8 ذو الحجة 1439 / 20 غشت 2018
من أرشيف الإحياء

من أعلام التصوف المغربي أبو عبد الله الشطيبي (ت 963ﮪ)
من أعلام التصوف المغربي
أبو عبد الله الشطيبي (ت 963ﮪ)

د. محمد بوطربوش 

(العدد 15)

 

لم تسعفنا كتب التراجم بأخبار شافية ومفصلة عن شخصية الشطيبي، الذي انتهت إليه زعامة العلم وريادة التصنيف، رغم أنه كان قبلة أنظار الأساتذة والطلبة، تقرب إليه الحكام فرفض، وأسندت له المناصب فأبى، حببت له نفسه التأليف في مختلف فنون المعرفة، وذاع صدى كتبه، وانتشر خبره في الآفاق، فكان من الإنصاف أن يكون لهذا العالم الفذ والصوفي المتبحر تاريخ حافل بالأخبار، يحكي تفاصيل حياته ودقائق طفولته وشبابه، لكن انزواءه وبعده عن العامة، وتفضيله الفلاحة والتدريس وهروبه من السياسة والسلطان، جعل معاصريه يطمرون حياته ويطمسون أخباره، ولولا كثرة مؤلفاته التي تقف شاهدة عليه لعفا الزمان عن ذكره ولأصبح نسيا منسيا. 

اسمه: أجمع كل من ترجم له أن كنيته أبو عبد الله، وأن اسمه: محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن حيون الصقلي الأندلسي البرجي الشهير بالحاج الشطيبي، وشذ منهم الحضيكي في مناقبه فسمى أباه أحمدا، وهو الاسم الذي اختاره بن عسكر والتمنارتي اسما لجده، في حين انفرد ابن سودة في دليله بتسمية جده عطية. 

واستبعد البشير الفاسي تسمية الشطيبي بالصقلي وانتماءه إلى الشرفاء الصقليين الفاسيين، فهذا على حد قوله: لم يقل به أحد، وأما عن شهرته بالشطيبي- بالتصغير - في أكثر الكتب، ونعته تارة أخرى بالشاطبي، فلا نعلم سبب هذه التسمية، وربما ترجع إلى انتماء أحد أفراد أسرته إلى شاطبة، وهذا غير بعيد مادام مترجمنا أندلسي الأصل. 

استقراره: استقر الشطيبي أول الأمر بجبل ودكة أعلى قمم قبيلة بني زروال، وهو مرتفع شامخ يعلو عن سطح البحر بنحو ثمانمائة متر، تكسوه الغابات الكثيفة وتنبه منه عيون دافقة متعددة، يقع شمال بني زروال، ألف فيه شيخنا الكثير من كتبه، والغريب في الأمر أن جميع من ترجم للشطيبي أغفل هذا المكان الذي يفتخر به الشطيبي أيما افتخار. 

وكان استقرار الشطيبي الأخير بتزغدرة، وهو مدشر جبلي ببني إبراهيم في قبيلة بني زروال المعروفة بغزارة عيونها وعذوبة مائها، وكثرة الصلحاء والأضرحة بها، عاش فيها الشطيبي آخر حياته وبها توفي، وتقع قبيلة بني زروال جنوب غمارة في مرتفعات منحدرة وسهول ضيقة تمتد حتى نهر ورغة، تكسوها أشجار الزيتون وكروم العنب. 

وترجع أهمية القبيلة إلى قربها من مدينة فاس مما ازدهرت التجارة بها وتخرج عدد كبير من أبنائها من القرويين، وكانت الأسر الحاكمة بالمغرب تخصها بالرعاية والاهتمام وتعين لها قضاة وعمالا يسهرون على شؤونها، وانتشر حفظ القرآن الكريم في المساجد، ونشطت الحركة العلمية في المداشر والأضرحة المتعددة نظرا لاتساع رقعة القبيلة، وبرز أعلام عملوا على بث الروح الدينية في الأوساط الشعبية، وانكبوا على التأليف والتدريس، والتزم السكان بالعقيدة الإسلامية الصحيحة إلى درجة أن الحد كان يقام في أواخر القرن الماضي على الزانية والزاني في هذه القبيلة. 

معاشه: قسم الشطيبي وقته بين العلم والعمل، فكانت أيامه دائما بين فلح الأرض والصيد والنساخة لضمان معاشه، وبين التأليف والتعليم لاستمرار طموحه الفكري، فكان يبتعد عن مال الأوقاف كشيخ شيخه أحمد زروق (ت 899ﮪ)، وكان (زاهدا في الدنيا وأهلها، ومنقطعا في أكثر أوقاته عن الناس، وجه إليه السلطان غير ما مرة في شأن الحضور عنده فلم يجبه إلى ذلك، ويقول أنا مسكين لا حاجة له بي. 

وكانت أوقاته كما يقول هو عن نفسه ما بين تأليف ونسخ وعمل في البستان والقيام بشؤون المسجد من تدريس وإمامة وخطابة ووعظ، ومما ذكره في هذا الصدد أنه انتسخ كتاب نزهة الناظرين وتحفة القاصرين في شرح منازل السائرين لأبي عبد الله المقدسي مع المقابلة على كثير من نسخه، وكتابة التعاليق عليه... في مدة اثنين وأربعين يوما مع شغل الدار والقيام بضروراته، وكلفة المسجد ولازماته واليد الواحدة في خدمة الغيلولة ولقط الفاكهة، وعمل البحائر للخضرة إلى غير ذلك... 

ويرجع سبب اعتماده على نفسه وبذل المجهود الجسمي في الأعمال الفلاحية والعناء الكبير في وظائف الإمامة والتدريس في مسجد تزغدرة نهارا، والانكباب على النساخة والتأليف ليلا، وكذا عزوفه عن الجاه والسلطان إلى فساد الزمان وتفشي الحرام، حسب رأيه، وتغافل العلماء وسكوتهم عن الحق، وهذا ما نلمسه في قصيدته التي يقول فيها: 

 

فسد الزمان فأين أين المهرب             وفشا الحرام فأي رزق يطلب

وتعامت العلماء عن شبهاتها         وتراخصت فليعجب المتعجب

فمن الذي نرضاه قدوة ديننا                 ومن الذي بالحق راح يودب

والعالمون قد ارتضوا دنياهم          عن دينهم فهم إليها ينسب

أقوالهم ينهون عن أسبابها                   وقلوبهم بالفكر فيها تنهب

فلذاك صار العالمون أذلة                  عند الملوك مخافة أن يسلبوا

فالعلم لا نور له يلقى ولا                ضوء به يجلي لدينا الغيهب

فكأنهم لم يقرأوا في كتبهم                 رأس الكبائر حب دنيا يغلب

ذهب الذين تورعوا وتزهدوا             وأتى على الدنيا أناس يكلب

يا حسرتي للدين ضاع وأهله               وأتى أناس عن هداهم يحجب

فالله يجبر وقتنا في عصرنا                 ويقيله من عثرة لا تذهب

مناظرته: كان الشطيبي كثير الرؤى، يشاهد النبي، صلى الله عليه وسلم، دائما في المنام واليقظة كعادة أقطاب المتصوفة، وبكثرة مشاهدته قال: (من زعم أن محمد، صلى الله عليه وسلم، مات فقد كفر). 

هذا الكلام أحدث انقلابا فكريا في صفوف الفقهاء، فبادروا عليه بالإنكار ووجدوا الفرصة سانحة للقدح في شخصيته، وكان أكثرهم احتجاجا أبو حفص عمر بن عيسى العلمي (ت 956ﮪ) الذي كان يردد: "من زعم أن محمدا لم يمت فقد كفر". 

وقد حاول الشطيبي تبرير موقفه وتأييد نظريته بتأويل معنى الموت الذي يقصده، وبما رآه منصوصا عند رحلته للحجاز قائلا: "هذا قلته على قدر فهمي؛ وقفت عليه منصوصا بخزانة جامع دمشق على أني لم أرد به الموت المعبر عنه بالمفارقة"، ولما كثر إلحاحا العلمي وإنكاره سكت عنه الشطيبي ولم يجبه بشيء، وبعدها ألف كتابا في تفسير الرؤيا. 

شهادة العلماء فيه: قال فيه ابن عسكر: الشيخ الرحال الحائز لأوصاف الكمال، العالم المتفنن ولي الله تعالى، وقال التمنارتي في الفوائد: الشيخ الصالح الصوفي....غالب معاشه من الصيد. 

وقال المهدي الفاسي في التحفة: الشيخ العالم الولي ذو التآليف الغزيرة المفيدة، الحاج الأبر، وقال الكتاني في السلوة: والشطيبي هذا كان واسع العلم والمعرفة شهير الذكر، وجاء في مناقب الحضيكي: كان رضي الله عنه متفننا في العلوم وليا عارفا ورعا زاهدا عالما عاملا، أما ابن القاضي في لقط الفوائد فيقول في شأنه: الشيخ الصوفي الجماعة، وقال الفاسي الفهري: العالم العلامة الصوفي المتبحر الرحالة صاحب التآليف... كان من أكابر العلماء ومن صالحي الأمة، له مقام عظيم في المعرفة وعلم تام بالعلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وتاريخ وأدب. 

رحلته: دخلت رحلة الشطيبي كذلك في دائرة الإهمال التاريخي حيث إنه لا نعلم بالضبط تاريخ ومكان رحلاته، فالمصادر التي ترجمت له نعتته بصاحب الرحلات الطويلة، يقول بن عسكر رحل إلى بلاد المشرق وأقام يجول سائحا في نواحيها أعواما كثيرة، ولقي بها مشايخ عديدة. وانطلاقا من بعض المعطيات، يمكننا تعيين أهم المناطق والبلدان التي زارها الشطيبي والتي كانت هدف رحلته؛ فقد زار الجزائر واستقر بها لأخذ السند الصوفي عن شيخه الراشدي (ت 927ﮪ)، ولا يستبعد أن يكون حط الرحال بالقاهرة خاصة وأن الأزهر الشريف في ذلك الوقت قد بعد صيته واكتظ بالعلماء من كل مكان، وازدحم الزوار في أروقة المسجد للطعام والمأوى، ومعلوم أن رواق المغاربة كان الأكثر عددا، كما أن زاوية الإمام الشعراني (ت 907ﮪ) في القرن العاشر الهجري كانت تنافس وبشكل كبير الأزهر، حيث كانت الزاوية عبارة عن رباط للعباد ومدرسة للعلم والتعليم. 

وقد استقطب الحجاز الرحالة من جميع الأصقاع وخاصة المغاربة منهم لأنه موطن الوحي ومنزل الرسالة، كما أن الطرق الكبرى المؤدية على الحرم الشريف كانت ملتقى العلم والعلماء،صنفت فيها الكتب ونظمت القصائد، وحصل الطلاب على إجازات عالية وهم في الطريق. 

ومعروف أن الشطيبي حج إلى بيت الله الحرام واستقر بالروضة الشريفة، ولقبه الحاج يدل أنه حج أكثر من مرة، وعلمنا أيضا زيارته لدمشق من خلال مناظرته مع العلمي، وعند عودته من رحلته الطويلة زار مقر ضريح شيخ شيخه أحمد زروق بمصراتة في ليبيا، ومكث فيها ثلاث سنوات حتى تراءى له الشيخ في المنام وأمره بالانصراف إلى المغرب. 

تصوفه: يعد أبو عبد الله الشطيبي في صدر الطبقة الأولى الذين انتسبوا إلى الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الذي تتلمذ بدوره على أحمد زروق، لكن العلاقة التي كانت تربط بين الشطيبي والراشدي لم تكن تتعدى فقط أخذ السند الصوفي الزروقي، حيث تأثر مترجمنا بزروق في جميع أقواله وأفعاله، ونقل عنه كثيرا في جل كتبه، واقتدى به في منهجية التصنيف والتأليف. 

فعند عودته من رحلته الطويلة من المشرق، نجده يستقر في مصراتة ثلاث سنوات حتى أذنه زروق بالانصراف؛ ويحكي الشطيبي ذلك قائلا: "لما قدمت من المشرق وأعملت الجوار على ضريح الشيخ الولي العالم... أبي العباس أحمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق وآليت على نفسي أن لا ننصرف إلا بإذن من الله... فأقمت عليه مدة من ثلاثة أعوام والشيخ يتراءى لي في النوم ويأمرني بالانصراف إلى المغرب وإلا فتسلب، فقلت نعم، فلما أردت الانصراف إلى المغرب قال لي يأخذنا وحشك يا محمد. 

وكانت مصراتة في ذلك الوقت مجمع العلماء وأهل التصوف من جميع أصقاع العالم الإسلامي، وكانت قبلة المريدين والزوار، فلا شك أن مكوث الشطيبي بمصراتة خلال المدة المذكورة قد عكف على دراسة الطريقة الزروقية في مصادرها الأصلية والتقى بأقطابها واستفاد منهم، وخاصة الطبقة الأولى من المستقرين بالضريح أو من المترددين عليه. 

ويعود الشطيبي إلى المغرب بعدما ألم بالطريقة الزروقية، وتعمق في أصولها وجالس أقطابها، فأصبح يسير على نهجها ويعمل على نشرها، وظل وفيا لها حتى وفاته، بحيث إنه لم يؤسس طريقة متفرعة عنه كما فعل أقرانه. 

ويمكننا تعليل قلة أتباع زروق أنه كان لا يبالي بجمع الناس حوله وإبهارهم بالخوارق والكرامات كما يفعل المتصوفة الآخرون، بل على العكس من ذلك كان ينتقد التصرفات غير اللائقة لأهل التصوف في عصره، فالفكر الصوفي الزروقي كان في أعلى مستواه علما وصفاء لم تعتره الشوائب، لذا كان مقصورا على الخاصة وفي حدوده الضيقة على الطبقة الأولى من أتباعه، لذا نجد الشطيبي وهو الوفي لشيخ شيخه أحمد زروق يسير حذوه في طريقته المتمثلة في الدفاع عن الطريقة الشاذلية في أغلب كتبه ويضمنها الأصول والتعاليم الخمس التي ترتكز عليها وهي: 

ـ تقوى الله في السر والعلانية. 

ـ اتباع السنة في القول والعمل. 

ـ الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار. 

ـ الرضا عن الله في القليل والكثير. 

ـ الرجوع إلى الله تعالى في السراء والضراء. 

إضافة إلى هذه التعاليم، فإن الشطيبي سار على الطريقة القادرية المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني (ت 561 ﮪ) الذي نوه بكراماته وفضائله في أغلب كتبه، وتتلخص مبادؤه في خمسة أمور أيضا وهي: 

ـ علو الهمة. 

ـ حفظ الحرمة. 

ـ حسن الخدمة.

ـ نفوذ العزمة. 

ـ تعظيم النعمة. 

نستخلص أن للشطيبي طريقتان صوفيتان كما كانت لشيخه زروق، الأولى تتمثل في سنده في الشاذلية وهو ما يسمى بطريق الأقطاب، والسند الثاني في القادرية وهو المعروف بطريق الخرقة، وقد سار الشطيبي سير زروق واقتدى به في السلوك حيث فضل حياة الزهد والانزواء في الجبل مما جعل مترجميه يفقدون خيوط حياته؛ ولعله تذكر النصيحة التي كتبها الحضرمي (ت 859 ﮪ) لأحمد زروق بعد أن ودعه قائلا: 

عِشْ خَامِلَ الذِّكْرِ بَيْنَ النَّاسِ وَارْضَ بِهِ         فَذَاكَ أَسْلَمُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّيـــنِ

           مَنْ خَالَطَ النَّاسَ لَمْ تَسْلَمْ دِيَانَتُـــهُ         وَلَمْ يَزَلْْ بَينَ تَحْرِيكٍ وَتَسْكِينِ

شيوخه وتلاميذه: لم تذكر المصادر شيوخ العلم الذين أخذ عنهم الشطيبي سواء بالمغرب أو في غيره من البلاد الإسلامية التي طاف بها سنوات عديدة، وإنما اكتفت بذكر شيخ واحد له وهو أحمد بن يوسف الملياني الراشدي الذي أخذ عنه الشطيبي السند الصوفي باعتباره من الطبقة الأولى الذين صحبوا أحمد زروق. 

والراشدي هو الذي تنسب إلى الطائفة الضالة المعروفة بالعكاكزة أو اليوسفية، والتي ذاع صيتها على يد أحد أتباعه وهو أحمد بن عبد الله المنزولي، وكان شيخ الشطيبي (جليل القدر كبير الشأن من أكابر مشايخ الصوفية، فتح الله عليه في علوم أسماء الله تعالى وتصريفها، وكان عارفا بالله تعالى... وكانت عجائب الكرامات وأنواع الانفعالات تظهر على يده، فبعد صيته وكثر أتباعه، فتوغلوا في محبته وأفرطوا فيها حتى ربما نسبه بعضهم إلى النبوة 

تلاميذه: لا شك أن مثل شخصية الشطيبي العلمية وتصدره للإمامة والتدريس تجعل منه قبلة المتعطشين للعلم والمعرفة، ومن المحتمل أيضا أن يكثر الآخذون عليه خصوصا وأن مدرسته كانت قائمة في زمن الصراعات السياسية والنكبات الاجتماعية والبيئية، ومن أبرز تلاميذه: 

ـ أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي، آخر المحدثين بالمغرب، توفي عام 991ﮪ. 

ـ أبو عبد الله محمد بن أبي زيد عبد الرحمن الزروالي المعروف بابن الفقيرة، توفي عام 1045ﮪ. 

ـ عبد الله بن سعيد المناني الحاحي، عالم صوفي كبير، توفي عام 1012ﮪ. 

مؤلفاته: أول ما يلفت النظر في مؤلفات الشطيبي أنها ما زالت مخطوطة ومركونة في رفوف الخزائن العامة والخاصة، والسمة الغالبة في كتبه تتمثل في التلخيص والتقريب، وولوع صاحبها بالقصص وخاصة حكايات الزهاد ومناقبهم، والشطيبي التزم بحق وإلى حد كبير بما ذكره في خطب كتبه، وسار على منهج واحد هو تلخيص آراء السابقين وتقديمها على أحسن وجوه الترتيب والتبويب، جاعلا لأولئك فضل السبق والتفوق، وللمتأخرين ميزة الانتقاء والاختيار، وهذه عناوين كتبه وأماكن وجودها: 

1. اللباب في مشكلات الكتاب: ألفه الشطيبي عام 958ﮪ، وهو تفسير للقرآن الكريم سلك فيه مؤلفه تأويل الآيات المشكلة والمبهمة معتمدا على آراء النحاة واللغويين، آخذا من المفسرين والمناطقة والمتصوفة وغيرهم. 

2. اللباب المختصر لأهل العبادات والنظر: هو مختصر الكتاب سابق الذكر مع زيادات عليه، ذكره بروكلمان في ملحقه، ألفه الشطيبي عام 940ﮪ أي قبل اللباب باثنتي عشرة سنة، وقد ورد اللباب المختصر في فهرس بعض الخزائن بعناوين أخرى وهي: كتاب الفن المختصر لأهل البداية والنظر، والأنوار في مشكلات الكتاب. 

3. الجمان في أخبار الزمان: وهو كتاب مختصر في التاريخ، قسمه الشطيبي إلى ثلاثة فصول كفصل من بدء الدنيا إلى مولد رسول الله، وقسم من ظهوره إلى وفاته، وتطرق في الفصل الثالث إلى حياة الخلفاء الراشدين وبيعة أبي بكر، وسيرة عمر وعثمان وعلي، وتاريخ الأمويين والعباسيين وذيل هذا الفصل بنبذة عن فضائل الأندلس ودخول المولى إدريس إلى المغرب، وأعطى في الأخير لمحة مختصرة عن المرابطين والموحدين، وختم كتابه بالكلام على شروط الساعة وعلاماتها الكبرى والصغرى، وخلط في هذا الفصل بين صحيح الرواية وسقيمها، ولابد من الإشارة هنا إلى أن كتاب الجمان هو المؤلف الوحيد الذي عرف النور، حيث قام المستشرق sylvester de sacy بترجمته إلى الفرنسية ونشره في باريس. 

4. الباب الملتزم الجامع لبعض معاني كتاب الحكم وهو شرح لحكم ابن عطاء الله السكندري (ت 709 ﮪ) التي ذاع صيتها وكثر شراحها، وقد اعتمد الشطيبي خاصة على شرح زروق، ومن المعلوم أن أبا الحسن الشاذلي (ت 656 ﮪ) لم يخلف مصنفات في التصوف واقتدى به تلميذه أبو العباس المرسي (ت 685ﮪ)، وكل ما تركاه بعض الأدعية والأوراد، لكن الفضل الكبير يعود لابن عطاء الله الذي جمع أقوالهما ووصاياهما وحفظ بذلك التراث الشاذلي من الضياع، وكان ابن عطاء الله قد صحب شيخه أبا العباس اثني عشر عاما، وبعد وفاة شيخه عام (686ﮪ)، أصبح ابن عطاء الله وارث علمه وقائما على طريقته، وتعتبر الحكم العطائية من أول انتاج ابن عطاء الله في التصوف ويظهر ذلك جليا في نقوله الكثيرة منها في سائر كتبه الأخرى، ويستدل على أنه كتبها في مرحلة الشباب ما ذكره حاجي خليفة من أنه لما صنفها عرضها على شيخه المرسي فقال له يا بني: لقد أتيت في هذه الكراسة بمقاصد الإحياء وزيادة. 

وعدد الحكم فيها مائتان وأربع وستون حكمة، وهي عبارة عن فقرات ـ قصيرة ـ توجيه وإرشاد في السلوك الصوفي موجهة إلى المريد السالك طريق الحقيقة، ولم يراع ابن عطاء الله (ترتيبها بحسب موضوعاتها، وإنما هي عبارات معبرة عن خطرات نفسه التي عرضت له في أذواقه، فدونها بغير تعمل تصنيف أو تكلف تأليف. 

والحكم عبارة عن تلخيص لآراء ابن عطاء الله في التصوف، وهي تربية روحية للمريدين تتضمن آراء في الوجود وصلة الله بالإنسان، وفيها إشارات إلى سلوك أهل التصوف عامة من مجاهدات ومقامات وأحوال، وهي بذلك لا تخلو من بعض المصطلحات الغامضة التي لا يفهمها إلا أصحاب التحقيق، لكنها بعيدة عن الشوائب والانحرافات الخارجة عن الكتاب والسنة، وترجع أهميتها على الاعتناء بها وتعدد شروحها التي فاقت الأربعين شرحا، بل إن الشيخ أحمد زروق وحده شرحها أكثر من ثلاثين شرحا، وزيادة على اهتمام المتصوفة بها حفظا وتدريسا، فإنهم جعلوها من عباداتهم اليومية وبالغوا في تعظيمها حتى كادوا أن يخرجوا عن إطار الشريعة، من ذلك ما قاله ابن عجيبة (هي مواهب لدنية وأسرار ربانية، نطقت بها أفكار قدوسية وأسرار جبروتية، ولقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه البناني يقول كادت حكم ابن عطاء الله أن تكون وحيا، ولو كانت الصلاة تجوز بغير القرآن لجازت بكلام الحكم. أما شرح الشطيبي للحكم المسمى فتح الباب الملتزم الجامع لبعض معاني كتاب الحكم، فقد ذكره بروكلمان في ملحقه، ومحمد البشير الفاسي. 

قال الشطيبي في مقدمة شرحه للحكم: (الحمد لله كما ينبغي لجلاله وجماله وكماله، والشكر لله على جميع أنعامه وأفضاله...أما بعد.. إعلم أيها الوارد لفتح الباب الملتزم الصادر عن فيض بركات كتاب الحكم أنك بحمد الله قد وفقت وهديت وأسعدت وأرشدت إذ لولا ما دعيت ما أجبت، ولولا ما نديت ما سمعت، ولولا ما حركت ما أتيت...). 

ويظهر منهج الشطيبي والمصادر التي اعتمدها في قوله (الحكم التي تعلقنا بها، عمتنا ببركتها، وأردنا بعض معانيها، وأول من تكلم عليها وشرحها الشيخ الفقيه النبيه الخطيب البليغ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عباد النفزي... فهو أول من شرح الحكم وشرحه الآن بأيدي الناس معروف، وتكلم أيضا على الحكم رجل من عدول طرابلس المغرب يسمى أبو القاسم الرماح وتوفي سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وتكلم عن الحكم رجل شامي يعرف بالصابوني، وتكلم عن الحكم الشيخ سيدي أحمد زروق... 

وهذا التأليف مجموع من جميع ما أمكن رده منهم ومن غيرهم على سبيل الاختصار، والله تعالى ولي التوفيق بفضله وهو المستعان...). 

5. الإشارات السنية في بعض معاني المباحث الأصلية: وهو شرح للمباحث الأصلية عن جملة الطريقة الصوفية لأحمد بن محمد بن يوسف التجيي المعروف بابن البنا، والمباحث عبارة عن منظومة تقع في أربعمائة وثلاثة وسبعين بيتا أولها: 

بسم الإله في الأمور أبدا              إذ هو غاية لها ومبدأ

وشرح الشطيبي للمباحث الأصلية ورد عنوانه في أغلب النسخ باسم الإشارات، وورد في أخرى باسم شرح المباحث، وقد ألفه الشطيبي في جمادى الثانية عام ثلاث وخمسين وتسعمائة. 

قال الشطيبي في مقدمة كتابه (الحمد لله، وقفت على جملة نسخ من المباحث الأصلية وجدت فيها زيادة ونقصا بعضها عن بعض فعلقت على أصحها، فمن وافق غرضه غرضنا فالحمد لله، وإلا فنحن نستغفر الله...). 

6. عيون الناظرين في شرح منازل السائرين: هو شرح لكتاب منازل السائرين إلى الحق المبين لشيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الصوفي المتوفى عام 481ﮪ، وموضوع الكتاب مقامات التصوف وأحوال السلوك، يقول الهروي في مقدمة كتابه، (..وبعد، فإن جماعة الراغبين في الوقوف على منازل السائرين إلى الحق عز اسمه من هراة..أن أبين لهم في معرفتها بيانا يكون على معالمها عنوانا، فأجبتهم بذلك بعد استخارتي الله واستعانتي به، وسألوني أن أرتبها لهم ترتيبا يشير إلى تواليها ويدل على الفروع التي تليها، وأن أخليه من كلام غيري وأختصره ليكون ألطف في اللفظ، وأخف للحفظ، فجعلته مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام... وإني مفصل لك درجات كل مقام منها لتعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقق...) 

والشطيبي في هذا الكتاب حاول أن يشرح ويحلل أقوال الهروي، مرتكزا على جهود سابقيه في الملاحظة والنظر، جامعا آراء المتصوفة وأخبارهم وأحوالهم ناقلا الحكم والأقوال والأشعار والأمثال، فجاء بذلك عيون الناظرين عصارة جهود العلماء الأوائل ملخصة ومرتبة أحسن ترتيب. 

7. تخميس بردة البوصيري وشرح عليها: من المؤلفات المتأخرة لأبي عبد الله الشطيبي، والتي لم تذكرها كتب المصادر المترجمة له تخميس بردة البوصيري، وقد ربط الشطيبي الصلة بينه وبين البوصيري الذي يدخل في سنده الصوفي، ومعلوم أن البردة والهمزية بلغتا من الشهرة مبلغا عظيما دفعت الكثير من رجالات التصوف والأدب إلى معارضتها بالتربيع والتخميس. 

تناول الشطيبي في خطبة كتابه الأسباب التي دفعته إلى التأليف في هذا النوع من الفنون العلمية فقال: (..اعلم أني ما لفقت أشعاري ووقعت أطماري إلا لكثرة أعذاري وإلى الله اعتذاري... فمن ذلك أني لما أمعنت النظر في البردة الشريفة اشرأبت النفس إلى أنوارها الحنيفة، وطمحت الدخول بين الناس دون شعور ولا إحساس، وليس ذلك من عادة الناس، فما زلت أمنعها حتى برز المقال عند غلبة الحال، وعلى الله الاتكال...). 

ومن الملاحظات التي يمكن تسجيلها في تخميس البردة للشطيبي التزامه ـ كعادته في جميع مصنفاته ـ بذكر مصادره المعتمدة، فهو لا يخرج عن دائرته الصوفية، وأخذه عن الغزالي وأمثاله، وحشد أخبار وأقوال الأولياء والزهاد. 

8. مفتاح الجنة المتوقف على الكتاب والسنة: يدور موضوع الكتاب على الذكر وفضائله، وقد نسب محمد الطيب القادري مفتاح الجنة للشطيبي، وذكر كذلك أن محمد بن محمد بن عطية السلاوي (ت 1052ﮪ) اختصره. 

يقول الشطيبي: (...مرادي إن شاء الله جمع هذا التأليف ليكون تذكرة لنفسي ولمن شاء الله من بعدي، كل ذلك من كلام المحققين وكتب الماضين ونصوص العارفين... وألفته كله في بابين محتويين على فصول تغني عن كثير من الأصول، فجعلت الباب الأول في فضل الذكر، والباب الثاني في أنواعه وصفاته، وفي أثناء ذلك وبعده بعض مناقب الصالحين وشواهد الواعظين مع فوائد ورغائب... وسميته مفتاح الجنة المتوقف على الكتاب والسنة تفاؤلا مني لهذا الاسم وتصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: مفتاح الجنة ذكر الله...). 

وأنهى الشطيبي كتابه بأرجوزة ابن البنا المعروفة بالمباحث الأصلية التي سبقت الإشارة إليها. 

9. الحديقة المستقلة في بعض فتاوى علماء الملة: يتضمن الكتاب مجموعة من الأسئلة والأجوبة للنوازل والفتاوى داخل المذهب المالكي، وقد سار فيه صاحبه سير أحمد بن يحيى الونشريسي في المعيار، حيث جمع فيه فتاوى المتأخرين من الأندلس والمغرب وتونس. 

والكتاب لم يرد ذكره عند أصحاب التراجم والطبقات، كما لم ينسبه أحد للشطيبي، ربما يكون ألفه في آخر حياته، وانفرد الدكتور محمد حجي بنسبته له، في حين ورد في فهرسة الخزانة العامة بتطوان نسبته للسنوسي (ت 895ﮪ). 

وبعد اطلاعي على الحقيقة المستقلة، تبين أن الكتاب ينسب للشطيبي أكثر من نسبته للسنوسي، ويظهر ذلك في منهج الشطيبي العام الدائر على الجمع والتصنيف والمتمثل في التركيز والإيجاز وجمع الأقوال وحشرها في صعيد واحد والاعتماد على الحكايات الغريبة كما جاء في أكثر كتبه، كما أنه اعتمد في نقوله في الحديقة على بلدييه مثل أبو القاسم التزغدري، ومحمد بن محمد بن أبي الوليد التزغدري. 

والسبب الذي يدفعنا إلى استبعاد الرأي الثاني هو الفرق الزمني بين الأعلام المذكورين في الحديقة وبين محمد بن يوسف السنوسي، حيث وردت فتاوى وإجابات فقهية لعلماء جاءوا بعد السنوسي كأحمد الونشريسي المتوفى عام 914ﮪ، وأبي الحسن بن هارون المتوفى عام 951ﮪ وغيرها. 

وللشطيبي كتب أخرى منها رسالة في الفلاحة تتضمن أفكار الفلاحين الأندلسيين ملخصة من كتاب ابن ليون مع إضافات أخرى تتعلق بالظروف الطبيعية والمناخية للمغرب، كما تحتوي على بعض التجارب الشخصية للشطيبي، وله كتاب في الكيمياء بعنوان: ذات الفصلين وخلع النعلين، وهو عبارة عن قصيدة في اصطلاحات بعض الأقدمين تقرب من الثلاثين بيتا، كما كتب أيضا في الرؤيا وفي علم الخط ووصايا موجهة لمتصوفة عصره. 

وفاته: توفي الإمام الشطيبي رحمه الله في ثاني ربيع الثاني عام 963ﮪ بعد عمر ثمانين سنة، ودفن بقرية تزغدرة ببني زروال، وقد وهب حياته للكتابة والتدريس وفلح الأرض والصيد، فكان رمزا ونموذجا للمتصوفة العالمين العاملين، فرحم الله الشطيبي وعفا عنه وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الهوامش

من أعلام التصوف المغربي
أبو عبد الله الشطيبي (ت 963ﮪ)
د. محمد بوطربوش 
(العدد 15)
لم تسعفنا كتب التراجم بأخبار شافية ومفصلة عن شخصية الشطيبي، الذي انتهت إليه زعامة العلم وريادة التصنيف، رغم أنه كان قبلة أنظار الأساتذة والطلبة، تقرب إليه الحكام فرفض، وأسندت له المناصب فأبى، حببت له نفسه التأليف في مختلف فنون المعرفة، وذاع صدى كتبه، وانتشر خبره في الآفاق، فكان من الإنصاف أن يكون لهذا العالم الفذ والصوفي المتبحر تاريخ حافل بالأخبار، يحكي تفاصيل حياته ودقائق طفولته وشبابه، لكن انزواءه وبعده عن العامة، وتفضيله الفلاحة والتدريس وهروبه من السياسة والسلطان، جعل معاصريه يطمرون حياته ويطمسون أخباره، ولولا كثرة مؤلفاته التي تقف شاهدة عليه لعفا الزمان عن ذكره ولأصبح نسيا منسيا. 
اسمه: أجمع كل من ترجم له أن كنيته أبو عبد الله، وأن اسمه: محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن حيون الصقلي الأندلسي البرجي الشهير بالحاج الشطيبي، وشذ منهم الحضيكي في مناقبه فسمى أباه أحمدا، وهو الاسم الذي اختاره بن عسكر والتمنارتي اسما لجده، في حين انفرد ابن سودة في دليله بتسمية جده عطية. 
واستبعد البشير الفاسي تسمية الشطيبي بالصقلي وانتماءه إلى الشرفاء الصقليين الفاسيين، فهذا على حد قوله: لم يقل به أحد، وأما عن شهرته بالشطيبي- بالتصغير - في أكثر الكتب، ونعته تارة أخرى بالشاطبي، فلا نعلم سبب هذه التسمية، وربما ترجع إلى انتماء أحد أفراد أسرته إلى شاطبة، وهذا غير بعيد مادام مترجمنا أندلسي الأصل. 
استقراره: استقر الشطيبي أول الأمر بجبل ودكة أعلى قمم قبيلة بني زروال، وهو مرتفع شامخ يعلو عن سطح البحر بنحو ثمانمائة متر، تكسوه الغابات الكثيفة وتنبه منه عيون دافقة متعددة، يقع شمال بني زروال، ألف فيه شيخنا الكثير من كتبه، والغريب في الأمر أن جميع من ترجم للشطيبي أغفل هذا المكان الذي يفتخر به الشطيبي أيما افتخار. 
وكان استقرار الشطيبي الأخير بتزغدرة، وهو مدشر جبلي ببني إبراهيم في قبيلة بني زروال المعروفة بغزارة عيونها وعذوبة مائها، وكثرة الصلحاء والأضرحة بها، عاش فيها الشطيبي آخر حياته وبها توفي، وتقع قبيلة بني زروال جنوب غمارة في مرتفعات منحدرة وسهول ضيقة تمتد حتى نهر ورغة، تكسوها أشجار الزيتون وكروم العنب. 
وترجع أهمية القبيلة إلى قربها من مدينة فاس مما ازدهرت التجارة بها وتخرج عدد كبير من أبنائها من القرويين، وكانت الأسر الحاكمة بالمغرب تخصها بالرعاية والاهتمام وتعين لها قضاة وعمالا يسهرون على شؤونها، وانتشر حفظ القرآن الكريم في المساجد، ونشطت الحركة العلمية في المداشر والأضرحة المتعددة نظرا لاتساع رقعة القبيلة، وبرز أعلام عملوا على بث الروح الدينية في الأوساط الشعبية، وانكبوا على التأليف والتدريس، والتزم السكان بالعقيدة الإسلامية الصحيحة إلى درجة أن الحد كان يقام في أواخر القرن الماضي على الزانية والزاني في هذه القبيلة. 
معاشه: قسم الشطيبي وقته بين العلم والعمل، فكانت أيامه دائما بين فلح الأرض والصيد والنساخة لضمان معاشه، وبين التأليف والتعليم لاستمرار طموحه الفكري، فكان يبتعد عن مال الأوقاف كشيخ شيخه أحمد زروق (ت 899ﮪ)، وكان (زاهدا في الدنيا وأهلها، ومنقطعا في أكثر أوقاته عن الناس، وجه إليه السلطان غير ما مرة في شأن الحضور عنده فلم يجبه إلى ذلك، ويقول أنا مسكين لا حاجة له بي. 
وكانت أوقاته كما يقول هو عن نفسه ما بين تأليف ونسخ وعمل في البستان والقيام بشؤون المسجد من تدريس وإمامة وخطابة ووعظ، ومما ذكره في هذا الصدد أنه انتسخ كتاب نزهة الناظرين وتحفة القاصرين في شرح منازل السائرين لأبي عبد الله المقدسي مع المقابلة على كثير من نسخه، وكتابة التعاليق عليه... في مدة اثنين وأربعين يوما مع شغل الدار والقيام بضروراته، وكلفة المسجد ولازماته واليد الواحدة في خدمة الغيلولة ولقط الفاكهة، وعمل البحائر للخضرة إلى غير ذلك... 
ويرجع سبب اعتماده على نفسه وبذل المجهود الجسمي في الأعمال الفلاحية والعناء الكبير في وظائف الإمامة والتدريس في مسجد تزغدرة نهارا، والانكباب على النساخة والتأليف ليلا، وكذا عزوفه عن الجاه والسلطان إلى فساد الزمان وتفشي الحرام، حسب رأيه، وتغافل العلماء وسكوتهم عن الحق، وهذا ما نلمسه في قصيدته التي يقول فيها: 
فسد الزمان فأين أين المهرب             وفشا الحرام فأي رزق يطلب
وتعامت العلماء عن شبهاتها         وتراخصت فليعجب المتعجب
فمن الذي نرضاه قدوة ديننا                 ومن الذي بالحق راح يودب
والعالمون قد ارتضوا دنياهم          عن دينهم فهم إليها ينسب
أقوالهم ينهون عن أسبابها                   وقلوبهم بالفكر فيها تنهب
فلذاك صار العالمون أذلة                  عند الملوك مخافة أن يسلبوا
فالعلم لا نور له يلقى ولا                ضوء به يجلي لدينا الغيهب
فكأنهم لم يقرأوا في كتبهم                 رأس الكبائر حب دنيا يغلب
ذهب الذين تورعوا وتزهدوا             وأتى على الدنيا أناس يكلب
يا حسرتي للدين ضاع وأهله               وأتى أناس عن هداهم يحجب
فالله يجبر وقتنا في عصرنا                 ويقيله من عثرة لا تذهب
مناظرته: كان الشطيبي كثير الرؤى، يشاهد النبي، صلى الله عليه وسلم، دائما في المنام واليقظة كعادة أقطاب المتصوفة، وبكثرة مشاهدته قال: (من زعم أن محمد، صلى الله عليه وسلم، مات فقد كفر). 
هذا الكلام أحدث انقلابا فكريا في صفوف الفقهاء، فبادروا عليه بالإنكار ووجدوا الفرصة سانحة للقدح في شخصيته، وكان أكثرهم احتجاجا أبو حفص عمر بن عيسى العلمي (ت 956ﮪ) الذي كان يردد: "من زعم أن محمدا لم يمت فقد كفر". 
وقد حاول الشطيبي تبرير موقفه وتأييد نظريته بتأويل معنى الموت الذي يقصده، وبما رآه منصوصا عند رحلته للحجاز قائلا: "هذا قلته على قدر فهمي؛ وقفت عليه منصوصا بخزانة جامع دمشق على أني لم أرد به الموت المعبر عنه بالمفارقة"، ولما كثر إلحاحا العلمي وإنكاره سكت عنه الشطيبي ولم يجبه بشيء، وبعدها ألف كتابا في تفسير الرؤيا. 
شهادة العلماء فيه: قال فيه ابن عسكر: الشيخ الرحال الحائز لأوصاف الكمال، العالم المتفنن ولي الله تعالى، وقال التمنارتي في الفوائد: الشيخ الصالح الصوفي....غالب معاشه من الصيد. 
وقال المهدي الفاسي في التحفة: الشيخ العالم الولي ذو التآليف الغزيرة المفيدة، الحاج الأبر، وقال الكتاني في السلوة: والشطيبي هذا كان واسع العلم والمعرفة شهير الذكر، وجاء في مناقب الحضيكي: كان رضي الله عنه متفننا في العلوم وليا عارفا ورعا زاهدا عالما عاملا، أما ابن القاضي في لقط الفوائد فيقول في شأنه: الشيخ الصوفي الجماعة، وقال الفاسي الفهري: العالم العلامة الصوفي المتبحر الرحالة صاحب التآليف... كان من أكابر العلماء ومن صالحي الأمة، له مقام عظيم في المعرفة وعلم تام بالعلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وتاريخ وأدب. 
رحلته: دخلت رحلة الشطيبي كذلك في دائرة الإهمال التاريخي حيث إنه لا نعلم بالضبط تاريخ ومكان رحلاته، فالمصادر التي ترجمت له نعتته بصاحب الرحلات الطويلة، يقول بن عسكر رحل إلى بلاد المشرق وأقام يجول سائحا في نواحيها أعواما كثيرة، ولقي بها مشايخ عديدة. وانطلاقا من بعض المعطيات، يمكننا تعيين أهم المناطق والبلدان التي زارها الشطيبي والتي كانت هدف رحلته؛ فقد زار الجزائر واستقر بها لأخذ السند الصوفي عن شيخه الراشدي (ت 927ﮪ)، ولا يستبعد أن يكون حط الرحال بالقاهرة خاصة وأن الأزهر الشريف في ذلك الوقت قد بعد صيته واكتظ بالعلماء من كل مكان، وازدحم الزوار في أروقة المسجد للطعام والمأوى، ومعلوم أن رواق المغاربة كان الأكثر عددا، كما أن زاوية الإمام الشعراني (ت 907ﮪ) في القرن العاشر الهجري كانت تنافس وبشكل كبير الأزهر، حيث كانت الزاوية عبارة عن رباط للعباد ومدرسة للعلم والتعليم. 
وقد استقطب الحجاز الرحالة من جميع الأصقاع وخاصة المغاربة منهم لأنه موطن الوحي ومنزل الرسالة، كما أن الطرق الكبرى المؤدية على الحرم الشريف كانت ملتقى العلم والعلماء،صنفت فيها الكتب ونظمت القصائد، وحصل الطلاب على إجازات عالية وهم في الطريق. 
ومعروف أن الشطيبي حج إلى بيت الله الحرام واستقر بالروضة الشريفة، ولقبه الحاج يدل أنه حج أكثر من مرة، وعلمنا أيضا زيارته لدمشق من خلال مناظرته مع العلمي، وعند عودته من رحلته الطويلة زار مقر ضريح شيخ شيخه أحمد زروق بمصراتة في ليبيا، ومكث فيها ثلاث سنوات حتى تراءى له الشيخ في المنام وأمره بالانصراف إلى المغرب. 
تصوفه: يعد أبو عبد الله الشطيبي في صدر الطبقة الأولى الذين انتسبوا إلى الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الذي تتلمذ بدوره على أحمد زروق، لكن العلاقة التي كانت تربط بين الشطيبي والراشدي لم تكن تتعدى فقط أخذ السند الصوفي الزروقي، حيث تأثر مترجمنا بزروق في جميع أقواله وأفعاله، ونقل عنه كثيرا في جل كتبه، واقتدى به في منهجية التصنيف والتأليف. 
فعند عودته من رحلته الطويلة من المشرق، نجده يستقر في مصراتة ثلاث سنوات حتى أذنه زروق بالانصراف؛ ويحكي الشطيبي ذلك قائلا: "لما قدمت من المشرق وأعملت الجوار على ضريح الشيخ الولي العالم... أبي العباس أحمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق وآليت على نفسي أن لا ننصرف إلا بإذن من الله... فأقمت عليه مدة من ثلاثة أعوام والشيخ يتراءى لي في النوم ويأمرني بالانصراف إلى المغرب وإلا فتسلب، فقلت نعم، فلما أردت الانصراف إلى المغرب قال لي يأخذنا وحشك يا محمد. 
وكانت مصراتة في ذلك الوقت مجمع العلماء وأهل التصوف من جميع أصقاع العالم الإسلامي، وكانت قبلة المريدين والزوار، فلا شك أن مكوث الشطيبي بمصراتة خلال المدة المذكورة قد عكف على دراسة الطريقة الزروقية في مصادرها الأصلية والتقى بأقطابها واستفاد منهم، وخاصة الطبقة الأولى من المستقرين بالضريح أو من المترددين عليه. 
ويعود الشطيبي إلى المغرب بعدما ألم بالطريقة الزروقية، وتعمق في أصولها وجالس أقطابها، فأصبح يسير على نهجها ويعمل على نشرها، وظل وفيا لها حتى وفاته، بحيث إنه لم يؤسس طريقة متفرعة عنه كما فعل أقرانه. 
ويمكننا تعليل قلة أتباع زروق أنه كان لا يبالي بجمع الناس حوله وإبهارهم بالخوارق والكرامات كما يفعل المتصوفة الآخرون، بل على العكس من ذلك كان ينتقد التصرفات غير اللائقة لأهل التصوف في عصره، فالفكر الصوفي الزروقي كان في أعلى مستواه علما وصفاء لم تعتره الشوائب، لذا كان مقصورا على الخاصة وفي حدوده الضيقة على الطبقة الأولى من أتباعه، لذا نجد الشطيبي وهو الوفي لشيخ شيخه أحمد زروق يسير حذوه في طريقته المتمثلة في الدفاع عن الطريقة الشاذلية في أغلب كتبه ويضمنها الأصول والتعاليم الخمس التي ترتكز عليها وهي: 
ـ تقوى الله في السر والعلانية. 
ـ اتباع السنة في القول والعمل. 
ـ الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار. 
ـ الرضا عن الله في القليل والكثير. 
ـ الرجوع إلى الله تعالى في السراء والضراء. 
إضافة إلى هذه التعاليم، فإن الشطيبي سار على الطريقة القادرية المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني (ت 561 ﮪ) الذي نوه بكراماته وفضائله في أغلب كتبه، وتتلخص مبادؤه في خمسة أمور أيضا وهي: 
ـ علو الهمة. 
ـ حفظ الحرمة. 
ـ حسن الخدمة.
ـ نفوذ العزمة. 
ـ تعظيم النعمة. 
نستخلص أن للشطيبي طريقتان صوفيتان كما كانت لشيخه زروق، الأولى تتمثل في سنده في الشاذلية وهو ما يسمى بطريق الأقطاب، والسند الثاني في القادرية وهو المعروف بطريق الخرقة، وقد سار الشطيبي سير زروق واقتدى به في السلوك حيث فضل حياة الزهد والانزواء في الجبل مما جعل مترجميه يفقدون خيوط حياته؛ ولعله تذكر النصيحة التي كتبها الحضرمي (ت 859 ﮪ) لأحمد زروق بعد أن ودعه قائلا: 
عِشْ خَامِلَ الذِّكْرِ بَيْنَ النَّاسِ وَارْضَ بِهِ         فَذَاكَ أَسْلَمُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّيـــنِ
           مَنْ خَالَطَ النَّاسَ لَمْ تَسْلَمْ دِيَانَتُـــهُ         وَلَمْ يَزَلْْ بَينَ تَحْرِيكٍ وَتَسْكِينِ
شيوخه وتلاميذه: لم تذكر المصادر شيوخ العلم الذين أخذ عنهم الشطيبي سواء بالمغرب أو في غيره من البلاد الإسلامية التي طاف بها سنوات عديدة، وإنما اكتفت بذكر شيخ واحد له وهو أحمد بن يوسف الملياني الراشدي الذي أخذ عنه الشطيبي السند الصوفي باعتباره من الطبقة الأولى الذين صحبوا أحمد زروق. 
والراشدي هو الذي تنسب إلى الطائفة الضالة المعروفة بالعكاكزة أو اليوسفية، والتي ذاع صيتها على يد أحد أتباعه وهو أحمد بن عبد الله المنزولي، وكان شيخ الشطيبي (جليل القدر كبير الشأن من أكابر مشايخ الصوفية، فتح الله عليه في علوم أسماء الله تعالى وتصريفها، وكان عارفا بالله تعالى... وكانت عجائب الكرامات وأنواع الانفعالات تظهر على يده، فبعد صيته وكثر أتباعه، فتوغلوا في محبته وأفرطوا فيها حتى ربما نسبه بعضهم إلى النبوة 
تلاميذه: لا شك أن مثل شخصية الشطيبي العلمية وتصدره للإمامة والتدريس تجعل منه قبلة المتعطشين للعلم والمعرفة، ومن المحتمل أيضا أن يكثر الآخذون عليه خصوصا وأن مدرسته كانت قائمة في زمن الصراعات السياسية والنكبات الاجتماعية والبيئية، ومن أبرز تلاميذه: 
ـ أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي، آخر المحدثين بالمغرب، توفي عام 991ﮪ. 
ـ أبو عبد الله محمد بن أبي زيد عبد الرحمن الزروالي المعروف بابن الفقيرة، توفي عام 1045ﮪ. 
ـ عبد الله بن سعيد المناني الحاحي، عالم صوفي كبير، توفي عام 1012ﮪ. 
مؤلفاته: أول ما يلفت النظر في مؤلفات الشطيبي أنها ما زالت مخطوطة ومركونة في رفوف الخزائن العامة والخاصة، والسمة الغالبة في كتبه تتمثل في التلخيص والتقريب، وولوع صاحبها بالقصص وخاصة حكايات الزهاد ومناقبهم، والشطيبي التزم بحق وإلى حد كبير بما ذكره في خطب كتبه، وسار على منهج واحد هو تلخيص آراء السابقين وتقديمها على أحسن وجوه الترتيب والتبويب، جاعلا لأولئك فضل السبق والتفوق، وللمتأخرين ميزة الانتقاء والاختيار، وهذه عناوين كتبه وأماكن وجودها: 
1. اللباب في مشكلات الكتاب: ألفه الشطيبي عام 958ﮪ، وهو تفسير للقرآن الكريم سلك فيه مؤلفه تأويل الآيات المشكلة والمبهمة معتمدا على آراء النحاة واللغويين، آخذا من المفسرين والمناطقة والمتصوفة وغيرهم. 
2. اللباب المختصر لأهل العبادات والنظر: هو مختصر الكتاب سابق الذكر مع زيادات عليه، ذكره بروكلمان في ملحقه، ألفه الشطيبي عام 940ﮪ أي قبل اللباب باثنتي عشرة سنة، وقد ورد اللباب المختصر في فهرس بعض الخزائن بعناوين أخرى وهي: كتاب الفن المختصر لأهل البداية والنظر، والأنوار في مشكلات الكتاب. 
3. الجمان في أخبار الزمان: وهو كتاب مختصر في التاريخ، قسمه الشطيبي إلى ثلاثة فصول كفصل من بدء الدنيا إلى مولد رسول الله، وقسم من ظهوره إلى وفاته، وتطرق في الفصل الثالث إلى حياة الخلفاء الراشدين وبيعة أبي بكر، وسيرة عمر وعثمان وعلي، وتاريخ الأمويين والعباسيين وذيل هذا الفصل بنبذة عن فضائل الأندلس ودخول المولى إدريس إلى المغرب، وأعطى في الأخير لمحة مختصرة عن المرابطين والموحدين، وختم كتابه بالكلام على شروط الساعة وعلاماتها الكبرى والصغرى، وخلط في هذا الفصل بين صحيح الرواية وسقيمها، ولابد من الإشارة هنا إلى أن كتاب الجمان هو المؤلف الوحيد الذي عرف النور، حيث قام المستشرق sylvester de sacy بترجمته إلى الفرنسية ونشره في باريس. 
4. الباب الملتزم الجامع لبعض معاني كتاب الحكم وهو شرح لحكم ابن عطاء الله السكندري (ت 709 ﮪ) التي ذاع صيتها وكثر شراحها، وقد اعتمد الشطيبي خاصة على شرح زروق، ومن المعلوم أن أبا الحسن الشاذلي (ت 656 ﮪ) لم يخلف مصنفات في التصوف واقتدى به تلميذه أبو العباس المرسي (ت 685ﮪ)، وكل ما تركاه بعض الأدعية والأوراد، لكن الفضل الكبير يعود لابن عطاء الله الذي جمع أقوالهما ووصاياهما وحفظ بذلك التراث الشاذلي من الضياع، وكان ابن عطاء الله قد صحب شيخه أبا العباس اثني عشر عاما، وبعد وفاة شيخه عام (686ﮪ)، أصبح ابن عطاء الله وارث علمه وقائما على طريقته، وتعتبر الحكم العطائية من أول انتاج ابن عطاء الله في التصوف ويظهر ذلك جليا في نقوله الكثيرة منها في سائر كتبه الأخرى، ويستدل على أنه كتبها في مرحلة الشباب ما ذكره حاجي خليفة من أنه لما صنفها عرضها على شيخه المرسي فقال له يا بني: لقد أتيت في هذه الكراسة بمقاصد الإحياء وزيادة. 
وعدد الحكم فيها مائتان وأربع وستون حكمة، وهي عبارة عن فقرات ـ قصيرة ـ توجيه وإرشاد في السلوك الصوفي موجهة إلى المريد السالك طريق الحقيقة، ولم يراع ابن عطاء الله (ترتيبها بحسب موضوعاتها، وإنما هي عبارات معبرة عن خطرات نفسه التي عرضت له في أذواقه، فدونها بغير تعمل تصنيف أو تكلف تأليف. 
والحكم عبارة عن تلخيص لآراء ابن عطاء الله في التصوف، وهي تربية روحية للمريدين تتضمن آراء في الوجود وصلة الله بالإنسان، وفيها إشارات إلى سلوك أهل التصوف عامة من مجاهدات ومقامات وأحوال، وهي بذلك لا تخلو من بعض المصطلحات الغامضة التي لا يفهمها إلا أصحاب التحقيق، لكنها بعيدة عن الشوائب والانحرافات الخارجة عن الكتاب والسنة، وترجع أهميتها على الاعتناء بها وتعدد شروحها التي فاقت الأربعين شرحا، بل إن الشيخ أحمد زروق وحده شرحها أكثر من ثلاثين شرحا، وزيادة على اهتمام المتصوفة بها حفظا وتدريسا، فإنهم جعلوها من عباداتهم اليومية وبالغوا في تعظيمها حتى كادوا أن يخرجوا عن إطار الشريعة، من ذلك ما قاله ابن عجيبة (هي مواهب لدنية وأسرار ربانية، نطقت بها أفكار قدوسية وأسرار جبروتية، ولقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه البناني يقول كادت حكم ابن عطاء الله أن تكون وحيا، ولو كانت الصلاة تجوز بغير القرآن لجازت بكلام الحكم. أما شرح الشطيبي للحكم المسمى فتح الباب الملتزم الجامع لبعض معاني كتاب الحكم، فقد ذكره بروكلمان في ملحقه، ومحمد البشير الفاسي. 
قال الشطيبي في مقدمة شرحه للحكم: (الحمد لله كما ينبغي لجلاله وجماله وكماله، والشكر لله على جميع أنعامه وأفضاله...أما بعد.. إعلم أيها الوارد لفتح الباب الملتزم الصادر عن فيض بركات كتاب الحكم أنك بحمد الله قد وفقت وهديت وأسعدت وأرشدت إذ لولا ما دعيت ما أجبت، ولولا ما نديت ما سمعت، ولولا ما حركت ما أتيت...). 
ويظهر منهج الشطيبي والمصادر التي اعتمدها في قوله (الحكم التي تعلقنا بها، عمتنا ببركتها، وأردنا بعض معانيها، وأول من تكلم عليها وشرحها الشيخ الفقيه النبيه الخطيب البليغ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عباد النفزي... فهو أول من شرح الحكم وشرحه الآن بأيدي الناس معروف، وتكلم أيضا على الحكم رجل من عدول طرابلس المغرب يسمى أبو القاسم الرماح وتوفي سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وتكلم عن الحكم رجل شامي يعرف بالصابوني، وتكلم عن الحكم الشيخ سيدي أحمد زروق... 
وهذا التأليف مجموع من جميع ما أمكن رده منهم ومن غيرهم على سبيل الاختصار، والله تعالى ولي التوفيق بفضله وهو المستعان...). 
5. الإشارات السنية في بعض معاني المباحث الأصلية: وهو شرح للمباحث الأصلية عن جملة الطريقة الصوفية لأحمد بن محمد بن يوسف التجيي المعروف بابن البنا، والمباحث عبارة عن منظومة تقع في أربعمائة وثلاثة وسبعين بيتا أولها: 
بسم الإله في الأمور أبدا              إذ هو غاية لها ومبدأ
وشرح الشطيبي للمباحث الأصلية ورد عنوانه في أغلب النسخ باسم الإشارات، وورد في أخرى باسم شرح المباحث، وقد ألفه الشطيبي في جمادى الثانية عام ثلاث وخمسين وتسعمائة. 
قال الشطيبي في مقدمة كتابه (الحمد لله، وقفت على جملة نسخ من المباحث الأصلية وجدت فيها زيادة ونقصا بعضها عن بعض فعلقت على أصحها، فمن وافق غرضه غرضنا فالحمد لله، وإلا فنحن نستغفر الله...). 
6. عيون الناظرين في شرح منازل السائرين: هو شرح لكتاب منازل السائرين إلى الحق المبين لشيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الصوفي المتوفى عام 481ﮪ، وموضوع الكتاب مقامات التصوف وأحوال السلوك، يقول الهروي في مقدمة كتابه، (..وبعد، فإن جماعة الراغبين في الوقوف على منازل السائرين إلى الحق عز اسمه من هراة..أن أبين لهم في معرفتها بيانا يكون على معالمها عنوانا، فأجبتهم بذلك بعد استخارتي الله واستعانتي به، وسألوني أن أرتبها لهم ترتيبا يشير إلى تواليها ويدل على الفروع التي تليها، وأن أخليه من كلام غيري وأختصره ليكون ألطف في اللفظ، وأخف للحفظ، فجعلته مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام... وإني مفصل لك درجات كل مقام منها لتعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقق...) 
والشطيبي في هذا الكتاب حاول أن يشرح ويحلل أقوال الهروي، مرتكزا على جهود سابقيه في الملاحظة والنظر، جامعا آراء المتصوفة وأخبارهم وأحوالهم ناقلا الحكم والأقوال والأشعار والأمثال، فجاء بذلك عيون الناظرين عصارة جهود العلماء الأوائل ملخصة ومرتبة أحسن ترتيب. 
7. تخميس بردة البوصيري وشرح عليها: من المؤلفات المتأخرة لأبي عبد الله الشطيبي، والتي لم تذكرها كتب المصادر المترجمة له تخميس بردة البوصيري، وقد ربط الشطيبي الصلة بينه وبين البوصيري الذي يدخل في سنده الصوفي، ومعلوم أن البردة والهمزية بلغتا من الشهرة مبلغا عظيما دفعت الكثير من رجالات التصوف والأدب إلى معارضتها بالتربيع والتخميس. 
تناول الشطيبي في خطبة كتابه الأسباب التي دفعته إلى التأليف في هذا النوع من الفنون العلمية فقال: (..اعلم أني ما لفقت أشعاري ووقعت أطماري إلا لكثرة أعذاري وإلى الله اعتذاري... فمن ذلك أني لما أمعنت النظر في البردة الشريفة اشرأبت النفس إلى أنوارها الحنيفة، وطمحت الدخول بين الناس دون شعور ولا إحساس، وليس ذلك من عادة الناس، فما زلت أمنعها حتى برز المقال عند غلبة الحال، وعلى الله الاتكال...). 
ومن الملاحظات التي يمكن تسجيلها في تخميس البردة للشطيبي التزامه ـ كعادته في جميع مصنفاته ـ بذكر مصادره المعتمدة، فهو لا يخرج عن دائرته الصوفية، وأخذه عن الغزالي وأمثاله، وحشد أخبار وأقوال الأولياء والزهاد. 
8. مفتاح الجنة المتوقف على الكتاب والسنة: يدور موضوع الكتاب على الذكر وفضائله، وقد نسب محمد الطيب القادري مفتاح الجنة للشطيبي، وذكر كذلك أن محمد بن محمد بن عطية السلاوي (ت 1052ﮪ) اختصره. 
يقول الشطيبي: (...مرادي إن شاء الله جمع هذا التأليف ليكون تذكرة لنفسي ولمن شاء الله من بعدي، كل ذلك من كلام المحققين وكتب الماضين ونصوص العارفين... وألفته كله في بابين محتويين على فصول تغني عن كثير من الأصول، فجعلت الباب الأول في فضل الذكر، والباب الثاني في أنواعه وصفاته، وفي أثناء ذلك وبعده بعض مناقب الصالحين وشواهد الواعظين مع فوائد ورغائب... وسميته مفتاح الجنة المتوقف على الكتاب والسنة تفاؤلا مني لهذا الاسم وتصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: مفتاح الجنة ذكر الله...). 
وأنهى الشطيبي كتابه بأرجوزة ابن البنا المعروفة بالمباحث الأصلية التي سبقت الإشارة إليها. 
9. الحديقة المستقلة في بعض فتاوى علماء الملة: يتضمن الكتاب مجموعة من الأسئلة والأجوبة للنوازل والفتاوى داخل المذهب المالكي، وقد سار فيه صاحبه سير أحمد بن يحيى الونشريسي في المعيار، حيث جمع فيه فتاوى المتأخرين من الأندلس والمغرب وتونس. 
والكتاب لم يرد ذكره عند أصحاب التراجم والطبقات، كما لم ينسبه أحد للشطيبي، ربما يكون ألفه في آخر حياته، وانفرد الدكتور محمد حجي بنسبته له، في حين ورد في فهرسة الخزانة العامة بتطوان نسبته للسنوسي (ت 895ﮪ). 
وبعد اطلاعي على الحقيقة المستقلة، تبين أن الكتاب ينسب للشطيبي أكثر من نسبته للسنوسي، ويظهر ذلك في منهج الشطيبي العام الدائر على الجمع والتصنيف والمتمثل في التركيز والإيجاز وجمع الأقوال وحشرها في صعيد واحد والاعتماد على الحكايات الغريبة كما جاء في أكثر كتبه، كما أنه اعتمد في نقوله في الحديقة على بلدييه مثل أبو القاسم التزغدري، ومحمد بن محمد بن أبي الوليد التزغدري. 
والسبب الذي يدفعنا إلى استبعاد الرأي الثاني هو الفرق الزمني بين الأعلام المذكورين في الحديقة وبين محمد بن يوسف السنوسي، حيث وردت فتاوى وإجابات فقهية لعلماء جاءوا بعد السنوسي كأحمد الونشريسي المتوفى عام 914ﮪ، وأبي الحسن بن هارون المتوفى عام 951ﮪ وغيرها. 
وللشطيبي كتب أخرى منها رسالة في الفلاحة تتضمن أفكار الفلاحين الأندلسيين ملخصة من كتاب ابن ليون مع إضافات أخرى تتعلق بالظروف الطبيعية والمناخية للمغرب، كما تحتوي على بعض التجارب الشخصية للشطيبي، وله كتاب في الكيمياء بعنوان: ذات الفصلين وخلع النعلين، وهو عبارة عن قصيدة في اصطلاحات بعض الأقدمين تقرب من الثلاثين بيتا، كما كتب أيضا في الرؤيا وفي علم الخط ووصايا موجهة لمتصوفة عصره. 
وفاته: توفي الإمام الشطيبي رحمه الله في ثاني ربيع الثاني عام 963ﮪ بعد عمر ثمانين سنة، ودفن بقرية تزغدرة ببني زروال، وقد وهب حياته للكتابة والتدريس وفلح الأرض والصيد، فكان رمزا ونموذجا للمتصوفة العالمين العاملين، فرحم الله الشطيبي وعفا عنه وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الهوامش


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الإكراه البدني في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي

الإكراه البدني
في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي

إن المرحلة التي يعتبرها المتقاضون حاسمة في الدعوى التي يقيمونها لدى المحاكم للمطالبة بحقوقهم هي مرحلة التنفيذ. والتنفيذ بوجه عام هو الوفاء بالالتزام، والأصل أن يقوم كل مدين بتنفيذ التزاماته اختياريا والوفاء بها طوعا دون تدخل السلطة لإجباره على الوفاء بما ألزم به، لكنه إذا ماطل في ذلك جاز للدائن الذي صدر الحكم لفائدته أن يلجأ إلى السلطة المختصة لإجبار المدين على ...

العمل والعمال في نظر الإسلام من خلال قراءة في كتاب العمل والعمال في نظر الإسلام لعطية صقر

العمل والعمال في نظر الإسلام
من خلال قراءة في كتاب العمل والعمال
في نظر الإسلام لعطية صقر

 المناسبة شرط كما يقولون، فبالأمس القريب احتفلت الطبقة العاملة بعيد الشغل كما جرت العادة للاحتفال به غرة شهر مايو من كل سنة، وهو تقليد غربي، سرعان ما ثار عالميا. وكان الأجدر أن تنبثق هذه الفكرة من العالم الإسلامي، نظرا لتكريم الإسلام للعامل، قبل صدور قوانين العمل الوضعية بمراحل..

رسالة "استنزال اللطف الموجود في أسر الوجود"

رسالة "استنزال اللطف الموجود في أسر الوجود"

رسالة "استنزال اللطف الموجود في أسر الوجود" واحدة من بين أكثر من عشر رسائل ألفها ابن الخطيب في أواخر أيامه، وكرسها للتصوف، أيام أخذ يسكنه هاجس الانقطاع عن الدنيا والتوجه للمعاد.