3 ذو القعدة 1439 / 16 يوليوز 2018
ندوات

نظرية المعرفة عند ابن تومرت
نظرية المعرفة عند ابن تومرت

قراءة في مخطوط "كنز العلوم والدر المنظوم في حقائق علم الشريعة ودقائق علم الطبيعة"

 

نظرية المعرفة عند ابن تومرت
 قراءة في مخطوط "كنز العلوم والدر المنظوم في حقائق علم الشريعة ودقائق علم الطبيعة"
د. نصر محمد عارف
رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة زايد/الإمارات العربية المتحدة
هناك مقدمتان ضروريتان لابد من التعريج عليهما قبل الحديث عن نظرية المعرفة عند ابن تومرت: المقدمة الأولى؛ أنه لابد من التأكيد على أن نظرية المعرفة تُكتشف ولا تُخترع، وأنها نتاج حضاري يتحقق بتراكم الإنتاج المعرفي؛ الذي تم الوصول إليه باعتماد نفس المناهج، ومن نفس المصادر، وطبقا لنفس المعايير العلمية، ولذلك فإن الحديث عن نظرية معرفة إسلامية غلب الكثير من الخلط والارتباك؛ لأن البعض كان يظن أن هذه النظرية يمكن بناؤها انطلاقا من بعض آيات قرآنية وأحاديث نبوية؛ وكأنها حكم فقهي أو فتوى، غير مدركين أن نظرية المعرفة هي الإطار العام الذي تجمع عليه الجماعة العلمية، وتعتمده كمعيار لتحديد صدقية المعرفة التي تنتجها وصلاحيتها، وأن هذا الإطار العام يمثل التقاليد العلمية التي تحدد معنى العلم وصفته في كل عصر ومصر، وأن ذلك كله اجتهاد بشري، تصل إليه عقول العلماء من خلال تفاعلها مع مصادر الوحي ومع الواقع.
ولذلك فإن الوصول إلى نظرية للمعرفة في الحضارة الإسلامية يحتاج إلى جهود متراكمة تسعى لاكتشاف تلك النظرية عند المفكرين المسلمين الكبار، ومن خلال التوافق والتلاقي والمشتركات بينهم يمكن الوصول إلى نظرية معرفة عامة؛ قد تكون سادت في فترة زمنية معينة ثم تغيرت، ويمكن كذلك تحديد كيفية تغييرها، ومتى تم ذلك ومن قام به، وللأسف هذا الجهد لم يبدأ حتى الآن.
والمقدمة الثانية؛ أنه على الرغم من ثراء التراث الإسلامي وتنوعه وتعدد إسهاماته؛ وعلى الرغم من أن هذا التراث محفوظ بدقة متناهية في مخطوطات محددة التاريخ والمؤلف والناسخ، وعلى الرغم من أن هذا التراث مسجل ومؤرخ له قرناً بقرن سواء في تاريخ الكتب مثل الفهرست لابن النديم، أو الطبقات أو أعلام القرون أو السير العامة مثل سير أعلام النبلاء..
 على الرغم كل ذلك، إلا إن المسلمين المحدثين تعاملوا مع كل هذا الثروة المعرفية الهائلة بالصدفة، وكان منهجهم الاعتماد على المتاح منها والمتيسر، وما تعود السابقون الرجوع إليه، بصورة جعلت من المحققين والناشرين سلطة معرفية تحدد مصادر التراث الإسلامي في أي موضوع، فما تم تحقيقه أو رجع إليه أحد بالصدفة ووضعه في قائمة مراجعه هو الموجود وغيره معدوم.
تراثنا لا نعرف منه إلا 20 بالمائة على الأكثر، فهناك عشرون مليون مخطوطة، حصر مكتاباتها الباحث العراقي كوركيس عوَّاد، رحمة الله عليه، في 3218 مكتبة حول العالم؛ بخلاف الخزائن الشخصية، فيها عشرون مليون مخطوطة، الكثير منها مكرر، يرى الباحثون أنها لا تتجاور مليون عنوان؛ لم يحقق منها أكثر من 200 ألف كتاب، ويكفي أن نعرف أنني شخصيا حصرت التراث السياسي الإسلامي واكتشفت أن المعاصرين جميعا لم يطلعوا إلا على 18 بالمائة  مما وصلت إليه، وبالتأكيد لم أصل إلى كل شيء، ووجدت أيضا أن هناك ثلاثة من كبار الباحثين أعدوا أطروحات الدكتوراه في الفكر السياسي للماوردي، ولم يطلع أيا منهم على جميع مؤلفات الماوردي السياسية. 
وأبو عبدالله محمد بن تومرت (1080-1128م) دارت عليه سنة الماوردي، فقد أعد أحد كبار الباحثين والأساتذة المعاصرين  أطروحته للدكتوراه، وللأسف لم تتاح له الفرصة للاطلاع على هذه المخطوطة الفارقة في دراسة فكر مؤسس دولة الموحدين، وأظن أنها فارقة أيضا في فهم نظرية المعرفة عند المسلمين، فما جاء في هذه المخطوطة نفس الفكر الذي قامت عليه مدرسة تجديدية معاصرة هي مدرسة إسلامية المعرفة، بصورة تكاد تكون حرفية من حيث تطابق الأفكار والمفاهيم وحتى الألفاظ.
وقد قاد هذا الغياب لهذا المصدر المحوري في فكر ابن تومرت أن تم تقديم فهمه للعلم والمعرفة والمنهج،  في دراسة الدكتور عبدالمجيد النجار، بصورة باهتة لا تميز لها، ولا خصوصية فيها، فخلص الدكتور النجار إلى أن فكر ابن تومرت المعرفي لا يخرج عن المتوسط العام لفكر عامة المفكرين المسلمين حسب مدارسهم الاعتقادية وانحيازاتهم الفقهية والسلوكية، فكان ابن تومرت واحدا من جمهور كبير، وليس فردا متميزا ومجددا في عصره وعصور تلت.
تقع هذه المخطوطة في خمسة أبواب ومقدمة، والباب الخامس ينقسم بدوره إلى خمسة فصول، وهذه الأبواب والفصول هي: 1. علم الشريعة والحقيقة، 2. في أصل علم الطبائع والمخلوقات من البداية إلى النهاية، 3. في معرفة العقل والروح والنفس، 4. في فضائل الآدمي ومعرفة الخالق من الخلائق في صورته، 5. في استخراج العلوم الغامضة من الطبيعة، وينقسم إلى خمسة فصول تتناول علوم: الطب، والكيمياء، والسيمياء، وتقويم الشمس والقمر، والفأل والزجر.
ولفهم نظرية المعرفة عند ابن تومرت فهما أوليا نتناول القضايا الآتية:
أولا: نظرية الخلق تحدد نظرية المعرفة
يقدم ابن تومرت رؤية للخلق تنطلق من أن النور هو أول خلق الله، سبحانه وتعالى، وهذا النور ظل دهورا ماكثا في مقام القرب، لم يكن معه من خلق الله "إلا روح الأمر الذي هو أصل لجميع الأرواح؛ ومنه مصدرها واليه يؤول أمرها"، ولما أراد، سبحانه وتعالى، خروج المخلوقات "قال للنور "كن" فانفلق نصفين: أعلى وأسفل، فصار إلى طرفين ووسط".
ويفصل ابن تومرت في الطرفين والوسط، حيث يري أن الوسط هو أصل الاعتدال الكوني، وهو علة العلل المعتدلات في جميع المخلوقات، وأما الأعلى فهو النور الحار الحركي الذي منه تستمد الحركة الكونية، وأما الزسفل فهو الظلمة الباردة الساكنة.
ويؤسس ابن تومرت على هذه الفكرة كل الثنائيات في الكون من جنة ونار، وحار وبارد، وحركة وسكون، وقلم ولوح، ثم بعد ذلك يولد من هذه النظرية كل الرباعيات التي وردت في فكر الإغريق والصينيين مثل الأسقسات الأربعة، والسوائل الأربعة، والطبائع الأربعة… جميعها يتولد من الأعلى والأسفل، من الحار والبارد، من النور والظلام من خلال عملية ضرب وتركيب ومزج متتالية، وعليها يبني كل ما سوف يرد في كتابه عن العلوم الطبيعية.
ثانيا: مصادر المعرفة: الجمع بين القراءتين 
تتجسد رؤية ابن تومرت في الجمع بين قراءة كتاب الله المنثور الكون، مع قراءة كتاب الله المسطور في القرآن الكريم من عنوان كتابه الذي جمع حقائق علم الشريعة ودقائق علم الطبيعة، وقد كان حاذقا في التفرقة بين "حقائق" و"دقائق"؛ لأن الشريعة جاءت بحقائق ثابتة، أما الطبيعة فيحكمها قانون "الواقع ونفس الأمر" حيث الواقع ما تدركه الحواس من الطبيعة، ونفس الأمر هو حقيقة الظاهرة الطبيعية في ذاتها التي تتنوع بتنوع وسائل الإدراك وتمددها وتعمقها، ومن ثم ليست هناك حقائق نهائية في كل ما يتعلق بالطبيعة لأن علومها مفتوحة ومتمددة ومتغيرة.
وفي مقدمة كتابه يوضح ابن تومرت، بجلاء لا يحتمل اللبس أو التأويل، العلاقة بين الوحي والكون، وبين الشريعة والطبيعة؛ فيقول: "جميع العلوم النافعة مندرجة تحت علم الشريعة وعلم الطبيعة… أما علم الشريعة فهو علم الدين القيم؛ الشافي من داء معصية الملك العلَّام، وهو مندوب إليه شرعاً… وأما علم الطبيعة فهو علم الحكمة التي كتبها الله بيد قدرته، وأبدع فيه مخترعات صنعته، ليدل بذلك على حقيقة معرفته”.
الشريعة والطبيعة، عند ابن تومرت، علمان من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى، ولغاية واحدة هي معرفة الله سبحانه وتعالى، ولكل واحد منهما طبيعته ومنهجه، وهذا ما يفصل فيه مجمل الكتاب، فكنز العلوم هو كتاب في الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراء الكون، هذه الفكرة المركزية مبثوثة في كل جزئية وفي كل موضوع من موضوعاته.
ثالثا: وحدة العلوم وتكاملها رغم تنوع واختلاف موضوعاتها
تقوم رؤية ابن تومرت على الوحدة والتكامل بين العلوم من حيث المصدر والغاية، فجميع العلوم من مصدر واحد وإن تعددت سبل الاستمداد منه؛ فهي نور الله سبحانه سواء جاءت من الوحي أو من العقل أو من الطبيعة التي هي كتاب الله الذي كتبه بيد قدرته، وجميع العلوم تهدف إلى معرفة الله معرفه تنزه عمن سواه، وتحدد علاقة الخالق بالمخلوق  سواء أكانت علوم أديان أم علوم أبدان، ومن يطلع على كنز العلوم يجد أنه تطبيقا صادقا لهذه الرؤية؛ فقد تناول علوم الشريعة وعلوم الطبيعة على مستوى الفلسفة الكلية التي تجعل منها علوما من طبيعة واحدة ومن حقل معرفي واحد، إلا أنه توسع في علم الطب فدخل في تفاصيل فنية كثيرة تتناول الأمراض وكيفية علاجها طبقا لمعارف عصره وتجاربه.
يقول ابن تومرت: "إن أصل العلم ومقصوده والمراد منه هو علم التوحيد الخالص، وهو معرفة الله عز وجل، وتمييز الخالق من المخلوق… أما البداية فهي العلم المشروع بالظاهر وهو علم الشريعة، وأما النهاية فهو العلم المشروع بالباطن وهو علم الحقيقة…. وهما متلازمان متفقان على الشريعة ظاهراً وباطنا؛ لأنه لابد لكل بداية من نهاية، ولكل ظاهر من باطن؛ كما لابد لكل حق من حقيقة… وماهيات العلم هي: العلم ثم المعرفة ثم المشاهدة، والعلم هو الشريعة، والمعرفة هي الحقيقة، والمشاهدة هي حقيقة الحقيقة"، ويطبق ابن تومرت هذه الثلاثية على علم الشريعة فيخلص إلى أن العلم هو الإسلام، والمعرفة هي الإيمان، والمشاهدة هي الإحسان.
أما علم الطبيعة فيرى ابن تومرت أنه الأكثر عمقا وغموضا، والأصعب في الوصول إلى جواهره، والذي يحتاج إلى جهابذة  العقول، فيقول: "اعلم، هداك الله، أن علم الطبيعة لما كان دالاً على معرفة الله وعظمته وقدرته وبديع حكمته، وكان أيضا دالا على استخراج العلوم الغامضة التي عَزُبت عن الجهَّال وعن أكثر العقَّال، ولم يعرفها إلا جهابذة العلم”. وهنا يصنف ابن تومرت العلوم الطبيعية إلى نوعين: الأول؛ لا فائدة منه، ولا يدعو للبحث فيه مثل علوم السحر والتنجيم، والثاني؛ علوم مفيدة مثل الطب والكيمياء والسيمياء، وتقويم الشمس والقمر.
رابعاً: الإنسان هو المعادل الموضوعي للكون
ويبني ابن تومرت رؤيته في وحدة العلوم وتكاملها، على نظرة خاصة للإنسان الذي هو محور كل هذه العلوم سواء من حيث الموضوع أو من حيث وظيفة العلم وغاياته ومقاصده، فجميع العلوم عند ابن تومرت تدور حول الخالق والمخلوق، والعلوم الطبيعية كلها تهدف لخدمة الإنسان وسعادته في الدارين، لذلك يركز في مقدمته للباب الرابع المعنون: في فضائل الآدمي ومعرفة الخالق من المخلوق من صورته، على الإنسان، فيقول: "دل الله بخلق آدم على علمه ومعرفته… فالجسد دال على الإشارة إلى جميع الخلائق بأسرها؛ من العرش إلى الفرش، ليس من ذلك شيء إلا في الإنسان نسبة مشيرة إلى معرفته… فهو عالم أصغر ونسبة مختصرة يجمع الموجودين؛ العلوي والسفلي، يقرأها أولو البصائر والألباب الراسخون في العلم".
ثم يفصل، بعد ذلك، مستخدما كل عضو من أعضاء الجسم لينسبه إلى واحد من خلق الله سبحانه، وكأنه يريد أن يؤكد بالمثل الحي أن الإنسان هو كون مصغر، ونسبة تتناسب مع الكون الأكبر.
خامساً: نظرية ابن تومرت في العلاقة بين العقل والوحي
للعقل عند ابن تومرت معنى خاص وموقع متفرد؛ قد لا نجده عند كثير من مفكري الإسلام، فالعقل عنده أول الخلق، وهو نور إلهي متصل بالخالق العليم الحكيم دائما، وهو أيضا مصدر مستقل للمعرفة بصورة دائمة، يكون إلهاما عند البشر العاديين، ويكون وحيا عند الأنبياء والمرسلين، وهو قادر، بحسب كونه من روح الله ونور علمه، على الوصول إلى معرفة الحقائق.
يقول ابن تومرت: "العقل نور إلهامي عاقل لجميع الأشياء؛ أي جامع لها… العقل رسولاً باطناً مؤيداً بغير واسطة من نبي مُرسل أو ملك مقرب؛ إلا روح الله الذي يلهم العقل… والعقل قد صار أيضا من جملة الرسل لتمييزه الحق من الباطل".
فالعقل، هنا، متصل بنور الله، سبحانه، بصورة دائمة لا تنقطع، وحسب قوة ذلك الاتصال وطبيعته، ومستوى النور الواصل إليه يكون الإلهام، ومن ثم تكون المعرفة؛ إلى الحد الذي يمكن أن يكون العقل في ذاته رسولاً، بمعنى معين للرسول هنا؛ وهو القدرة على تمييز الحق من الباطل.
ويبني ابن تومرت رؤيته في العقل على نظريته في الخلق، فهو يرى أن أول خلق الله كان نوراً، وهو نور العقل الكامل الذي تجسد في سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلىوسلمد          ، "… فأول ما خلق الله؛ نوراً من وجهه الكريم معتدلاً لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا حرارة ولا برودة، ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا ذكر ولا أنثى، بل جعله أصلاً وسبباً لجميع المخلوقات، وهيولاً جامعة لجميع الموجودات، أودعها الله فيه بقوله تعالى: "كن" فكان ذلك النور موجوداً بعد العدم، ثم كانت جميع الأشياء  مودعة فيه بالعلم، فهي موجودة فيه بالقوة، مستعدة للخروج إلى الفعل بتدبيره الكوني، وهذا هو نور العقل الكامل الذي هو نور النبي صلىوسلمو          ”، ويقول في موضع آخر: "وقد أجمع العلماء على أن أول شيء خلقه الله تعالى هو نور العقل، فقال له أقبل فأقبل… ثم قال له أدبر فأدبر… فبإقباله استمداده العلم من الله تعالى… وبإدباره إمداده الخلق بالعلم والمعرفة".
فالعقل عند ابن تومرت ما بين إقبال وإدبار؛ أي ما بين استمداد وإمداد، استمداد للمعرفة من الله، سبحانه وتعالى، وإمداد المعرفة للخلق؛ أي أنه واسطة المعرفة والعلم بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان وربه ونحن هنا بصدد رؤية جديدة للعقل تحتاج إلى مزيد تأمل وتدبر.
وتأسيسا على هذه الرؤية ينشئ ابن تومرت علاقة بين العقل والروح والنفس، فيرى أن العقل هو من يستمد العلم والمعرفة والإرادة من نور الله، ثم يبلغها للروح الساكنة في القلب التي تحرك البدن، والروح بدورها توجه النفس وتحركها، فتكون كل أفعال الإنسان مصدرها العقل وليس النفس أو الروح… "…العقل نور شريف منشؤه من نور العقل الكامل الأقدم الذي خلقه الله من نور وجهه الكريم… ومنه مصدر العلم والقدرة والإرادة الربانية، ومنه الواردة التي ترد على النبي، صلىوسلما          ، إلهاماً فيتحدث بها  فتكون وحياً في حقه، وإلهاما في حق غيره… العقل يشهد العلم والمعرفة والقدرة والإرادة الربانية عن روح الأمر؛ عن الله، عز وجل، ثم يبلغه إلى الروح التي جعلها الله ساكنة في القلب، وهي الروح الحيوانية المحركة للبدن…".
الخاتمة
 تناولنا في هذه الورقة جانبا تجاهله الدارسون لسيرة أبو عبدالله محمد بن تومرت، وتضمنته هذه المخطوطة التي لم تلق إلى الآن حقها من التحقيق والبحث والدراسة، كذلك لم يُدرس ابن تومرت في علاقته مع حجة الإسلام الغزالي الذي اعتبره تلميذه الأنجب كما ذكر في مقدمته لكتاب "سر العالمين وكشف ما في الدارين"، كذلك لابد من دراسة وتأصيل ذلك التيار الذي كان مشغولا بالتوفيق بين الشريعة والفلسفة، أو الشريعة والعقل، أو العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية، أو العلوم الإسلامية وعلوم الحضارات الأخرى…الخ.
وهنا نجد من الضروري دراسة جهود مدرسة إسلامية المعرفة، وإسهامات الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد المتعلقة بالجمع بين القراءتين التي نشرها في كتابه "العالمية الإسلامية الثانية: دراسة في جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" والذي صدر قبل تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقبل ظهور فكرة إسلامية المعرفة على يد مؤسسها الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في إحدى دراساته المنشورة في مجلة المسلم المعاصر قبل تأسيس المعهد أيضا، إن دراسة كل ذلك وربطها بأصولها في كتاب "فصوص الحكم" لابن عربي؛ سيؤسس لتراكم علمي حقيقي يقود إلى اكتشاف جانب أساسي من نظرية المعرفة عند المسلمين، ويضع أسس علوم متصالحة مع الكون والعالم والآخر، راسخة في أصولها التاريخية، وفي نفس الوقت قادرة على الإبحار نحو المستقبل..

د. نصر محمد عارف

رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة زايد/الإمارات العربية المتحدة

       هناك مقدمتان ضروريتان لابد من التعريج عليهما قبل الحديث عن نظرية المعرفة عند ابن تومرت: المقدمة الأولى؛ أنه لابد من التأكيد على أن نظرية المعرفة تُكتشف ولا تُخترع، وأنها نتاج حضاري يتحقق بتراكم الإنتاج المعرفي؛ الذي تم الوصول إليه باعتماد نفس المناهج، ومن نفس المصادر، وطبقا لنفس المعايير العلمية، ولذلك فإن الحديث عن نظرية معرفة إسلامية غلب الكثير من الخلط والارتباك؛ لأن البعض كان يظن أن هذه النظرية يمكن بناؤها انطلاقا من بعض آيات قرآنية وأحاديث نبوية؛ وكأنها حكم فقهي أو فتوى، غير مدركين أن نظرية المعرفة هي الإطار العام الذي تجمع عليه الجماعة العلمية، وتعتمده كمعيار لتحديد صدقية المعرفة التي تنتجها وصلاحيتها، وأن هذا الإطار العام يمثل التقاليد العلمية التي تحدد معنى العلم وصفته في كل عصر ومصر، وأن ذلك كله اجتهاد بشري، تصل إليه عقول العلماء من خلال تفاعلها مع مصادر الوحي ومع الواقع.

ولذلك فإن الوصول إلى نظرية للمعرفة في الحضارة الإسلامية يحتاج إلى جهود متراكمة تسعى لاكتشاف تلك النظرية عند المفكرين المسلمين الكبار، ومن خلال التوافق والتلاقي والمشتركات بينهم يمكن الوصول إلى نظرية معرفة عامة؛ قد تكون سادت في فترة زمنية معينة ثم تغيرت، ويمكن كذلك تحديد كيفية تغييرها، ومتى تم ذلك ومن قام به، وللأسف هذا الجهد لم يبدأ حتى الآن.

 والمقدمة الثانية؛ أنه على الرغم من ثراء التراث الإسلامي وتنوعه وتعدد إسهاماته؛ وعلى الرغم من أن هذا التراث محفوظ بدقة متناهية في مخطوطات محددة التاريخ والمؤلف والناسخ، وعلى الرغم من أن هذا التراث مسجل ومؤرخ له قرناً بقرن سواء في تاريخ الكتب مثل الفهرست لابن النديم، أو الطبقات أو أعلام القرون أو السير العامة مثل سير أعلام النبلاء..

 على الرغم كل ذلك، إلا إن المسلمين المحدثين تعاملوا مع كل هذا الثروة المعرفية الهائلة بالصدفة، وكان منهجهم الاعتماد على المتاح منها والمتيسر، وما تعود السابقون الرجوع إليه، بصورة جعلت من المحققين والناشرين سلطة معرفية تحدد مصادر التراث الإسلامي في أي موضوع، فما تم تحقيقه أو رجع إليه أحد بالصدفة ووضعه في قائمة مراجعه هو الموجود وغيره معدوم. 

تراثنا لا نعرف منه إلا 20 بالمائة على الأكثر، فهناك عشرون مليون مخطوطة، حصر مكتاباتها الباحث العراقي كوركيس عوَّاد، رحمة الله عليه، في 3218 مكتبة حول العالم؛ بخلاف الخزائن الشخصية، فيها عشرون مليون مخطوطة، الكثير منها مكرر، يرى الباحثون أنها لا تتجاور مليون عنوان؛ لم يحقق منها أكثر من 200 ألف كتاب، ويكفي أن نعرف أنني شخصيا حصرت التراث السياسي الإسلامي واكتشفت أن المعاصرين جميعا لم يطلعوا إلا على 18 بالمائة  مما وصلت إليه، وبالتأكيد لم أصل إلى كل شيء، ووجدت أيضا أن هناك ثلاثة من كبار الباحثين أعدوا أطروحات الدكتوراه في الفكر السياسي للماوردي، ولم يطلع أيا منهم على جميع مؤلفات الماوردي السياسية.  

وأبو عبدالله محمد بن تومرت (1080-1128م) دارت عليه سنة الماوردي، فقد أعد أحد كبار الباحثين والأساتذة المعاصرين  أطروحته للدكتوراه، وللأسف لم تتاح له الفرصة للاطلاع على هذه المخطوطة الفارقة في دراسة فكر مؤسس دولة الموحدين، وأظن أنها فارقة أيضا في فهم نظرية المعرفة عند المسلمين، فما جاء في هذه المخطوطة نفس الفكر الذي قامت عليه مدرسة تجديدية معاصرة هي مدرسة إسلامية المعرفة، بصورة تكاد تكون حرفية من حيث تطابق الأفكار والمفاهيم وحتى الألفاظ. 

وقد قاد هذا الغياب لهذا المصدر المحوري في فكر ابن تومرت أن تم تقديم فهمه للعلم والمعرفة والمنهج،  في دراسة الدكتور عبدالمجيد النجار، بصورة باهتة لا تميز لها، ولا خصوصية فيها، فخلص الدكتور النجار إلى أن فكر ابن تومرت المعرفي لا يخرج عن المتوسط العام لفكر عامة المفكرين المسلمين حسب مدارسهم الاعتقادية وانحيازاتهم الفقهية والسلوكية، فكان ابن تومرت واحدا من جمهور كبير، وليس فردا متميزا ومجددا في عصره وعصور تلت.

تقع هذه المخطوطة في خمسة أبواب ومقدمة، والباب الخامس ينقسم بدوره إلى خمسة فصول، وهذه الأبواب والفصول هي: 1. علم الشريعة والحقيقة، 2. في أصل علم الطبائع والمخلوقات من البداية إلى النهاية، 3. في معرفة العقل والروح والنفس، 4. في فضائل الآدمي ومعرفة الخالق من الخلائق في صورته، 5. في استخراج العلوم الغامضة من الطبيعة، وينقسم إلى خمسة فصول تتناول علوم: الطب، والكيمياء، والسيمياء، وتقويم الشمس والقمر، والفأل والزجر.

ولفهم نظرية المعرفة عند ابن تومرت فهما أوليا نتناول القضايا الآتية:

أولا: نظرية الخلق تحدد نظرية المعرفة

يقدم ابن تومرت رؤية للخلق تنطلق من أن النور هو أول خلق الله، سبحانه وتعالى، وهذا النور ظل دهورا ماكثا في مقام القرب، لم يكن معه من خلق الله "إلا روح الأمر الذي هو أصل لجميع الأرواح؛ ومنه مصدرها واليه يؤول أمرها"، ولما أراد، سبحانه وتعالى، خروج المخلوقات "قال للنور "كن" فانفلق نصفين: أعلى وأسفل، فصار إلى طرفين ووسط".

ويفصل ابن تومرت في الطرفين والوسط، حيث يري أن الوسط هو أصل الاعتدال الكوني، وهو علة العلل المعتدلات في جميع المخلوقات، وأما الأعلى فهو النور الحار الحركي الذي منه تستمد الحركة الكونية، وأما الزسفل فهو الظلمة الباردة الساكنة.

ويؤسس ابن تومرت على هذه الفكرة كل الثنائيات في الكون من جنة ونار، وحار وبارد، وحركة وسكون، وقلم ولوح، ثم بعد ذلك يولد من هذه النظرية كل الرباعيات التي وردت في فكر الإغريق والصينيين مثل الأسقسات الأربعة، والسوائل الأربعة، والطبائع الأربعةجميعها يتولد من الأعلى والأسفل، من الحار والبارد، من النور والظلام من خلال عملية ضرب وتركيب ومزج متتالية، وعليها يبني كل ما سوف يرد في كتابه عن العلوم الطبيعية.

ثانيا: مصادر المعرفة: الجمع بين القراءتين

تتجسد رؤية ابن تومرت في الجمع بين قراءة كتاب الله المنثور الكون، مع قراءة كتاب الله المسطور في القرآن الكريم من عنوان كتابه الذي جمع حقائق علم الشريعة ودقائق علم الطبيعة، وقد كان حاذقا في التفرقة بين "حقائق" و"دقائق"؛ لأن الشريعة جاءت بحقائق ثابتة، أما الطبيعة فيحكمها قانون "الواقع ونفس الأمر" حيث الواقع ما تدركه الحواس من الطبيعة، ونفس الأمر هو حقيقة الظاهرة الطبيعية في ذاتها التي تتنوع بتنوع وسائل الإدراك وتمددها وتعمقها، ومن ثم ليست هناك حقائق نهائية في كل ما يتعلق بالطبيعة لأن علومها مفتوحة ومتمددة ومتغيرة.

وفي مقدمة كتابه يوضح ابن تومرت، بجلاء لا يحتمل اللبس أو التأويل، العلاقة بين الوحي والكون، وبين الشريعة والطبيعة؛ فيقول: "جميع العلوم النافعة مندرجة تحت علم الشريعة وعلم الطبيعةأما علم الشريعة فهو علم الدين القيم؛ الشافي من داء معصية الملك العلَّام، وهو مندوب إليه شرعاًوأما علم الطبيعة فهو علم الحكمة التي كتبها الله بيد قدرته، وأبدع فيه مخترعات صنعته، ليدل بذلك على حقيقة معرفته”.

الشريعة والطبيعة، عند ابن تومرت، علمان من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى، ولغاية واحدة هي معرفة الله سبحانه وتعالى، ولكل واحد منهما طبيعته ومنهجه، وهذا ما يفصل فيه مجمل الكتاب، فكنز العلوم هو كتاب في الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراء الكون، هذه الفكرة المركزية مبثوثة في كل جزئية وفي كل موضوع من موضوعاته.

ثالثا: وحدة العلوم وتكاملها رغم تنوع واختلاف موضوعاتها

تقوم رؤية ابن تومرت على الوحدة والتكامل بين العلوم من حيث المصدر والغاية، فجميع العلوم من مصدر واحد وإن تعددت سبل الاستمداد منه؛ فهي نور الله سبحانه سواء جاءت من الوحي أو من العقل أو من الطبيعة التي هي كتاب الله الذي كتبه بيد قدرته، وجميع العلوم تهدف إلى معرفة الله معرفه تنزه عمن سواه، وتحدد علاقة الخالق بالمخلوق  سواء أكانت علوم أديان أم علوم أبدان، ومن يطلع على كنز العلوم يجد أنه تطبيقا صادقا لهذه الرؤية؛ فقد تناول علوم الشريعة وعلوم الطبيعة على مستوى الفلسفة الكلية التي تجعل منها علوما من طبيعة واحدة ومن حقل معرفي واحد، إلا أنه توسع في علم الطب فدخل في تفاصيل فنية كثيرة تتناول الأمراض وكيفية علاجها طبقا لمعارف عصره وتجاربه.

يقول ابن تومرت: "إن أصل العلم ومقصوده والمراد منه هو علم التوحيد الخالص، وهو معرفة الله عز وجل، وتمييز الخالق من المخلوقأما البداية فهي العلم المشروع بالظاهر وهو علم الشريعة، وأما النهاية فهو العلم المشروع بالباطن وهو علم الحقيقة…. وهما متلازمان متفقان على الشريعة ظاهراً وباطنا؛ لأنه لابد لكل بداية من نهاية، ولكل ظاهر من باطن؛ كما لابد لكل حق من حقيقةوماهيات العلم هي: العلم ثم المعرفة ثم المشاهدة، والعلم هو الشريعة، والمعرفة هي الحقيقة، والمشاهدة هي حقيقة الحقيقةويطبق ابن تومرت هذه الثلاثية على علم الشريعة فيخلص إلى أن العلم هو الإسلام، والمعرفة هي الإيمان، والمشاهدة هي الإحسان.

أما علم الطبيعة فيرى ابن تومرت أنه الأكثر عمقا وغموضا، والأصعب في الوصول إلى جواهره، والذي يحتاج إلى جهابذة  العقول، فيقول: "اعلم، هداك الله، أن علم الطبيعة لما كان دالاً على معرفة الله وعظمته وقدرته وبديع حكمته، وكان أيضا دالا على استخراج العلوم الغامضة التي عَزُبت عن الجهَّال وعن أكثر العقَّال، ولم يعرفها إلا جهابذة العلم”. وهنا يصنف ابن تومرت العلوم الطبيعية إلى نوعين: الأول؛ لا فائدة منه، ولا يدعو للبحث فيه مثل علوم السحر والتنجيم، والثاني؛ علوم مفيدة مثل الطب والكيمياء والسيمياء، وتقويم الشمس والقمر.

رابعاً: الإنسان هو المعادل الموضوعي للكون

ويبني ابن تومرت رؤيته في وحدة العلوم وتكاملها، على نظرة خاصة للإنسان الذي هو محور كل هذه العلوم سواء من حيث الموضوع أو من حيث وظيفة العلم وغاياته ومقاصده، فجميع العلوم عند ابن تومرت تدور حول الخالق والمخلوق، والعلوم الطبيعية كلها تهدف لخدمة الإنسان وسعادته في الدارين، لذلك يركز في مقدمته للباب الرابع المعنون: في فضائل الآدمي ومعرفة الخالق من المخلوق من صورته، على الإنسان، فيقول: "دل الله بخلق آدم على علمه ومعرفتهفالجسد دال على الإشارة إلى جميع الخلائق بأسرها؛ من العرش إلى الفرش، ليس من ذلك شيء إلا في الإنسان نسبة مشيرة إلى معرفتهفهو عالم أصغر ونسبة مختصرة يجمع الموجودين؛ العلوي والسفلي، يقرأها أولو البصائر والألباب الراسخون في العلم".

ثم يفصل، بعد ذلك، مستخدما كل عضو من أعضاء الجسم لينسبه إلى واحد من خلق الله سبحانه، وكأنه يريد أن يؤكد بالمثل الحي أن الإنسان هو كون مصغر، ونسبة تتناسب مع الكون الأكبر.

خامساً: نظرية ابن تومرت في العلاقة بين العقل والوحي

للعقل عند ابن تومرت معنى خاص وموقع متفرد؛ قد لا نجده عند كثير من مفكري الإسلام، فالعقل عنده أول الخلق، وهو نور إلهي متصل بالخالق العليم الحكيم دائما، وهو أيضا مصدر مستقل للمعرفة بصورة دائمة، يكون إلهاما عند البشر العاديين، ويكون وحيا عند الأنبياء والمرسلين، وهو قادر، بحسب كونه من روح الله ونور علمه، على الوصول إلى معرفة الحقائق.

يقول ابن تومرت: "العقل نور إلهامي عاقل لجميع الأشياء؛ أي جامع لهاالعقل رسولاً باطناً مؤيداً بغير واسطة من نبي مُرسل أو ملك مقرب؛ إلا روح الله الذي يلهم العقلوالعقل قد صار أيضا من جملة الرسل لتمييزه الحق من الباطل".

فالعقل، هنا، متصل بنور الله، سبحانه، بصورة دائمة لا تنقطع، وحسب قوة ذلك الاتصال وطبيعته، ومستوى النور الواصل إليه يكون الإلهام، ومن ثم تكون المعرفة؛ إلى الحد الذي يمكن أن يكون العقل في ذاته رسولاً، بمعنى معين للرسول هنا؛ وهو القدرة على تمييز الحق من الباطل.

ويبني ابن تومرت رؤيته في العقل على نظريته في الخلق، فهو يرى أن أول خلق الله كان نوراً، وهو نور العقل الكامل الذي تجسد في سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، "… فأول ما خلق الله؛ نوراً من وجهه الكريم معتدلاً لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا حرارة ولا برودة، ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا ذكر ولا أنثى، بل جعله أصلاً وسبباً لجميع المخلوقات، وهيولاً جامعة لجميع الموجودات، أودعها الله فيه بقوله تعالى: "كن" فكان ذلك النور موجوداً بعد العدم، ثم كانت جميع الأشياء  مودعة فيه بالعلم، فهي موجودة فيه بالقوة، مستعدة للخروج إلى الفعل بتدبيره الكوني، وهذا هو نور العقل الكامل الذي هو نور النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول في موضع آخر: "وقد أجمع العلماء على أن أول شيء خلقه الله تعالى هو نور العقل، فقال له أقبل فأقبلثم قال له أدبر فأدبرفبإقباله استمداده العلم من الله تعالىوبإدباره إمداده الخلق بالعلم والمعرفة".

فالعقل عند ابن تومرت ما بين إقبال وإدبار؛ أي ما بين استمداد وإمداد، استمداد للمعرفة من الله، سبحانه وتعالى، وإمداد المعرفة للخلق؛ أي أنه واسطة المعرفة والعلم بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان وربه ونحن هنا بصدد رؤية جديدة للعقل تحتاج إلى مزيد تأمل وتدبر.

وتأسيسا على هذه الرؤية ينشئ ابن تومرت علاقة بين العقل والروح والنفس، فيرى أن العقل هو من يستمد العلم والمعرفة والإرادة من نور الله، ثم يبلغها للروح الساكنة في القلب التي تحرك البدن، والروح بدورها توجه النفس وتحركها، فتكون كل أفعال الإنسان مصدرها العقل وليس النفس أو الروح… "…العقل نور شريف منشؤه من نور العقل الكامل الأقدم الذي خلقه الله من نور وجهه الكريمومنه مصدر العلم والقدرة والإرادة الربانية، ومنه الواردة التي ترد على النبي، صلى الله عليه وسلم، إلهاماً فيتحدث بها  فتكون وحياً في حقه، وإلهاما في حق غيرهالعقل يشهد العلم والمعرفة والقدرة والإرادة الربانية عن روح الأمر؛ عن الله، عز وجل، ثم يبلغه إلى الروح التي جعلها الله ساكنة في القلب، وهي الروح الحيوانية المحركة للبدن…".

الخاتمة

 تناولنا في هذه الورقة جانبا تجاهله الدارسون لسيرة أبو عبدالله محمد بن تومرت، وتضمنته هذه المخطوطة التي لم تلق إلى الآن حقها من التحقيق والبحث والدراسة، كذلك لم يُدرس ابن تومرت في علاقته مع حجة الإسلام الغزالي الذي اعتبره تلميذه الأنجب كما ذكر في مقدمته لكتاب "سر العالمين وكشف ما في الدارين"، كذلك لابد من دراسة وتأصيل ذلك التيار الذي كان مشغولا بالتوفيق بين الشريعة والفلسفة، أو الشريعة والعقل، أو العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية، أو العلوم الإسلامية وعلوم الحضارات الأخرىالخ.

 

وهنا نجد من الضروري دراسة جهود مدرسة إسلامية المعرفة، وإسهامات الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد المتعلقة بالجمع بين القراءتين التي نشرها في كتابه "العالمية الإسلامية الثانية: دراسة في جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" والذي صدر قبل تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقبل ظهور فكرة إسلامية المعرفة على يد مؤسسها الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في إحدى دراساته المنشورة في مجلة المسلم المعاصر قبل تأسيس المعهد أيضا، إن دراسة كل ذلك وربطها بأصولها في كتاب "فصوص الحكم" لابن عربي؛ سيؤسس لتراكم علمي حقيقي يقود إلى اكتشاف جانب أساسي من نظرية المعرفة عند المسلمين، ويضع أسس علوم متصالحة مع الكون والعالم والآخر، راسخة في أصولها التاريخية، وفي نفس الوقت قادرة على الإبحار نحو المستقبل..



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

السلفية و"السلفيات" الأخرى

السلفية و"السلفيات" الأخرى

في رسالة دعوة للمشاركة في ندوة موضوعها السلفية (مفهوماً ومراحل وتحولات)، وردت الفقرة التالية: "تعلمون أن السلفية تحولت من مفهوم في العقيدة الإسلامية والفقه إلى إيديولوجيا سياسية عالمية ودخلت كمصطلح في معجم السياسة الدولية باعتبارها حركة سياسية لها منتمون إليها ومدافعون عنها، يبرزون إيجابياتها ومنهجها المعتدل...

قواعد الاستنباط الأصولية والاختلاف

قواعد الاستنباط الأصولية والاختلاف

لقد توصل علماء الأصول من خلال استقراء نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إلى إدراك مدلولات ألفاظها ضمن قواعد أصولية استنباطية، مما كان له أثر كبير في تيسير سبل الدلالة على المعنى المراد في مثل هذه الأحوال.

ضوابط المنهج المقاصدي

ضوابط المنهج المقاصدي

إن المنهج المقاصدي مصطلح معاصر يقصد به: "العمل بمقاصد الشريعة، والالتفات إليها، والاعتداد بها في عملية الاجتهاد الفقهي" والحديث عن المقاصد ومدارستها ليس بدعة جديدة معاصرة تستدعي التشنيع أو الإنكار كما يزعم البعض، فالعمل بالمقاصد منهج شرعي قديم وقع تطبيقه في العصر النبوي وعصور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب...