أو لها جانبان أو ليس لها وجهان وإنما هي سطح أحادي الوجه. وهي نموذج مهم في الرياضيات؛ لأن أي سطح له وجهان (داخلي وخارجي مثلاً) إلا ورقة موبيوس. ويعتبر المؤلف ورقة موبيوس نموذجاً (موديلاً) لمفهوم الاكتمال وهو نموذج فضائي مكاني خارجي. بينما نموذج "الأم–الابنة" مرتبط بالزمن، وبالتالي فهو نموذج زماني نحس ونشعر به داخلياً.

إذاً ورقة موبيوس تجسد الاكتمال في شكله الجاهز، وكأنه خرج من عقلنا ليتبلور في ورقة مادية جاهزة أمامنا. وهذه الورقة شكل رياضي؛ أي أن الرياضيات تنمذج الفلسفة.

وهناك تفاصيل مهمة وكثيرة وأمثلة متنوعة من الحساب يثبت الباحث من خلالها وجهة نظره في أن الاكتمال طريقة فلسفية لكنها واقعية جداً وموجودة في معظم الأشياء: الأعداد وغيرها. وقد ناقش المؤلف في كتابه تناقض الأعداد من حيث تناقض الحركة لهذا الشيء أو ذاك والذي له طبيعة فلسفية. ومهم ليس فقط اكتشاف التناقض وإنما وصف "تكونه"؛ أي حياته، بلغة متناقضة. وكانت لغة التناقض هي مفهوم الاكتمال والذي تمثل، حسب رأي المؤلف، نموذجاً له. ويتضح من خلال الكتاب أن مفهوم الاكتمال يمثل أداة للحصول على معرفة مكتملة. والمعرفة المكتملة تشمل كل أنواع المعرفة، وخاصة المعرفة المنظوماتية، التي حظيت باهتمام في القرن الماضي.

 انتقلنا من "فلسفة اللغة" (حول مفهوم الاكتمال) إلى "فلسفة الأعداد" من جهة الطبيعة المتناقضة لها. باللغة المتناقضة درسنا الخواص المتناقضة للأعداد لنظهر حيويتها وتكونها في عملية اكتمالية.

 إن عالم الأعداد المولد من "عشرة" أرقام هو المعبر عن عالم جمالي وأخلاقي لأنه رائع وموثوق (كما فعل فيثاغورس وتلامذته بتوحيدهم للعدد والموسيقا والأخلاق في حياتهم اليومية).

كان هدف المؤلف ليس الحديث عن "ماذا" أو عن "الشيء" وإنما عن "كيف"، حيث لعب الحساب دور "الشيء" ولعبت الطريقة الاكتمالية دور "كيف". وحاول متابعة كيفية تحول فلسفة الحساب إلى حساب الفلسفة، حيث يكتسب الحساب روحاً فلسفية.

الهوامش

 


[1] . محمود الحمزة، موجز تاريخ الرياضيات وتطورها الفكري والفلسفي. تعز. اليمن، 2002م.

[2] . محمد ثابت الفندي، فلسفة الرياضة، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1990م.

[3] . فايز فوق العادة، منعطف الرياضيات الكبير، دمشق، 1987م.

[4] . أندريه كولموغوروف، الرياضيات: العلم والمهنة، موسكو "ناووكا" (بالروسية)، 1988م.

[5] . محمد ثابت الفندي، فلسفة الرياضة، م، س.

[6] . غينيدينكه، مدخل إلى التخصص في الرياضيات، موسكو، "ناووكا " (بالروسية)، 1991م.

[7] . محمد عابد الجابري،  تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة،  بيروت: دار الطليعة، 1982م، ج1.

[8] . ف. فاغانيان، الرياضيات الزمنية (الأسس والفلسفة)، موسكو: جامعة الصداقة الروسية، 2010م.

[9] . قدري حافظ طوقان، تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، بيروت: دار الشروق، 1963م.

[10] . ف. فاغانيان، الرياضيات الزمنية (الأسس والفلسفة)، م، س.

[11] . ي. ب. بريوكوف، فلسفة الحساب، نشر باللغة الروسية في دار نشر بايرويت في أوكرانيا، 1999م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي

مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي

أريد في البداية أن أضع هذا الموضوع في سياق ما كتبته طوال عشرين عاما. كتبت في مقاصد الشريعة من زاوية انتظامها في نظرية محددة في منطلقاتها، وفي مكوناتها، وفي أدلتها. كما في كتابي "نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور". وكتبت في مقاصد الشريعة من زاوية فقه العلم المنسوب إليها...

أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط علم الكلام نموذجا

أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط
 علم الكلام نموذجا

منذ ثلاث عقود تقريبا تتعالى أصوات في مجال الفكر الإسلامي منادية بتجديد علم أصول الدين وبناء علم كلام جديد، والسؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه الورقة هو: ما مدى مشروعية الدعوة إلى تجديد علم أصول الدين؟

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب
مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

اعتبر المنطق منذ أرسطو إلى اليوم جزءاً لا يتجزأ من الفلسفة، بل هو جزؤها الأهم. وكانت عندها الفلسفة هي أم العلوم. كما كانت أولى المعارف التي وصلت إلى المجال المعرفي العربي عبر عمليات الترجمة التي أنجزها نصارى السريان. ولما كانت الفلسفة مزودة بآليات المنطق وأشكاله الاستدلالية...