13 رمضان 1440 / 19 ماي 2019
ندوات

أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط علم الكلام نموذجا
أزمة العلوم العقلية في الإسلام الوسيط
 علم الكلام نموذجا

د. مصدق الجليدي

باحث وكاتب تونسي

مهتم لقضايا الإصلاح والتجديد الفكري والتربوي في العالم الإسلامي

 

منذ ثلاث عقود تقريبا تتعالى أصوات في مجال الفكر الإسلامي منادية بتجديد علم أصول الدين وبناء علم كلام جديد، والسؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه الورقة هو: ما مدى مشروعية الدعوة إلى تجديد علم أصول الدين؟

ومما لاشك فيه أن التجديد الديني أمر يحث عليه الإسلام ذاته، من ذلك، مثلا، ما جاء في الحديث النبوي الشريف: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها[1]."

ولكن أن يتعلق الأمر بالأصول ذاتها؛ أي ما يعتبر صراحة من ثوابت الدين وأسُسِه التي يقوم عليها، فهذا أمر يستدعي النظر.

يمكن أن يفهم سؤال مشروعية تجديد أصول الدين بطريقتين متعارضتين تماما، فكما يجوز لعقل محافظ أن يذهب إلى أخذه مأخذ استنكار على التجديد والقائلين به، حيث يفترض أن ما هو أصل يجب أن يبقى ثابتا وإلا لما استقام اعتباره أصلا من الأصل، فإنه يجوز للعقل التائق إلى التغيير والتطوير أن يمضي في طموحه إلى درجة التفكير في بلوغ مرحلة القطيعة مع كامل التراث الكلامي باعتباره منتميا إلى إبستيمية عصور مضت، فما هو على كل حال إلا إنتاج للعقل البشري، وهذا العقل لم يمكث على حاله لذا ما من مانع لإعادة النظر بالكامل في هذا النتاج.

أولا: مقاربة إشكالية لمنـزلة علم الكلام الإبستمولوجية

لنكشفْ عن فرضيتنا منذ الآن. إننا من الذين يشكّكون في أن تكون الأصول التي تنسب إلى الدين أصولا بالفعل. ويكفي أن نذكّر ببساطة بحقيقة لا يسع أحدا إنكارُها، حتى نكسب إلى جانب هذا الرأي مؤيدين كثيرين. إنها حقيقة التعدد الواضح والكثرة المهولة للمذاهب والفرق الكلامية التي تتخذ لها أصولا لا تتفق حولها. لنقدّم مثالا على ذلك وهو اعتبار العمل عند بعض تلك الفرق من أصول الدين، مثلما نشهد لدى الخوارج (الإباضية حاليا)، ونصف أصل ديني كما تقول بذلك المعتزلة (المنـزلة بين المنـزلتين) وليس أصلا أصلا، كما لدى المرجئة أو الأشاعرة أو حتى لدى بعض علماء الدين المعاصرين[2]، وبالتالي فنحن من الذين تراودهم فكرة إعادة النظر بصفة جذرية في علم الكلام، تساعدنا في ذلك كوكبة من الصعوبات نضعها أمام من لا يذهب في هذه القضية مذهبنا. وإليكم طائفة منها.

لنبدأ بتمرين ابستيمولوجي بسيط للذهن:

إن مصطلح علم أصول الدين يضم ثلاثة ألفاظ، يشير كل واحد منها إلى مفهوم معين. فهنالك أولا: العلم، وهنالك ثانيا: الأصول، وأخيرا: الدين. إن هذه التركيبة - التشكيلة الخطابية في غاية التنافر، فالعلم في أبسط تعريفاته، معرفة منظمة بموضوع تختص به فتؤطره ضمن شبكات مفهومية دقيقة. لكن من خصائص هذه الشبكات كونها تشبه الأنسجة الخلوية الحية، لا تستقر إلى الأبد على حال واحدة؛ إذ لكل مفهوم تاريخه. فهو كائن فكري حي، ومن هنا تأتي قابلية كل علم للدحض réfutabilité des sciences[3]. فإذا كان العلم الحق علما لا يتماهى مع الحق، وإنما هو متغير متطور باستمرار، فكيف يجوز الحديث عن علم بالأصول هو علم بالسكون والجمود؟ قد يقال إن العلوم الصحيحة كالعلوم الفيزيائية تنتج هي الأخرى معارف حول المبادئ والقوانين المستقرة للظواهر الفيزيائية. ولكنها تدرس في الحقيقة انتظامية الحركة لا جمود الأجسام.

وقد يفرح بعض المتسرعين عندما يخيّل إليه أنه يعثر هنا على حل لتناقض جوهري فيبادر إلى القول بأن الدين الذي يقصده ويؤمن به، إنما هو دين متجدد متطور لا يستقر على حال. وفي هذه الحالة يقع أصحاب هذه "المناورة" في مفارقة، وهي تحول موضوع العلم إلى موضوع مختلف في طبيعته عما قصده واضعو أصوله ضمن هذا المذهب الكلامي أو ذاك. يعرّف ابن خلدون علم الكلام بأنه "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات[4]." ولذا فلهذا العلم وظائف ثلاث هي:

"ـ الاستدلال على العقائد الإسلامية عن طريق السمعيات والعقليات معا؛

ـ إزالة الشكوك التي من شأنها أن تعتري أذهان المؤمنين؛

ـ الرد على اعتراضات المخالفين، سواء كانوا من الإسلاميين أو من أصحاب المذاهب والديانات الأخرى[5]."

يبدو موضوع علم الكلام من خلال هذا التقديم ذا طبيعة تشبه طبيعة مواضيع الدفاع الإستراتيجي. لقد شبّه حسن حنفي علماء الكلام بوزراء الداخلية[6]. إن المدافع عادة ما يتمترس وراء حصنه لا يبرحه حتى يعود إليه. ولذا فهذا لا يشبه في شيء العمل العلمي الذي يدرس ظاهرته أو موضوعه دراسة موضوعية بعيدا عن كلّ الأحكام المسبقة. البحث العلمي المنتبه لا يشبه في شيء إستراتيجيات الدفاع الواعية أو اللاواعية[7].

لنعد صياغة هذه القضية بعبارات أكثر قربا من السجل الإبستمولوجي. إذا كان من خاصية العلم؟ وفق ما أصبحنا نعرف حديثا، أنه نسبي ومتغير، وإذا كان من خاصية الدين (الإيمان) أنه متعال وعابر للتاريخ، لتعلقه بما هو متعال وفوق كل زمان (الله)، فكيف للنسبي أن يدعي الإحاطة بالمطلق وكيف للناقص؛ (لأنه سير نحو الاكتمال أو الرفع من مستوى قدرته التفسيرية) أن يدعي معرفة الكامل؟

لقد عبر أحد الفلاسفة المعاصرين عن أحد مظاهر هذا العجز، وهو الفيلسوف والعالم Yeshayahou Leibowitz، بقوله: "إننا لا نملك، وبالقطع لن نملك تعريفا صوريا للمفهوم الكبير للإيمان، كما يحضر في الوعي الإنساني أو في الواقع الإنساني[!]. لا المؤمنون أنفسهم ولا المفكرون ولا الباحثون الدارسون للظاهرة الدينية، سواء كانوا علماء كلام أو فلاسفة أو علماء اجتماع أو علماء نفس، لا أحد من هؤلاء جميعا تمكن من العثور على تعريف وحيد لضبط معنى الإيمان الديني في مختلف تعبيراته ومحتوياته[8]."

من الملفت للنظر في هذا القول نفيه لإمكان إنتاج معرفة حقيقية صورية بالإيمان. ومن المعلوم أن العلم يهدف إلى صورنة أو شكلنة الظواهر التي يدرسها؛ أي إخضاعها لقوالب علاقات صورية رياضية أو منطقية. بينما يعتبر مجال الإيمان والدين على نحو عام، مجال خلق المعنى والرمزية[9] وهنا تكمن المفارقة. كيف للعلم المصورن أن يحيط بالمعنى الذي يفلت من كل قولبة؛ إذ أن احتياز المعنى يتم دفعة واحدة ودون مقدمات ولا أقيسة منطقية. وهذا هو شأن الإيمان. فأن يدعي أحد البرهنة على صحة الإيمان فإنه لا يزيد في الواقع على أن يبرّر بصفة ما بعدية إيمان العلم للتفسير أما الخطاب الكلامي فللتبرير، وبالتالي فهو ليس علما وإنما خطابة أو مجادلة وسجال.

وهذا ما يفسر تناقض علماء الكلام في القضية الواحدة تناقضا لا يمكن غالبا حلّه. ويبدأ التناقض من الشكل ليبلغ المضمون. وقد تعددت تسميات هذا العلم تعددا يشي بافتقاره إلى الحد الأدنى من المتانة الإبستمولوجية. فهو علم الكلام وهو علم أصول الدين وهو علم التوحيد وهو علم الذات والصفات وهو الفقه الأكبر (مقابل الفقه الأصغر الذي هو للمعاملات والعبادات: أبو حنيفة) وهو علم العقائد الإسلامية أو علم العقائد وبيان ما جاء في النبوات.

بينما لا تجد في العلوم الصحيحة أو العلوم الإنسانية الحديثة مثل هذه الاختلافات. فهنالك اتفاق في مستوى كل اختصاص على تسميته. فالعلم الذي يدرس التفاعلات الاجتماعية يسمى، مثلا، علم النفس الاجتماعي، والعلم الذي يدرس السلوك الإنساني ودوافعه الظاهرة أو الخفية يسمى علم النفس. أما التفرقة الاسمية الملاحظة فهي للدلالة على فروع العلم ومجالاته فيقال مثلا علم النفس المعرفي أو علم نفس الطفل أو علم النفس التحليلي الخ... وإن الأمر ليهون إذا ما توقف عند هذه الاختلافات الظاهرة التي نجدها في مستوى التسمية، ولكن ما يثير حفيظتنا هو كونها تتعدى ذلك لتعكس اختلافات في مستوى المضمون. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مقاربات مختلفة لنفس الموضوع من زوايا متعددة كأن يدرس من زاوية نفسية وأخرى اجتماعية وثالثة ثقافية ورابعة سياسية أو أخلاقية... الخ ولكنا نقف في كل مرة على تشكيلة خطابية مغلقة تدّعي الإحاطة بموضوعها إحاطة كاملة، وتصادر حق كل الباقين في مقاربته على نحو مختلف؛ إذ أن الأمر هنا لا يتصل، مجرد لعبة معان. إنه لأمر في غاية الخطورة. ويتعلق في نظر علماء الكلام بمصير الإنسان الأبدي، فإما نار أبدا وإما جنة أبدا. وحتى الذين يقولون بالمنـزلة بين المنـزلتين (المعتزلة) فإنهم لا يخرجون عن إطار هذه اللعبة (التي لا يعتبرونها لعبة)، فلا يجدون مفرا من صياغة حلولهم بعبارات الجنة والنار حتى وإن كانت نارا نصف حامية نصف باردة أو جنة من درجة ثانية أو ثالثة. فهل سيذهب الداعون إلى تجديد أصول الدين هنا، مثلا، إلى مزيد تطوير الموقف الاعتزالي بتصور درجات أخرى وسطى لكل أصناف المؤمنين أو العاصين؟ "كل قدير وقدرو" (كل مقتدر محكوم بمدى مقدرته) في العبارة العامية التونسية. أهي جنة بالتسهيلات أو نار مع تأجيل التنفيذ؟ واضح هنا أن المسألة ليست مسألة قسمة منطقية أو رياضية، وهي التي تحركت ضمنها حلول المرجئة بالنسبة لمرتكب الكبيرة (نفي العقاب الحتمي أو الجزاء الحتمي)، والسنة (دخول النار أولا ثم الاغتسال في نهر التوبة والمرور بعد ذلك إلى الجنة) أو الخلود مطلقا في النار (الخوارج)، أو المكوث في حالة وسط (كيف هي؟) كما لدى المعتزلة.

هذه مجرد تمرينات رياضية للذهن بعضها تعامل مع المسألة تعامله مع الكموم المنفصلة (الحلول المطلقة) وبعضها تعامل معها تعامله مع الكموم المتصلة (الحلول الوسطى: مرتكب الكبيرة مسلم عاص (الأشاعرة) أو في منـزلة بين منـزلتين (المعتزلة).

ما هو معيار صدق هذه القضايا؟ وأين يقع؟ وكيف نتثبت من صحته والحال أن التجريب مستحيل. هذه صعوبات لا تحل إلا بالخروج من منطق الثواب والعقاب والترغيب والترهيب إلى منطق آخر قد يكون منطق الفهم أو منطق التفهم؛ أي الخروج من قواعد هذه اللعبة بالكامل وإيجاد قواعد جديدة لها، لا مجرد إدخال تحسينات وتعديلات وترميمات على البناء القديم.

هل لنا أن ندعي أسبقيتنا إلى هذا الأمر؟! بالطبع لا!

ثانيا: محاولات تجديد علم أصول الدين وإعادة بنائه

إن الشعور بالحاجة إلى تجديد علم أصول الدين قد نبع لدى العديد من المفكرين المسلمين الجدد من تأثير عامل الزمن، المتجسد في تغير أحوال وقضايا الأمة على وظيفة هذا الاختصاص المعرفي savoir et non pas science. وهنالك من أفرد لترجمة هذا الشعور إلى فكر كتابا يقدمه، مثلما فعل الشيخ محمد عبده في رسالته عن التوحيد وثمة من اكتفى بعرض آرائه حول هذه المسألة في أعمال أشمل، كما فعل الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير[10]، وهنالك من خصص له مشروعا نظريا كاملا مثل ما فعل حسن حنفي في موسوعته الكلامية الجديدة "من العقيدة إلى الثورة"، وهذا العمل يندرج في مشروع أوسع وأشمل هو مشروع "التراث والتجديد".

إذا ما اعتمدنا العرض الذي قدمه السعفي لما اعتبره تجديدا في المباحث الكلامية لدى الشيخ الطاهر ابن عاشور، فإننا لن نكتم استغرابنا من تلك النبرة الاحتفالية المصطنعة بذلك التجديد المزعوم؛ إذ الأمر لا يزيد تقريبا على لوم ابن عاشور للإباضية (سليلو الخوارج) والمعتزلة على إدماج العمل في صلب العقيدة الإسلامية واضعا بذلك فاصلا حادا بين المعتقد والممارسة وذلك لغلق الباب أمام قيام الفتن بتكفير من لا يعجبنا سلوكه. وهذا من وجه رأي صائب، ولكنه قد يمهد لظهور الشخصية الفصامية ولذيوع النفاق والرياء. فهدفه اجتماعي - سياسي بدرجة أولى (الحفاظ  على وحدة الصف) أكثر من كونه إبستمولوجيا (الإقرار بالاختلاف الأساسي بين ما هو نظري ينتمي إلى مجال  البحث الميتافيزيقي وبين ما هو عملي ينتمي إلى مجال العمل والممارسة الاجتماعية).

أما إذا عدنا إلى رسالة محمد عبده، فإن هنالك شبه إجماع بين الدارسين المختصين على ضعف الأداء الفكري الإبداعي لهذه المحاولة التجديدية[11].

فالآراء التي عبر عنها عبده في رسالته "محدودة بحدود آفاقه الذهنية ونوعية ثقافته[12]"،  وهو لم يعدُ عموما التحرك بفكره ضمن الفضاء الإبستيمي العتيق، فضاء المنطق الصوري والفلسفة اليونانية القديمة "بتياريها الكبيرين: الأفلاطوني-الأرسطي من جهة، والهرمسي العرفاني من جهة ثانية[13]"، كما تمثله المتكلمة الأوائل أشاعرة كانت أو معتزلة، بل إن واحدا من أبرز الباحثين المعاصرين في مجال الإسلاميات التطبيقية، وهو محمد أركون، يتحسر على ذلك "الفقر الفلسفي المدقع لأعمال رجل كمحمد عبده بالقياس إلى خصوبة أعمال مفكر كابن رشد[14]"، وهكذا تظهر في الرسالة الموضوعات التعليمية المعروفة في علم الكلام القديم، مثل إثبات وجود الله بالقسمة المنطقية التقليدية والنبوة والإعجاز ورؤية الرب في الآخرة... ومع ذلك فإننا نحفظ لهذا العمل مزيتين على الأقل: أولاهما: دعوته إلى الانتهاء عن الخوض في مسألة الذات والصفات لكونها مما لا يقع تحت طائلة إدراك العقل البشري[15]، وثانيتهما: تقريره لمسؤولية الإنسان عن أعماله، مائلا بذلك نحو رأي المعتزلة، مع احتفاظه لرأي الأشاعرة بالنصيب الذي يخصّ وجود القوة المانحة للاستطاعة في ما وراء الفعل وهي "لله تعالى".

ولكننا نعتبر طرح هذه المسألة الأخيرة بعبارات الفكر الكلامي الكلاسيكي سلبيا في حد ذاته بالرغم من إيجابية المضمون. ذلك أن الإنسان المذكور هنا ليس إنسان الإنسانيات المستقل في الفكر كمبحث في ذاته، وإنما هو الإنسان الواقع بين قوسي الغيبيات. وسنعود إلى هذه النقطة بتحليل أوسع في فقرة لاحقة.

أما بخصوص مشروع "التراث والتجديد" لحسن حنفي. فإن أهم ما نعيبه عليه هو وقوعه في فخّ اختياري، لشدّ ما نعجب له، وهو المتمثل في طابعه الأدلجي السافر.

فإننا ما إن نُسَرُّ لمحاولة الكشف عن الإنسان المختفي في أغلفته اللاهوتية المتعددة[16]، وما إن يُسَرَّ لنا بأننا اليوم في "عصر العلوم الإنسانية وحقوق الإنسان"، حتى يُقْفَزَ فوق إنجاز المهمة الأوكد والأصح، والتي هي في رأينا إعادة مَوْضعة موضوع الدين ضمن هذا الأفق الإبستيمي المعاصر، للوقوع سريعا في استهلاك خطاب إيديولوجي سياسي اجتماعي، بحيث عندما يمر من "العقيدة إلى الثورة" (حنفي) لا تكون الثورة ثورة إبستيمولوجية في بناء العلم، وإنما مجرد تبشير بثورة في المجال الاجتماعي. إنه ضرب من لاهوت التحرير أو اللاهوت الماركسي الذي سئم خطاب التفسير فأخذ يبشر بخطاب التغيير.

لقد وصل حنفي إلى درجة من الشراهة الأيديولوجية ومن التعامل البراغماتي الضيق مع التراث دفعته إلى القول بأن الباحث المسلم: "مسؤول فكريا وقوميا عن موضوع دراسته، وله الحق في تغييره بالزيادة والنقصان...[17]." إن القول بتداخل الذات مع موضوعها الذي هو من أخطر العوائق الإبستمولوجية في العلوم الإنسانية لينطق على هذه الحالة بكل وضوح.

إن علم الكلام الحنفي الجديد ليس علما بالمرة. انظر في كلامه هو ذاته عندما يقول: ليس "المطلوب منا بحثا علميا في التراث، بل المطلوب بحث وطني وقومي. فالبحث العلمي بدعوى التنـزيه عن الغرض والدقة المتناهية والنظرة الموضوعية، أسطورة نشأت في الغرب من الرغبة في التخلي عن الذات بعد أن كانت مملوءة بالأهواء والانفعالات واستحالة. فلا ينكرها إلا متجن على الحقيقة راغبا في إخفائها أو ليّها. تستحيل هذه النظرة العلمية المدّعاة التي تبغي الفصل بين الذات وموضوعها؛ لأن التراث جزء منا ونحن استمرار له[18]."

ليس غريبا، إذن، أن يترك حنفي جانبا منهج العلوم الإنسانية ومفاهيمها وأدوات قيسها ليفصّل على "مزاجه" الإنسان الذي يريد، فما تفعله تلك العلوم هو فقط أن تساعده على فهم الإنسان الموجود فعلا أما تغييره أو تربيته أو دمغجته على نحو جديد فهذا شأن البيداغوجيا أو الديماغوجيا أو السياسة أو المحافل الماسونية.

إنه لمن دواعي أسفنا أن يوصف عمل جبار لطاقة فذة أنتجت آلاف الصفحات وغاصت في أعماق التراثين الإسلامي والغربي بأنه مجرد فكر عجول[19]، كما قام بذلك المرزوقي (1999)، وهو عجول فعلا؛ لأنه يستعجل المرور من الفكر إلى العمل قافزا فوق التفسير طمعا في التغيير. يقول عبد الإله بلقزيز واصفا هذا الوضع على نحو أعم: "يكاد كل مثقف عربي يكون مسكونا بهاجس رسالي [...] لا قيمة للأفكار -في ما يرى– إلا إذا أمكن تجنيدها في مشروع اجتماعي أو سياسي، وبسبب من تضخم النـزعة الخلاصية لديهم، تزدهر في أوساطهم ثقافة دعوية تبشيرية، ثقافة مصممة تصميما لأداء دور معلوم: التحشيد والتجييش وصناعة الجمهور: جمهور الدعوة[20]."

في سنة 1989 سألت الدكتور حسن حنفي: "ألا تخشى ألا يكون التيار الإسلامي التقدمي أوفر حظّا من التيار الاعتزالي في تاريخنا القديم. حيث أنهما معا يمثلان فكر الخاصة ويخرجان عن المألوف؟".

فأجابني: "والله تجاربي كالآتي: لو كنت في الجامعة وأمامي مائة طالب، وجاء الإسلامي التقليدي الحديث، فإنه يستهوي عشرين منهم ولو جاء التقدمي العلماني الليبرالي، ماركسيا كان أو قوميا فإنه سيستهوي عشرة منهم، وما بال السبعين؟ إنهم ينتظرون، يعني أن عواطفهم مع الخطاب السلفي ولكن ليس مصالحهم، ومصالحهم مع الخطاب العلماني ولكن ليس عواطفهم. فإذا ما تحدثت أنا وحاولت أن أملأ الخطاب السلفي بمضمون اجتماعي وسياسي يستيقظ السبعون ولم يرفضني العشرون ولكنهم يتخوفون لعلّي أكون ماركسيا أو ماركسيا مقنّعا (وضحك) ولم يرفضني العشرة العلمانيون ولكنهم يخشون من المنافسة فأطمئن السلفيين... وأطمئن العلمانيين... إنما أنا أريد أن أعبّئ الجماهير دفاعا عن مصالحهم حتى لا يتكبر عليهم أحد، ولا يتسلط عليهم أحد[21]"؛ (انظر هذه الوصاية المدّعاة على الجماهير).

من هو حنفي الذي يتكلم هنا؟ هل هو حنفي العالم، الباحث، المساعد لطلبته على تكوين العقل العلمي والبناء الذاتي للمعارف أم حنفي الداعية والمبشر؟

في رأينا أن على المثقف أو الباحث أو المفكر ألا يسعى إلى إنتاج أفكار على قياس الجمهور الواسع أو أن يشغل نفسه بالتفكير في الكيفية التي يتجنب بها الاصطدام مع وعي العامة. إن عليه فقط، وعلى العكس من ذلك تماما أن يقطع مع معارف الحس المشترك وأن يخلص لبناء موضوعه بناء علميا فحسب. إن تدخل القناعات الشخصية للباحث وهمومه التغيرية لا تكون إلا في مستوى المجالات البحثية التي سينصب عليها تفكيره. ففرق بين أن يختار عالم الاجتماع، مثلا، قضية اتجاهات الطلبة نحو فن مايكل جاكسون كموضوع بحث وأن يختار إنجاز دراسة مقارنة بين أثر التعليم الزيتوني والتعليم في مجال الإنسانيات في تصورات الطلبة لمكانة المرأة الاجتماعية أو لدور الإنسان في وضع التشريعات الخاصة بمجتمعه.

أما خطابه وأدواته ومفاهيمه وإنتاجه، فيجب على كل هذه الأمور أن تبقى مخلصة لروح البحث العلمي فحسب.

ليس للعلم أن يكون معياريا يعيّن للناس ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون. العلم وصفي فقط، يصف الظاهرة الطبيعية أو الإنسانية وصفا مجردا عن نوازع الهوى والرغبات والميولات الشخصية حتى وإن كانت "تقدمية وثورية".

لقد ظل علم أصول الدين إلى حد هذه الساعة خطابا معياريا يقدم لائحة بما يجب أن يعتقده الناس وما ينبغي لهم أن يعرضوا عنه. هذا ليس علما، بل هذه تعاليم.

ثالثا: النقد الجذري لعلم الكلام

1. الحدود الوظيفية لعلم الكلام

هل أن علم الكلام علم لازم للأمة؟

إننا من فرط ما ألفنا هذه المعرفة في بنيتنا النفسية المعرفية-الوجدانية، لا يكاد يخطر ببالنا أن نفكر فيم إذا كان علم الكلام علما ذا طبيعة دينية خالصة أم أنه علم مدني؟ أي تتطلبه ظروف المدنية ومتطلبات بناء الشخصية الحضارية ومواجهة المخاطر التي تتهددها من الخارج حتى تتفرغ لبناء المدينة. لقد تفطن الشيخ محمد عبده، على نحو ما، إلى الصلة بين العقيدة والمدنية فقال: "هذه العقيدة أقوى دافع للأمم إلى التسابق لغايات المدنية، وأمضى الأسباب بها إلى طلب العلوم والتوسع في الفنون والإبداع في الصنائع[22]." 

كما تنـزلت هذه القضية في ذهن جدنا ابن خلدون على نحو في غاية الوضوح، فنظر في هذا العلم نظرة عالم الاجتماع الوظيفي ليقيّم مدى حاجة أبناء زمانه إليه، فقال بعد تحليل مستفيض لمنـزلته الإبستمولوجية التي سنذهب إليها مباشرة بعد هذه النقطة:

"وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم؛ إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفُونا شأنهم في ما دونوا وكتبوا، والأدلة العقلية، إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا، وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنـزه البارئ عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته. ولقد سأل الجنيد -رحمه الله- عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينـزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص، فقال: "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب[23]."

كما تفطن الباحث المغربي عبد الله العروي إلى القانون التاريخي الحضاري الذي يصلح أن يكون تعميما للرأي الخلدوني الأخير (دون إشارته إليه) عندما قال: "إن الدور الذي  يتقمصه الإسلام في زمن معين، والذي نرى فيه الروح الإسلامي الحقيقي، محدود من جهتين: من جهة الخصوم المتواجدين ومن جهة هوية الخصم الرئيسي[24]."

والسؤال الذي يتبادر بسرعة إلى الذهن هنا هو: من هو الخصم الرئيسي للأمة الإسلامية كرابطة روحية تاريخية حضارية؟ وهل تتطلب مواجهته حقّا فتح مخابر ومراكز وبحوث ودراسات كلامية من نوع خاص تستجيب للتحديات الذي يفرضها علينا الخصم؟! لا سبيل إلى إنكار وجود صراع حضاري - عسكري - اقتصادي بين نموذج غربي ليبرالي متوحش متحالف مع الصهيونية العالمية من جهة، والأمة الإسلامية من جهة ثانية، حتى وإن لم ننف من يشاركنا من بقية الشعوب والأمم في مثل هذه المواجهة كبعض البلدان الآسيوية والإفريقية والأمريكية الجنوبية. بل وحتى من داخل الفضاء الغربي الأوروبي أو الأمريكي نفسه. فهل نحن اليوم بحاجة حقّا إلى إنتاج خطاب كلامي جديد يجمع القوى التقدمية في العالم تحت راية واحدة هي مواجهة شرّ الإدارة الأمريكية التوراتية ومن يمدّ لها في الغي من عملاء الصهيونية وأعداء الإنسانية أنصار العولمة المتوحّشة، أم أن رأيا كهذا يبدو في غاية الغرابة والسذاجة؟! أولاَ يبدو في الواقع كذلك عندما نريد أن نرفع مستوى الصراع إلى المستوى الكوني وأن ننتج ونتداول، تبعا لذلك، خطابا يهمّ الإنسان أيّا كان لونه ولغته وثقافته؟ أليس ما يتهدد العالم اليوم ليس مجرد هجمة شرسة على العالم الإسلامي، وإنما اعتداءات منهجية مدعومة بنظرية الصدام بين الثقافات، ونظرية نهاية التاريخ على مصير السلم في العالم، وعلى ميزة إنسانية الإنسان في حدّ ذاته، حتى وإنْ رفع لافتة الإنسان في هذه المرحلة التاريخية بالذات، الفلسطيني أو العراقي أو الكوبي أو الكوري الشمالي؟!   

إن علم الكلام اختصاص معرفي، نشأ لدى المسلمين عندما كانوا يمثلون مركز استقطاب عالمي وعندما كان يحق لهم أن يتباهوا بتفوق عقيدتهم؛ لأنهم كانوا متفوقين على الأرض. كان تتمّةً لِعَمَلِ فَتْحِ المعاقل النفسية-المعرفية الذي لم تنجزهُ آلة الحرب. هذا إذا تجاوزنا أسباب النشأة الأولى، والتي كانت تخصّ قضية محلية جدا هي قضية بحث الدولة الأموية الناشئة عن مشروعية دينية لمدّ سلطانها على رقاب الناس بعد أن أعوزتها المشروعية السياسية، فوجدت في تدويل خطاب الجبر حلا لهذه المشكلة السياسية، واتخذته إيديولوجية رسمية للدولة، ومن ثمة ظهرت القدرية فالاعتزال القائل بحرية الإرادة الإنسانية وبالعدل الإلهي كرد فعل على هذا التحايل السياسي الإيديولوجي المنظم. ومع كل هذا، فإن الثلمة الرئيسية في علم الكلام تتجاوز الناحية الوظيفية المحددة في الزمان والمكان. إنه يشكو من علة إبستمولوجية مزمنة لا سبيل له إلى الخلاص منها البتّة.

2. هشاشة علم الكلام الإبستمولوجية

إن النقد الذي سنوجّهه لعلم الكلام، والذي سيكون في العمق هذه المرة، قد حدسه بعض مفكري الإسلام. ومن أبرز هؤلاء ابن خلدون، الذي نعود إليه مرة أخرى لنغوص معه في الموانع الإبستمولوجية العرفانية épistémologico-cognitifs  لقيام علم كلام بالمعنى الإيجابي؛ أي الذي يبني العقائد إيجابيا ولا يكتفي بمجرد السلب، كالتنـزيه وما شابهه.

لقد لاحظ ابن خلدون منذ ستة قرون، أن البحث في أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، طمع في محال؛ لأنها ببساطة من طور فوق طور العقل، ودعا في مقابل ذلك إلى التركيز في الإيمان على العمل والاتصاف؛ إذ الفرق بين الحال والعلم في العقائد، حسب رأيه، فرق بين القول والاتصاف، والعلم الحاصل عن الاتصاف ضرورة هو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف.

وزيادة على نقده لعلم الكلام بصفة مباشرة، وجّه ابن خلدون نقدا آخر قويا لاختصاص معرفي ثان، نُسجت بينه وبين علم الكلام في مرحلته المتأخرة (ابتداء من تأليفات الغزالي: توفي 505ﮪ) صلات متينة، وهو الفلسفة بطبيعياتها وإلهياتها (المقدمة، فصل "في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها")، حيث صار الكلام في الأزمنة القريبة من ابن خلدون فنا مختلط المسائل ملتبس الموضوع لا يكاد يتميز عن الفلسفة حسب تقييمه. والفلسفة المعنية في هذا السياق هي الفلسفة اليونانية المتسمة بطابع ميتافيزيقي دغمائي والواقعة في وهم المطابقة بين أحكام الذهن والموجودات الخارجية المُدركة لا بالحس ولا باستقراء المحسوسات، وإنما بمحض التأملات الذهنية المجردة، وهو ما يتعارض تماما مع نظرية المعرفة القرآنية كما لا يخفى. هذا الضرب من الفلسفة، تأثر به علم الكلام قديما فانتقلت عللها إليه.

يقول ابن خلدون في الفصل الذي عقده في "مقدمته" المشهورة لنقد علم الكلام، وبيان استحالة بناء نظرية في الإيمان:

"قال صلّى الله عليه وسلم: "من مات يشهد أن لا إله الله دخل الجنة". فإن وقف عند تلك الأسباب [أسباب الخلق]، فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر[25]، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد، فأنا الضّامن له أن لا يعود إلا بالخيبة. فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق. ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا اَحد﴾ (الإخلاص: 1-4) ولا تثقنّ بما يزعم لك الفكر من أنّه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كلّه، وسفّه رأيه في ذلك.

واعلم أنّ الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه. ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات وسقط من الوجود عنده المسموعات. وكذلك الأعمى (الأكمه) أيضا يسقط من الوجود عنده صنف المرئيات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به. لكنهم يتّبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم. ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق، لوجدناه منكرا صنف المعقولات وساقطة لديه بالكلية. وإذا علمت ذلك فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن إدراكاتنا مخلوقة عنده وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقا من ذلك، والله من ورائهم محيط، فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك؛ لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.

ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدّ يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه.

وتفطنّ من هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك. وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع. فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها؛ إذ لا فاعل غيره. وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته، وعلمنا به، إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير. وهذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين: "العجز عن الإدراك إدراك[26]".

وحيث أنه ليس لموضوعات الغيب ما يقابلها في عالم التجربة العقلية الجامعة لشتات الحدوسات الحسية فلا يمكن أبدا ادعاء إمكان إثباتها بالعقل النظري أو العلمي[27].

فإذا ما أخرج ابن خلدون، عن حق، أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طورا لعقل (من جنة ونار وجن وملائكة وشياطين وصراط وبرزخ...الخ) من مباحث العقل الشرعي؛ فماذا بقي لعلم الكلام من موضوعات يدرسها، اللهم إلا الدفاع عن الصور المثالية التي يحملها العقل الكلامي عن إلهه، وهي كلها إسقاطات لحاجات الإنسان في "العدل والحق والكمال، ولرغباته في الجمال والنعيم الدائم واللّذائذ التي لا تنتهي من لحم مشوي ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ (الواقعة: 24)، ﴿وظلّ ممدود، وماء مسكوب﴾ (الواقعة: 32-33) لا ينقطع لتعويض جفاف الصحراء القاحلة وحرارتها الملتهبة، ومتعة جنسية تمتد إلى ما لا نهاية، فثمة ﴿وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ (الواقعة: 25)، لا يشارك أحدهم فيها الآخر[28]. والحقيقة أن الله لم يظلم أحدا ولم يخادع أحدا حيث قال: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ (الحشر: 21) أو ﴿وأوتوا به متشابها﴾ (البقرة: 24).

لنغلق هذا القوس السيكولوجي الذي فتحناه (سيكولوجية الخوف والطمع) ولنعد إلى تحليلاتنا الإبستمولوجية، متوقفين عند عبارة ابن خلدون: "للعقل حدّ يقف عنده ولا يتعدى طوره" الواردة في النص المذكور آنفا. إنّ هذا القول يتفق في رأينا مع الرأي المشهور للفيلسوف الألماني إمانويل كانط، والذي مفاده أن العقل عاجز عن المعرفة العلمية بمسائل الميتافيزيقا. ولذلك قال "لقد وضعت حدا للعقل لأفسح في المجال للإيمان".

إن كانط يذهب إلى أبعد من مجرد تقرير استحالة معرفة العقل لكل المواضيع التي يفكر بها معرفة إيجابية وأن جانبا منها فقط متاح له معرفته، وذلك عندما يوضح لنا أن معرفة الذهن entendement، وهي المعرفة الوحيدة الإيجابية، مؤطرة دائما بحدسي الزمان والمكان المحضين[29]. إن العقل يدرك العالم بإدراجه ضمن تجاربه الخاصة، ففي العالم الفوضى وفي العقل النظام. وهذه التجارب لا تتم إلا باستقبال مشتتات العالم الخارجي في الحساسية المتعالية بفضل حدسي الزمان والمكان الماقبليين ثم تضمن ملكة الفهم [بعد ذلك] وحدة الظواهر عن طريق بعض المقولات. وانطباق المقولات على الحدوسات هو ما يحقق اكتمال التجربة في العقل وبدون ذلك لا تتم.

فـ"المقولات بدون حدوسات جوفاء والحدوسات بدون مقولات عمياء". ومهما حصل بعد ذلك من تطور في العلوم العرفانية sciences cognitives فإن الأمر يبقي في ما يخص قضيتنا، دائما على حاله. من المستحيل على العقل أن يدرك شيئا (الذهن في الاصطلاح الكانطي) إلا وله أصل في التجربة الحسية الخارجية. كل المفاهيم بما فيها الأكثر تجريدا، كان منطلق نشأتها من تفاعلاتها الكثيرة مع العالم المادي. لنعط مثالا على ذلك، إننا نصف الفكر الذي يتسم بالثراء والقدرة الكبيرة على الإحاطة بموضوعه بأنه فكر عميق. مفهوم العمق هذا مفهوم ذو أصل هندسي، اكتسبناه من خلال بنائنا المتدرج منذ طفولتنا الصغرى لأخطوط المكان schème de l’espace في أبعاده الثلاثة الطول والعرض والارتفاع أو العمق، بتوسط حركة الجسم في الفضاء، كالسقوط والقيام والانحناء... الخ. مثال آخر: عندما نقول إن هذا القول صواب. الصواب يتضمن معنى التطابق مع معيار أو التوافق مع أمر آخر، أو النجاعة؛ أي تحقيق الهدف أو إصابة الهدف، والتطابق أو التوافق أو إصابة الهدف لنا معها خبرات حسية طويلة في طفولتنا وما بعد طفولتنا. في السنة الأولى ابتدائي أو في السنة التحضيرية يطلب من الطفل، مثلا، أن يصل بخط كل غطاء بالإناء المناسب له، وفي المنـزل يمارس ذلك فعلا ويفرح ويصفق عندما ينجح في تحقيق هذا النشاط أو ما شابهه بطريقة مناسبة. وهكذا الأمر بالنسبة لباقي المفاهيم. بقي أن ننبّه إلى وجود ألفاظ تشير إلى كائنات متخيلة مثل الجن والعفاريت والغول وسلاّل العقول وغيرها. كل هذه الألفاظ لا تعتبر مفاهيم، وإنما هي تعبيرات محض ثقافية من السمعيات الخالصة؛ أي مما سمعنا غيرنا يذكره. ولولا أننا سمعنا بها ما تداولناها. ويستحيل اليوم على طفل القرن الواحد والعشرين أن يبتدع من عنده مفهوما كمفهوم "عزوزة القايلة" (عجوز القيلولة التي تخوّف بها الأمهات الصبية الصغار حتى يركنوا إلى الراحة عند الظهيرة) أو العفاريت، وهو العفريت الذي يتصرف في الحاسوب بكل شطارة.

إن ما ذكرناه هنا، من أمثلة بالرغم من تجذرها في سياق ثقافي مخصوص، هو الثقافة العربية الإسلامية المحلية الشعبية إلا أنه يتفق مع كشوفات علم النفس الثقافي كما ساهم في صياغته العالم الأمريكي جيروم برونر[30]، ويتفق مع أعمال التيار التاريخي الثقافي بريادة العالم الروسي Vygotsky[31].

ثم ألا توجد إشارات واضحة في القرآن (الكريم) إلى الظاهرة الثقافية الخاصة بتداول الأسماء المتعلقة بالغيب في قوله تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ (هود: 49)، وفي موضع آخر: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من اَمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الاِيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ (الشورى: 49). ثم انظر في جواب القرآن الذي هو جواب في غاية البساطة على سؤال أناس بسطاء: ﴿ويستنبئونك أحق هو، قل اِي وربي إنه لحق﴾ (يونس: 53) ، هكذا في كلمة واحدة وانتهى الأمر، بدون مقدمات ولا مؤخرات ولا أقيسة منطقية ولا تهويمات ولا شطحات في الخيال. فإما أن يختار الإنسان الإيمان دفعة واحدة وإما فلا. فالإيمان يمتاز بالحدس الروحي. أما الذكاء فلا يقود أبدا إلى الإيمان كما يقود إلى أي قضية يبنيها؛ لأنه وكما قال برغسون عن حق، الذكاء له نفس تمفصلات المادة[32].

ولا تمفصلات في الإيمان ولا أصل في المادة للإيمان ولا لموضوعاته. فإما أن يقع التسليم بها وإما ألا يقع، هكذا بكل بساطة: ﴿ولو شاء ربّك ءلامن من في الاَرض كلهم جميعا اَفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين﴾ (يونس: 99). الإيمان ليس موضوع إكراه؛ لأنه غير مؤطر بالضرورة الطبيعية ككل حاجات البشر البيولوجية مثلا. وبالتالي فلا قوانين له ولا قواعد عامة له وما العلم إلا بالكلي كما يقول أفلاطون، فما هو، إذن، بعلم ولا بموضوع علم.

والذي يؤكد لنا عدم خضوع الإيمان لقوانين حتمية هو أن الله لم يشأ تعميمه؛ أي جعله قانونا عاما. فإرادة الله وقوانين الطبيعة شيء واحد[33]، وحيث أن الله لم يشأ، فهو، إذن، ليس بقانون ولا يخضع لقانون، وإنما يصدر عن إرادة حرة بالكامل ﴿فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29).

ولهذا الأمر استتباعاته التربوية التعليمية.

رابعا: الاستتباعات الإشكالية التعليمية للنقد الإبستمولوجي لعلم أصول الدين

بما أن فعل الإيمان غير قابل للتعليم وللتعلم؛ إذ هو لا يجزأ ولا يتدرج فيه وإنما يحتاز كلية ودفعة واحدة، كما قلنا، فهو بالتالي غير قابل للتبليغ، وإنما سبيله القدوة[34] (هنري برغسون، "ينبوعا الأخلاق والدين").

وهذه قضية ليست في غاية الجدة، فقد طرحها من قبل وبطريقته الخاصة ابن خلدون في كتابه "شفاء السائل في تهذيب المسائل"، والذي أثبت أبو يعرب المرزوقي نسبته له. حيث جاء هذا المؤلف ليرد على سؤال طرح عليه حول مدى الحاجة إلى الشيخ؛ (أي المعلم) في طلب المعرفة الذوقية، الإيمان والتقوى وأحوالهما[35]،  وكان جواب ابن خلدون يتلخص في أنه لا ينفي سلطة الشيخ الروحية. "ولكن مع التأكيد على أنها تتعلق بشريعة خاصة لا تتجاوز قيادة المريد، وهي غير قابلة لأن تصبح شرعا عاما وغير قابلة للتبليغ والتعميم، ولا تتجاوز الإشارة والمحاكاة بين الشيخ والمريد[36]."

نخلص من كلّ هذا أن الإيمان ذاته لا يمكن أن يبلّغ، وبالتالي لا يمكن أن يكون  خطابا تعليميا تعلميا عاما. وقد يحتجّ البعض بأن الإيمان قد بلّغ فعلا عبر التاريخ من طريق النبوات، ولكن يجب ألا ننسى أن الوحي نفسه قد قال: ﴿فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر﴾ وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ولكنه أكد في مقابل ذلك على مسلك القدوة فقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة﴾ (الأحزاب: 21)؛ أي أن إرادة تبليغ الإيمان من قبل أي شخص ولو كان الرسول نفسه لا تكفي لحصول البلاغ؛ أي الاستقرار في الوعي، وأن البلاغ لا يتم إلا بفعل داخلي؛ أي بدون وساطات لسانية أيا كان نوعها (وحتى إن أخضعنا هذه الظاهرة لتحليلات التيار التاريخي الثقافي (ورائده فيغوتسكي)، فإن هذه التحليلات تحيلنا على تمشيين مختلفين: واحد ما بين فردي بتوسط العلامات اللغوية، وآخر ضمن فردي يتم به استبطان المحتويات الثقافية اعتمادا على ممكنات النضج البيولوجي، فإن هذا التمشي الثاني يستعصي على المراقبة الخارجية، المنهجية، اللهم إلا إذا اختزلناه في مكونه المعرفي فحسب وهذه المعرفة تتعلّق بمشكل مفتوح وبالتالي يستحيل الحسم فيه بشكل قاطع).

بوصولنا إلى هذا الحد من معالجة قضية "التربية الإسلامية" أو التعليم الديني على نحو عام، نصل إلى إشكال خطير، وهو إذا كانت المدرسة لا تضطلع، في مجتمع مدني حديث، إلا بتمرير ما هو محل اتفاق وما هو قابل للتبليغ؛ أي للتعلم. وإذا كانت محبة الجار لا تعلم والإيمان لا يعلم وإنما يحصلان بالقدوة وبالحدس، فماذا بقي للتربية الإسلامية إذن في المدرسة؟ هل يعني هذا إلغاءها؟

هنا تبرز قضية من أكبر قضايا العصر وهي قضية الحداثة والثقافة، فكيف أحفظ للعقل قيمته وأحفظ للروح حريتها؟

وهل بإمكان الروح أن تبقى حرة في إطار مؤسسة اجتماعية تخضع للتخطيط والبرمجة والتوجيه والتقويم كالمدرسة؟

ولكن أليس في الروح ما هو كوني وإنساني؟ ألا يوجد شيء اسمه وجدان مشترك (لا ذاك الذي يخضع للحكم العقلي) أو قيم إنسانية؟

ألا يجوز، إذن، أن نفسح في مجال المدرسة للبحث عما قد يكون كونيا وإنسانيا؟ ألا تعتبر حقوق الإنسان، مثلا، شيئا مجمعا عليه؟ ولكن هل تكون المدرسة مدرسة مجتمع معين أم مدرسة الإنسانية؟

وهل يمكن المرور إلى الكوني والإنساني مباشرة قفزا فوق كل ما هو خصوصي وثقافي اجتماعي؟ ألا نخشى أن نضحي عندئذ بالمضمون، لحساب الشكل وأن نضحي بالمعنى لحساب المبنى؟[37] كيف لنا، إذن، أن نخرج من هذا المأزق المزدوج النظري الإبستمولوجي والعملي التربوي معا؟

الحل في رأينا يكمن في وضع الفرق الذي أشار إليه ابن خلدون من قبل، بين حال الاعتقاد وعلم العقائد، والتأكيد عليه. ولكننا نريد أن نذهب إلى أبعد مما عناه ابن خلدون بخصوص الطرف الثاني في هذا الحل؛ أي أننا سنسعى إلى إعطاء مكانة إبستمولوجية جديدة تماما لعلم العقائد كما هو الحال اليوم في مجال بعض العلوم الإنسانية التي عنيت بدراسة الظاهرة الدينية.

خامسا: الدراسة العلمية للظاهرة الدينية وحرية النشاط الروحي للفرد

 يقول ابن خلدون في معرض تنويهه بالمظهر الاتصافي للإيمان مقابل معالجة قضاياه باللسان: "والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق بين القول والإنصاف... والعلم الحاصل عن الاتصاف ضرورة، وهو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف. وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم، حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظار، والمطلوب إنما هو العلم الحاليّ [الحيّ] الناشئ عن (العبادة).

واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به، إنما هو في هذا، فما طلب اعتقاده فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف، وما طلب عمله من العبادات، فالكمال فيه في حصول الاتصاف والتحقيق بها. ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة. قال -صلى الله عليه وسلم- في رأس العبادات: "جعلت قرة عيني في الصلاة"، فإن الصلاة صارت له صفة وحالا يجد فيها منتهى لذاته وقرة عينه، [...] فقد تبين لك من جميع ما قررناه، أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ينشأ عنها علم اضطراري للنفس، هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة، وأن ذلك سواء، في التكاليف القلبية أو البدنية. وتفهّم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف كلها وينبوعها، هو بهذه المثابة وأنه ذو مراتب: أولها التصديق القلبي الموافق للسان، وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرفات، حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني[38]."

يتّضح من كلام ابن خلدون أنه ينحاز بصفة كاملة إلى القول بجعل الإيمان موضوع ممارسة ولا موضوع نظر وأن ترسيخ هذا الإيمان يكون بتكرار تلك الممارسة؛ أي "المواظبة على العبادات" واستدامة الاستقامة ونحن نوافقه في هذا التقييم، ويشهد لنا في ذلك تجارب الواقع المتواترة. فإنك كثيرا ما تجد شخصا بسيطا مؤمنا أكثر حرصا على الاستقامة وتجنب الظلم من آخر يحمل الشهادات العليا في دراسة اللاهوت أو الميتافيزيقا.

أما وقد ثبتت لنا الطبيعة العامة للإيمان وصلته الوطيدة بالتقوى؛ أي الانضباط الأخلاقي المؤسس على قاعدة روحية، فقد آن الأوان لتبيين ضرب العلاقة الممكنة بين العلم من جهة والدين من جهة ثانية، والتي لا يمكن أن تكون علاقة بناء له كظاهرة روحية وجدانية - نـزوعية أبدا. الدين في جوهره الروحي محبة: محبة الله، محبة الرسول، محبة الجار، محبة الناس، محبة الخير، والمحبة ليست علما، إنما شعور وجداني وروحي خالص. وعندما تحب لا تسعى إلى الإساءة إلى من تحبّ، وتشقى بمجرد أنك تفعل ذلك ولو عن غير قصد.

ما العلاقة الممكنة بين العلم والدين إذن؟

العلاقة الوحيدة الممكنة عقلا (إبستيمولوجيا) هي علاقة العلم بالظاهرة. الظاهرة الدينية. لا يمكن أن يدرس العقل العلمي الدين إلا كظاهرة موضوعية. لقد وفق ابن خلدون إلى القيام بهذه المهمة إلى حد ما، عندما تفطن إلى زمنية علم أصول الدين وتاريخية مفاهيمه. كيف لا وهو الذي أغلق باب الإلهيات لكونها مجرد "طمع في محال" وافتتح باب الإنسيات، علم العمران البشري وعلم التاريخ.

ليست صدفة أن تأتي حزمة الحلول أو منظومة الحل لمعضلة علاقة العقل بقضايا الدين من نفس هذا المصدر؛ نعني به الفكر الاجتماعي الخلدوني. ولكن ابن خلدون بقي إلى حد ما باحثا "مؤمنا"، بل وسنيا أشعريا على وجه التحديد.

وما يتطلبه البحث العلمي حول الدين، تاريخ الأديان أو سوسيولوجيا الدين أو علم نفس التدين هو "وضع الإيمان بين قوسين[39]."

وهذا لا يعني، أن المطلوب من الباحث الذي يكون مؤمنا أن يتخلى عن إيمانه، وإنما ألاّ ينظر إلى موضوع بحثه من خلاله.

وبالتالي، فالرهان يتحول من إرادة إقناع الغير بصحة المعتقدات الخاصة به أو بخطأ المعتقدات المقابلة لها إلى إرادة الفهم، وذلك عندما يتعلق الأمر، مثلا، باكتشاف بُنى ذهنية قارة، كما تسعى إلى ذلك أعمال المدرسة البنيوية في الأنثروبولوجيا الثقافية، والتي من ثمارها أن أخرجت لنا تعريفا جديدا للإنسان يجعل منه "حيوانا متدينا" (كلود ليفي سترواس وأنثروبولوجيون آخرون)، باعتبار أن "جهازه النفسي ينتظم حول نواة مركزية" غامضة هي الشعور الديني[40]"، أو التحول إلى إرادة التفهم، بالعمل على إظهار أصناف المعقوليات الخاصة formes spécifiques de rationalité  بكل جماعة اثنية والمشتملة على أنظمة تأويلية للعالم وعلى تشفير رمزي يرسو على جملة من الاعتقادات الدينية، كما تذهب إلى ذلك بعض الدراسات المعتمدة للمقاربة السوسيو-عرفانية [41]approche socio-cognitive.

إن إرادة التفهم التي نبعت لدى جيل الباحثين الأنثربولوجيين الغربيين أمثال:

Lévi-Strauss ثم لدى الجيل الثاني من أمثال Gilbert Durand وDestro Adriana وغيرهم قد تزامنت مع تنامي الشك حول صلابة التمركز على الذات في الفكر الأوروبي والغربي عموما.

وهي مرحلة تالية في ما نعتقد، على مرحلة محاولة مجرد الفهم التي كانت تطبع الأعمال ذات الصبغة الوضعية الواضحة خاصة كأعمال عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم (مثل كتابه "البنيات الأولية للحياة الدينية")[42].

وما يميز أعمال الأنثروبولوجيين في الحقل الديني عن السوسيولوجيا الوضعية، هو تنـزلها في إطار أفق إبستيمي ما بعد حداثي يعدد من أنماط المعقولية للعالم، بينما تتصف الأبحاث المندرجة في الاختصاص الأخير، الذي هو أحد ثمار الحداثة، في مجال دراسة أنشطة المجتمع وتصوراته، بكونها تُخضِع  الظواهر الخاصة بكل مجال إلى نفس القوانين التي تعتقد في كونيتها.

إن اختلاف طبيعة المقاربة المابعد-حداثية للظواهر الدينية عن المقاربة الحداثية لها، يمنحنا فرصة لحل إشكال فلسفي-ابستمولوجي خطير. وهو الإشكال الذي يمكن تقديمه كالتالي: إذا كانت الظاهرة الدينية في أي مكان من العالم وفي أي زمان من التاريخ تخضع لنفس القوانين الحتمية كما يدعي علم الأديان الحديث (سوسيولوجيا الدين، مثلا)، فكيف نحلّ معضلة الحرية الإنسانية التي لا يسعنا إلا أن نسلّم بها كمصادرة للاضطلاع بكينونة مسؤولة خلاّقة؟

ثم ألا يخشى أن يقود "الفهم" هنا إلى تبرير كل أشكال التعصب والإقصاء، إقصاء الإيمان والمؤمنين خاصة؟ ألا يوشك علم الأديان الحديث أن يصبح ضربا من الدين السالب عندما يحكم مسبقا بوهم المؤمنين؟! أليس هذا ما وصل إليه علم النفس التحليلي الكلاسيكي مع فرويد مثلا؟! انظر مثلا كيف يفسر فرويد، في "الطوطم والمحرم" ظهور فكرة الإله: "... يتضح لنا من الفحص التحليلي النفسي للفرد بمنتهى الجلاء أن إله كل إنسان هو صورة أبيه، وأن الموقف الشخصي لكل فرد إزاء الإله منوط بموقفه إزاء أبيه المادي، ويتنوع ويتبدل طردا مع هذا الموقف، وأن الإله ليس في صميمه سوى أب ذي مكانة أرفع." ويربط فرويد بعد ذلك مسألة القرابين التي تقدم للإله بمسألة حل عقدة أوديب بقتل الأب في صورة الحيوان القربان والتهامه، ومن ثمة يأخذ الأب صورة أكثر تساميا في شكل الإله، للتطهر من ذنب القتل الرمزي الأول بالنسبة للأجيال اللاحقة[43].

نلاحظ هنا أن فرويد يتكلم بكل وثوقية (قوله: "بمنتهى الجلاء")، وهب أننا صدّقنا قوله أو بالأحرى اقتنعنا به كقانون نفساني كوني، فأي وصف سيصدق على المؤمنين عندئذ؟ سيكونون بلا شك قتلة، قتلةٌ رمزيا للأب.

وعندئذ كيف سيفسر لنا فرويد ظهور فكرة الإله في مجتمعات غير أبوية وإنما أمومية، كما أظهرت لنا ذلك بعض الدراسات الأنثروبولوجية؟ وكيف سيفسر لنا تحول محمد إلى أحد أكبر الأنبياء والرسل وهو الذي ولد بعد أن توفي أبوه؟ وكذلك الأمر بالنسبة لعيسى الذي ليس له أب أصلا (أو على الأقل لم يعرف أباه أصلا إن كنا نتكلم من خارج منظومة الإيمان)، وموسى لم يكن يطلب قتل "أبيه" فرعون بل كان فارا منه حتى مات هو بدلا عنه عندما غرق في اليمّ...؟

قد يقال إن في هذا تبسيطا مخلا لتحليلات علم النفس التحليلي الفرويدي، ففرويد يتحدث عن توارث عبر الأجيال لمشاعر وجدانية دفينة ثم تحولها تدريجيا إلى ضرب من الإعلاء. أولا: كيف نتثبت من صحة هذه الفرضية؟ من المستحيل القيام بذلك في إطار علم النفس التحليلي. وثانيا: هب أن ذلك صحيح، فكيف سنفسر عندئذ ظاهرة الإلحاد؟ هل هي فشل في حل عقدة أوديب؟ ثم أيهما أشد وقعا في النفس، التجربة المعيشة فعلا (اليتم مثلا) أم بقايا باهتة لأشباح مشاعر مفترضة متوارثة عن غابر الأزمان في تحديد العلاقة بالإله في حال كهذه، والتي هي حال غياب الأب لدى الرسل الكبار الثلاث موسى وعيسى ومحمد؟ ما ذكرناه هنا مجرد مثال عن مآزق الفكر الوضعي في تفسير الظاهرة الدينية.

ومن المهم هنا أن نلفت النظر إلى اعتماد فرويد في تحليلاته لظاهرة الدين على معطيات أنثربولوجية هي لعَالَمَيْ الإناسة فرايزر Frazer وروبرتسون سميث [44]Robertson Smith، "وهي معطيات تبين خطؤها بالكامل" (ذكره Gérard Haddad)[45]. وهنا تكمن إحدى مفارقات التحليل النفسي وهو ادعاؤه للكونية، في ما هو يعتمد فقط على معطيات محدودة في الزمان والمكان ومؤولة على نحو خاطئ من قبل جامعيها. فالذي يحرص فرويد على إظهاره بمظهر القانون النفسي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إن هو إلا تأويل لتأويلات سابقة عليه لا تتعدى حدود بعض التجارب المحلية.

لقد خالف المحلل النفسي لاكان فرويد في هذه القضية وذهب إلى أن الشعور الديني الذي هو شعور الوجدان المشترك ينبع من وعي الإنسان بحتمية الموت ومن خوفه من ذلك المصير الذي يترقبه[46]. إن هذا التفسير يبدو مقبولا أكثر من سابقه؛ إذ هو يتعلق بأمر ماثل في الذهن الحالي بكل وضوح لا بمجرد ميراث مفترض لأحاسيس غامضة موغلة في القدم كما خطر ببال فرويد.

ولكن ما ذهب إليه لاكان، في مقابل ذلك؛ أي تأسس الشعور الديني على الإحساس بالفناء لا يخلو هو الآخر من نـزعة كونوية universaliste؛ إذ هو لا يفسر لنا التنوع الحاصل في الأديان والعقائد الدينية، بل إن دينا كالإسلام، قد سعى إلى مقاومة فكرة الاستسلام لهاجس الموت، وحثّ على التمتع بخيرات الأرض ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وعلى الأخذ من مباهج الحياة وزينة الدنيا بنصيب. ونهى عن الزهد السلبي (حديث الرسول –عليه الصلاة والسلام- مع الثلاثة الذين أرادوا حرمان أنفسهم من الأكل أو النوم أو الجنس).

ولذلك نرى أنه من الأنسب الابتعاد عن كل ادعاء للكونية في الخطابات العلمية المشكّلة حول الظاهرة الدينية، اللهم إلاّ حقيقة التسليم بالنـزعة الدينية الساكنة في لا وعي أو في وعي أغلب الجماعات والأفراد، والاتجاه بدلا من ذلك إلى تغذية الأبحاث حول تاريخ الأديان، وخاصة الأديان التوحيدية الثلاثة والبوذية والهندوسية. وحيث نروم اليوم العيش في فضاء حيوي واحد يمتدّ إلى كل أطراف العالم، فليس المطلوب من المسلمين إنتاج خطاب "يرمي إلى الحجاج عن العقائد الدينية بالأدلة اليقينية حتى يمكن فهم العقيدة وعرضها والدفاع عنها"، وإنما إجراء بحوث مقارنة تبحث في تماثل البنيات الاعتقادية وفق منهج بنيوي يقلّص من فرص التمايز الاستعلائي بين أبناء مختلف الثقافات، كما تبحث عن أوجه المعقولية في الاختلافات الحاصلة بين مختلف المنظومات الاعتقادية على ضوء معلومات المقاربة العرفانية approche cognitiviste  لتحقيق الاحترام اللازم لمن يخالفنا الرأي والعقيدة.

غير أننا ننبّه من جهة أخرى إلى أن عناصر العطالة وعدم الملاءمة، الملاحظة في مستوى كل عقيدة أو منظومة اعتقادية، ذات الصلة ببعض العوائق الابستمولوجية كالنـزعة الإحيائية والأنتروبومرفية والجوهرنانية والحسية والصنعية التي ذكرها باشلار في "تكوين العقل العلمي" أو بياجيه في دراساته حول علم النفس النشوئي، ليست خاصة بدين من الأديان؛ لأن أصلها ليس في بنية الدين ذاته كفعل إيمان، بل تجد أصلها في الذهن وفي سيرورته البنائية، ثم تكتسي لاحقا طابعا دينيا. ولذلك قد تختلف صيغ هذه العوائق وتمظهراتها العينية ولكن حقيقتها البنيوية الذهنية واحدة. وبالتالي فالاشتغال عليها والتوعية بها ليس من اختصاص دراسي الأديان وإنما الإبستمولوجيين وعلماء النفس العرفانيين، وهم موزعون بين مختلف الأديان والثقافات، فهذا شأن إنساني وبشري عام إذن وليس شأن أصحاب عقيدة بعينها.

لقد قطعت أبحاث الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية أشواطا كبيرة أعمال:Lévi-Strauss, Clifford Geertz, Jack Goody, Ernest Gellner, Louis Dumont, P. Bourdieu، باتجاه إعادة تأهيل المعرفة العقلية بموضوع الظاهرة الدينية[47]، لتمثل مختلف ضروب المنطق الداخلي لمختلف المنظومات الثقافية، بحيث أمكنها تقبل عدة أشكال من العقلانية وعدة مناويل لتمفصل المعنى وعدة مستويات للدلالة، إلا أنها وبالرغم من هذه المرونة المنهجية والإبستمولوجية التي أبدتها، فإنها مازالت بحاجة إلى بذل المزيد من المجهودات لتجنب إجراء مقابلات متسرعة بين مفاهيم مثل: ميثولوجيا/تاريخ، وضعي/شرعي، معرفة واهمة/معرفة موثوق بها. وهي مقابلات تأتي كمخلفات لنـزعة التمركز حول الذات الغربية، ولعلها ترجمة لنـزعة عميقة في الفكر الغربي، وهي التي عرفها بعض مفكرينا بالجحودية مقابل الشهودية التي لا تختزل الوجود في ما يدركه العقل، خاصة إذا كان هذا العقل مشروطا بظروف تكوينه الثقافية المميزة[48].

والآن، إذا كان التجديد في مجال الفكر الديني غير ممكن من داخل البراديغم الكلامي القديم، وإذا كان الدين لا يكون موضوعا للعلم إلا بما هو ظاهرة ثقافية-اجتماعية وروحية، فأي ضرب من التجديد يمكن أن يطبق على الفكر الديني العقائدي؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العنصر السادس والأخير من هذه الورقة.

سادسا: من لاهوت الخلاص إلى لاهوت الحوار والتضامن الإنساني والعيش المشترك

في مقابل الأعمال التي تنتمي حصرا إلى مجال العلوم الثقافية أو إلى علم الأديان المقارنة، تشكلت في دائرتي الفكر المسيحي والإسلامي خطابات لاهوتية جديدة تدعو إلى التعددية والنسبية والتضامن مع الآخر في مواجهة نفس القضايا التي تتحدى الإنسان من حيث هو إنسان، أو من حيث هو مواطن يواجه نفس المشكلات مع بقية مواطنيه من المحرومين والمظلومين؛ أي أن هذه الخطابات قد تحررت من نـزعاتها الماورائية الإطلاقية واستبدلتها بضرب من الإنسانوية والتاريخانية الموجهة إلى الداخل، بهدف تنسيب الذات بعد أن كانت موجهة إلى الآخر فقط، بهدف شطبه من التاريخ الراهن.

ـ ففي الدائرة المسيحية نذكر على سبيل المثال الأب المسيحي الدّاعي إلى لاهوت الحوار، صديقنا كلود جفري Claude Geffré، الذي تجاوز أطروحة وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني (المجمع المسكوني 21)  Concile Vatican II بالرغم من أن هذه الأطروحة  تعدّ أرقى أشكال التسامح التي عبرت عنها الكاثوليكية الرسمية مع اليهودية والإسلام إلى حد الآن. وتتمثل مجاوزة أطروحة كلود جفري لأطروحة الفاتيكان الأخيرة، في قوله بأن الإسلام لا يمثل مجرد محاولة ينقصها التوفيق الكامل في العثور على طريق الخلاص الأمثل، كما يفهم من وثائق الفاتيكان2، بل هو طريق حقيقي وأصيل للخلاص، لا يتناقض البتة مع طريق السيد المسيح، وأنه دين سماوي توحيدي بأتمّ معنى الكلمة. ويقيم كلود جفري تفرقة واضحة بين السيد المسيح الذي يعتبره حقيقة وقيمة كونية، وبين المسيحية التي يعتبرها ديانة خاصة من بين عديد الديانات الأخرى. وما ينطبق على الثقافات من تعدد لا مجال للتفاضل فيه، ينطبق حسب رأيه كذلك على الديانات. يفهم من هذا تأكيده على التعددية الحقيقية لأشكال الإيمان التوحيدي، ودعوته إلى التخفيف من غلو اللاهوت الكاثوليكي، وإلى بناء لاهوت حوار أصيل ليس فيه أدنى مجاملات ظاهرة تخفي نـزعات استعلائية، بل ينطوي على احترام صادق وعميق للآخر. يقول ك.جفري محاضرا ومنتقدا لتصوّر الكنيسة الحالية لمكانة الديانات غير المسيحية: "إن المجمع الفاتيكاني الثاني لا يصل في اعترافه بالديانات غير المسيحية إلى اعتبارها "طرق خلاص"[49]." وفي موضع آخر من نفس المحاضرة، يؤكد جفري على نسبية وخصوصية المسيحية فيقول: "يجب أن نأخذ على محمل الجد الخصوصية التاريخية للمسيحية، وبالتالي نسبيتها، من دون التفريط في رسالتها الكونية العالمية... إن الكونية الحقة متجذرة دائما في خصوصية متعينة". وهو يريد بذلك القول بأن الكونية ليست محتكرة من قبل ديانة واحدة، بل إن عديد الديانات الناشئة في سياقات تاريخية مخصوصة يمكن أن تشترك في القيم الكونية ذاتها.

ـ وفي الطرف الإسلامي، يمكننا تقديم مثال المفكر والمناضل الجنوب إفريقي من الأقلية الهندية-الباكستانية "فريق إسحاق"، الذي يعدّ واحدا من أبرز مفكري الإسلام الجدد[50].

فبتأثر بتجربته الشخصية في مجتمع متعدد الأعراق والاثنيات، ويواجه نفس مشاكل الفقر والاستبداد والتمييز العنصري (وإن بدرجات متفاوتة)، وبتأثير من ثقافته العالية وتكوينه الجامعي الراقي،  عمل فريد إسحاق في كتابه الرائد "القرآن، تحرر وتعددية: مقاربة إسلامية للتضامن البين ديني ضد الاستبداد" على تحقق الأهداف التالية:

"- البرهنة على أنه من الممكن أن يبقى المرء وفيا للقرآن وهو يعمل لبناء مجتمع أكثر عدالة وأكثر إنسانية مع رجال ونساء ينتمون إلى تقاليد دينية أخرى.

- تحديد المعالم لتفسير للقرآن يسير في منحى قبول التعددية اللاهوتية داخل الإسلام.

- مراجعة الطريقة التي يحدد القرآن وفقها العلاقة مع غير المسلمين، مؤمنين أو غير مؤمنين، مع ضرورة الاهتمام بتحديد المكانة التي يمكن أن يُعترف بها لمن يعمل أو تعمل بقلب سليم.

- تعميق وتبيان العلاقة التي توجد بين التشبث الديني والمحافظة السياسية، أو بين الانفتاح الديني والتقدمية السياسية[51]."

وبهذه الفكرة الأخيرة سعى فريد إسحاق إلى الإسهام في بناء لاهوت إسلامي للتحرّر، على غرار لاهوت التحرر المسيحي في بلدان أمريكا اللاتينية.

خاتمة

يمكننا القول في نهاية هذه الورقة، إن الذي سيمكننا من بناء علم جديد بالدين يستحق هذه الصفة هو التخلص من وهمين: وهم إمكانية تحصيل معرفة يقينية بالغيبيات ووهم بناء معرفة مطابقة لموضوعها، وهذا يعني الخروج من البراديغم المعرفي القديم والاستفادة من البراديغمات المعاصرة المتطابقة مع روح الرؤية القرآنية للعالم والعالمِين. وهو ما سيقود في النهاية إلى التخلص من معيارية العلم القديم، وجعلنا أكثر فهما لأنفسنا وأكثر تفهما لغيرنا، فنتمكن عندئذ من بناء لاهوت حوار بين المذاهب ولاهوت حوار بين الأديان ولاهوت نضال وتحرر في مقابل الاستبداد والاستغلال وكل أشكال الظلم والعسف ضد الإنسان أيا كان لونه وعرقه ودينه، وهو عين ما دعانا إليه القرآن الكريم. وبهذا نمهد السبيل لبناء جيل جديد يعمل على إخماد نار الحروب الأهلية المشتعلة باسم نصرة المذهب والدين، ونار الحروب الكونية المشتعلة بدعوى الرد على إرهاب المسلمين. فتظهر عندئذ حقيقة النوايا ونتفرغ للعمل في تحقيق تطلعات أمتنا والبشرية قاطبة إلى التنوير والتحرير.

الهوامش

 


1. أبو داود في السنن، كتاب الملاحم باب "ما يُذكَر في قرن المائة"، الحديث رقم3740.

2. الطاهر ابن عاشور، "التحرير والتنوير"، ج.1

3. Popper, K., la logique de la découverte scientifique, Payot, 1973.

4. ابن خلدون، "المقدمة"، ج 2 الدار التونسية للنشر، 1984 ص557.

5. الشرفي، عبد المجيد، "الإسلام والحداثة"، تونس: دار الجنوب للنشر، ط3، 1998، ص32.

6. حنفي، "دراسات إسلامية"، التنوير، 1982.

7. انظر تحليلات غاستون باشلار النفسية لنشاط العقل العلمي وانظر كذلك في كتاب "الفلسفة وفلسفة العلماء العفوية" للويس ألتوسير.

8. Gérard Hadad, La désintrication du savoir et des valeurs in Monothéismes et modernités, colloque international organisé à l'Acropolium de Carthage 2-3-4 Novembre 1995, coll. Orient-Occident sous l'auspice de l'association Friedrich Naumann.

9. انظرCastariodis, C., L'institution imaginaire de la société, Paris, Seuil, 1985

10. انظر حمودة السعفي، "التجديد في المباحث الكلامية عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور"، سلسلة آفاق إسلامية وزارة الشؤون الدينية، 1998 ص235-254.

11. انظر مثلا، قراءة عبد المجيد الشرفي 1998، ص31-43.

وانظر كذلك أركون، "تاريخية الفكر العربي"، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، ط3، 1998، ص60.

12. الشرفي، 1998، ص41.

13. المصدر نفسه، ص41.

14. أركون، م، س.

15. انظر عبده، "رسالة التوحيد"، المنار، القاهرة، ط17، 1376ﮪ، ص48-52.

16. انظر، حنفي، "دراسات إسلامية"، فصل "لماذا غاب مبحث الإنسان في تراثنا القديم؟"، التنوير، ط1، بيروت، 1982، ص299-315.

17. حسن حنفي، "التراث والتجديد، التنوير"، بيروت، 1981 ص68.

18. انظر، حنفي، "دراسات إسلامية"، م، س، الصفحة الأخيرة.

19. انظر، أبو يعرب المرزوقي، "آفاق النهضة العربية ومستقبل الإنسان في مهب العولمة"، بيروت: دار الطليعة، 1999، ص196.

20. عبد الإله بلقزيز، "نهاية الداعية"، المركز الثقافي العربي، 2000، ص81.

21. انظر حوار مصدق الجليدي مع حسن حنفي في مجلة حقائق، عدد210، أوت 1989، ص20.

22. ذكره الشرفي، م، س، ص33.

23. ابن خلدون، "المقدمة"، م، س، ص567.

24. عبد الله العروي، "ثقافتنا في ضوء التاريخ"، التنوير، المركز الثقافي العربي، ط1، 1983، ص18.

25. أي إن لم يصعد في اعتقاده عن نشأة الخلق من الأسباب المادية لذلك الخلق إلى موجد تلك الأسباب جميعا -وهو الله تعالى- فقد كفر. وهذا هو حال الدّهريين مثلا.

26. ابن خلدون، "المقدمة"، م، س، ص56-56.

27. انظر تحليلات كانط بخصوص هذه المسألة في:

 Kant, E, Critique de la raison pure, Quadrige, Puf, Paris, 1990

28. هب أن أحدنا وجهت له دعوة لطيفة من إحدى المؤسسات الاقتصادية أو الاجتماعية للإقامة في نـزل خمس نجوم حيث تتوفر له أصناف اللحوم والغلال وأطاييب الطعام والفضاءات المكيفة والمسابح مع رفقة طيبة ولمدة طويلة نسبيا. فهل أن "مشروع الآخرة" لديه سيصبح لاغيا بصفة آلية؟! أو مؤجلا إلى ما بعد انقضاء مدة الإقامة في النـزل؟!

29. أظهرت دراسات المدرسة البنائية مع رائدها جان بياجيه في ما بعد أن الزمان والمكان ليس حدسين ما قبليين محضين وإنما أخطوطان ذهنيان يتم بناؤها تدريجيا منذ الطفولة مع أسبقية لأخطوط المكان على أخطوط الزمان.

30. Bruner, J., L'éducation: entrée dans la culture, Trad.Y.Bonin, Retz, Paris, 1991.

31.Vygotsky, L.S., Thought and language, Cambridge, MA: MIT Press, 1962.

32. Bergson, matière et mémoire, Puf, Paris, 1991

    أو انظر كتابه الآخر:

 Les deux sources de la morale et de la religion, Cérès Production, Tunis, 1993.

33. انظر سبينوزا، "رسالة في اللاهوت والسياسة"، ترجمة وتقديم وتعليق حسن حنفي، ط2، الأنجلو المصرية، القاهرة، 1978.

34. انظر هنري برغسون، "ينبوعا الأخلاق والدين"، مرجع سبق ذكره.

35. المصدر نفسه، ص175.

36. المرزوقي، المقالة الأولى من التعريف بكتاب ابن خلدون شفاء السائل، لتهذيب المسائل، تونس: الدار العربية للكتاب، 1991، ص33.

37. للتوسع في هذا المعنى عد إلى مقالتنا المنشورة تحت عنوان: "تعلمية لتربية إسلامية: حدود المجال النظري: ابن خلدون، كانط، بياجية"، في مجلة كتابات معاصرة، عدد42، تشرين، كانون، 2001، بيروت-لبنان.

38. المقدمة، ص560-561.

39. Arkoun, M, "Pour une histoire comparée des monotheisms" dans Monotheisms et modernité, op.cit.p.359-372.

40. Haddad, G, "La désintrication du savoir et des valeurs" in Monotheisms et modernités.

Op cit, p. 340.

41. انظر مثلا بعض تطبيقات هذه المقاربة في كتاب:

 Boudon, R, Le juste et le vrai, Etudes de l'objectivité des valeurs et de la connaissance, Fayard, 1995.

42. Durkheim, E, Les structures élémentaires de la vie religieuse. Le système totémique en Australie, Puf, Paris, 1990.

43. انظر، فرويد، "الطوطم والمحرم"، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، ص191 وما بعدها.

44. المقصود هنا كتابه فريزر: الطوطمية والزواج الخارجي Totemismand exogamy وكتابه الغصن الذهبي (فن السحر وتطور الملوك) وكتابه الحرام، عبء الملوك، وكذلك كتاب روبرتسون سميث: ديانة الساميين The religion of the Semites, London, 1907).

45. المصدر نفسه، ص341.

46. المصدر نفسه.

47. Arkoun, M., Pour une histoire comparée des religions, in Monotheisms et modernités, op.cit, p. 367-368.

48. انظر المرزوقي، شروط نهضة العرب والمسلمين، دار الفكر، دمشق، 2001.

49. C. Geffré, La prétention du christianisme à l'universel: Implications missiologiques.  Conférence donnée à Rome le 18 octobre 2000, lors du congrès missiologique internationale, tenu à l’Université Pontificale Urbaniana).

50. انظر رشيد بن زين، "المفكرون الجدد في الإسلام"، نقله عن الفرنسية حسان عباس، تونس: دار الجنوب للنشر، 2009، ص229-254.

51. المصدر نفسه، ص240.

 

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي

مقاصد الشريعة وأسئلة الفكر المقاصدي

أريد في البداية أن أضع هذا الموضوع في سياق ما كتبته طوال عشرين عاما. كتبت في مقاصد الشريعة من زاوية انتظامها في نظرية محددة في منطلقاتها، وفي مكوناتها، وفي أدلتها. كما في كتابي "نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور". وكتبت في مقاصد الشريعة من زاوية فقه العلم المنسوب إليها...

التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية

التفكير الرياضي.. نموذج للمعرفة العلمية

يتناول البحث أهمية علم الرياضيات، وتأثير الفكر الرياضي في تطور المعرفة الإنسانية. فالرياضيات نموذج متميز للتفكير والمعرفة الإنسانية. ويتوقف البحث عن تطور الفكر الرياضي واستخدام الرياضيات في تطوير المعارف الإنسانية وتقدمها منذ القدم وحتى العصر الحديث مرورا بمرحلة الحضارة العربية والإسلامية التي قدمت للبشرية خدمات علمية كبيرة.

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

أثر الفلسفة والمنطق في العلوم الإسلامية.. نقد وتركيب
مدخل إلى بحث ابستيمولوجي في العلوم الإسلامية

اعتبر المنطق منذ أرسطو إلى اليوم جزءاً لا يتجزأ من الفلسفة، بل هو جزؤها الأهم. وكانت عندها الفلسفة هي أم العلوم. كما كانت أولى المعارف التي وصلت إلى المجال المعرفي العربي عبر عمليات الترجمة التي أنجزها نصارى السريان. ولما كانت الفلسفة مزودة بآليات المنطق وأشكاله الاستدلالية...