13 محرم 1440 / 23 شتنبر 2018
من أرشيف الإحياء

ظاهرة التخصص المبكر في العلوم الشرعية عهد الصحابة نموذج
ظاهرة التخصص المبكر في العلوم الشرعية
 عهد الصحابة نموذج

سعيد شبار

(العدد 8)

مدخل

قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة وعشرين عاما يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم يدعوهم إلى الإسلام ويبلغهم أحكامه وتعاليمه حتى دانت الجزيرة العربية وأطرافها لهذا الدين الحنيف. وحقيقة العصر النبوي أنه عصر التأسيس ووضع قواعد لبنيان حضارة إسلامية شامخة غيرت مجرى التاريخ وقلبت موازين الحياة لتعيش البشرية الأمن والحرية والعدالة على الأرض لا في الخيالات.

ولما كان من طبيعة هذه الرسالة الشمولية والخمول، كان لابد من خلف صالح يتولى حمل هذا المشعل من عصر لآخر، ينير به الطريق للجحافل الهوجاء من بني البشر التي تضل السبيل. فكان الجيل الأنموذج الذي تولى الرسول، صلى الله عليه وسلم، الإشراف على تربيته مباشرة، بل لازمه وقطع معه كل مراحل وأطوار التعليم، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من علم وورع وأمانة وتقوى وعمل بدوره على استكمال البناء الحضاري لهذه الأمة، الذي اجتاح رغم قصر زمنه باقي الحضارات بل تولى الصدارة والزعامة، إلى أن دالت دولة الإسلام في ظروف نكدة تهاوت فيها الأمم على المسلمين يصيبون منهم كما يتهاوى الأكلة إلى قصعة الطعام، وأصبح القابض على دينه فيها كالقابض على الجمر.

ونحن في هذا البحث المتواضع لا نرمي إلى رصد التحولات التاريخية لهذا المجتمع من قوة وتماسك إلى ضعف وتخاذل، بقدر ما نحاول استجلاء ظاهرة من الظواهر الصحية، كانت من بين الأسباب التي رسخت العلم بهذا الدين، ودفعت به أشواطا بعيدة، ومكنته على أيدي صحابة أجلاء من الحسم في مواطن الخلاف والنزاع وسد بؤر الشقاق والتصدع، بل ومقاومة قوى الكفر والضلال وتثبيت ركائز المجتمع وتنظيمه على أساس من العلم الصحيح، وأقصد هنا، ظاهرة التخصص في العلوم الشرعية التي ظهرت مبكرا في عهد الصحابة، والتي ما لبثت تندثر وتتلاشى معالمها في عصورنا المتأخرة حتى أمسى الرجل موسوعة جمع من كل فن طرفا ونسي أنه مواطئ أقدام، وأصبحت من مستعمراتهم الفكرية التي يصعب تحريرها الآن.

لا شك أنه سيقفز بسرعة فائقة إلى ذهن البعض أن هؤلاء الصحابة بل وتابعيهم كان معظمهم يجمع من العلوم والمعارف ما تفرق عند غيره وأحاط بجوانب كثيرة من ضروبها، وأقول لدفع هذا الاعتراض، صحيح ما قيل إذا نظرنا إلى الأمر في عمومه وشموليته، لكن أصح منه أنه كان لكل واحد منهم براعة وتفوق، وغوص وفقه زائد في فن من الفنون أو ضرب من الأضرب إذا دققنا النظر جيدا، وهذا ما سنحاول توضيحه فيما يلي من هذا البحث إن شاء الله، والذي استحسنت افتتاحه بمقدمة في بيان طلب العلم وفضله ثم جهود هؤلاء الصحابة-رضوان الله عليهم- في تحصين العلم من خلال الحديث النبوي الشريف الذي ذكر لعدد من الصحابة تخصصات معينة في العلم الشرعي برعوا وتفوقوا فيها.

مقدمة في بيان طلب العلم وفضله

لاشك أن المتفحص لكتاب الله تعالى يجده يدعو إلى التعلم ويحض على طلب العلم، ويبين درجات العلماء، ويخاطب العقلاء ويحضهم على التدبر والتفكر في آيات الله تعالى وآلائه. وأول ما نزل على الرسول، صلى الله عليه وسلم، آيات توجه النظر الإنساني إلى التعلم وتطالبه بالقراءة، وذلك في قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (العلق: 1-5) ولعل ذكره سبحانه وتعالى (الخلق) بعد الأمر بالقراءة في الأول و(العلم) بعده في الثاني، له دلالة تجعل مفهوم القراءة يتجاوز معنى القراءة في المقروء إلى القراءة في المشهود والمنظور الذي هو دلالة الوجود والخلق والتوحيد، ولا سبيل إلى تلك إلا بواسطة العلم، العلم الحاصل بالنظر ﴿إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾ (الغاشية: 17–20) النظر إلى الآيات في السماء وفي الأرض، في الآفاق وفي الأنفس، والنظر بالبصر والبصيرة لا يستطيعه إلا عالم، ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: 10).

وحض الرسول، صلى الله عليه وسلم، كذلك على طلب العلم وبين منزلة العلماء وفضلهم على الأمة وما ينالونه من ثواب في ذلك، فنجده عليه السلام يجعل العلم الشرعي الذي يحتاج إليه كل مسلم ليقيم أمر دينه فريضة عليه. فعن أنس أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم، وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر"[1]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "قليل العلم خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء علما إذا عبد الله وكفى بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه"[2] عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين"[3]، أما فضل العلماء فمن الأحاديث ما يجعلهم يقدمون على الشهداء.

 فعن إبان بن عثمان بن عفان أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: ويشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"[4] وعن أبي هريرة أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "للأنبياء على العلماء فضل درجتين وللعلماء على الشهداء فضل درجة"[5].

و"العلماء ورثة الأنبياء"، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة"[6].

إلا أن هذه المراتب السامية للعلماء لا تتأتى بمجرد تحصيل العلم وطلبه وشحن الدماغ به، فلا بد له من إطار خارجي يحقق وجوده، وصورة معينة تعكس حقيقته، وإلا كان وبالا على صاحبه، يجره إلى ما لا تحمد عقباه، فعن ابن المبارك قال: «حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن الهلال قال: قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟[7] وعن أبي الدرداء أنه قال: إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة، أعلمت أو جهلت؟ فأقول علمت، فلا تبقى آية من كتاب الله عز وجل آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة، هل ائتمرت والزاجرة، هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع»[8] وعن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال له:

أتيتك يا رسول الله لتعلمني من غرائب العلم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: ما صنعت في رأس العلم قال وما رأس العلم؟ قال: هل عرفت الرب قال: نعم، قال: فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله. قال هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال ما أعددت له؟ قال ما شاء الله. قال، اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال نعلمك من غرائب العلم،[9] وقال الناظم:

وليس العلم بنافع أربابه ما لم يفد عملا وحسن تبصر

سيان عندي علم من لم يستفد عملا به وصلاة من لم يطهر

فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها لا ترضى بالتضييع وزن المخسر

جهود الصحابة رضوان الله عليهم في تحصيل العلم

انكب الصحابة، رضوان الله عليهم، على القرءان الكريم يحفظونه وينهلون من معينه الذي لا ينضب، فوعوه علما وعملا، وكانوا إذا تعلموا من النبي، صلى الله عليه وسلم، عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، كما استطاعوا من خلال التأمل والنظر أن يستخرجوا من هذا الكتاب علوما ومعارف شتى. بعضها في التفسير وأخرى في اللغة، وثالثة في السير والمغازي، ورابعة في التاريخ بل وفي الطب وعلم الفلك والآثار وغيرها... ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن هذا الكتاب هو المعجزة الخالدة للنبي، صلى الله عليه وسلم، والتي لا زال التحدي بها قائما.

وانكبوا كذلك على حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، يتلقفونه ويحفظونه بل ويقيدونه لئلا ينفلت منهم ويتذاكرونه ليلا يتحرون الصحة فيه ما استطاعوا، وكانوا رغم أعمالهم المعيشية يحرصون على ألا يفوتهم شيء من ذلك، فكانوا يتناوبون مجالس الرسول، صلى الله عليه وسلم، فعن عمر بن الخطاب قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك[10]. وعن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيت منزله، وأرسلت إليه أن جابرا على الباب فرجع إلى الرسول فقال: جابر بن عبد الله، فقلت نعم، فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني، قال، قلت حديثا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "يحشر الله تبارك وتعالى العباد – أو قال – الناس – شك همام، وأومأ بيده إلى الشام، حفاة عراة غرلا بهما. قال: قلنا ما بهما، قال ليس معهم شيء..." الحديث[11].

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار، يا فلان هلم فلنسأل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونتعلم منهم فإنهم كثير، قال: العجب لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجده قائلا، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج قال ابن عباس عم الرسول، صلى الله عليه وسلم، مالك؟ فأقول بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه منك، قال: فيقول: هلا بعثت إلي حتى أتيك، فأقول، أنا أحق أن أتيك[12].

ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى مصر في سبب حديث واحد، وقال سعيد بن المسيب إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام. ورحل الحسن من البصرة إلى الكوفة في مسألة.

ولم يقتصر الأمر على الرجال من الصحابة بل كان للنساء الصحابيات إقبالهن ورغبتهن في تحصيل العلم والفقه في الدين لدرجة أنهن طلبن من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يخصص لهن مجلسا للعلم. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي، صلى الله عليه وسلم، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن[13]. وأمر عليه السلام بتعليمهن ووعظهن، وكل ذلك منه تشجيعا لهن على طلب العلم وتحصيله وتمثله وتبليغه حتى أصبحت المدينة معقل العلم ومربضه، أخرج ابن عبد البر في التمهيد، عن سفيان بن عيينة قال: "من أراد الإسناد والحديث المعروف الذي تسكن إليه القلوب فعليه بحديث أهل المدينة"[14].

وأخرج عن مالك والشافعي قولهما: "إذا جاوز الحديث الحرتين ضعف نخاعه"[15].

تخصصات الصحابة من خلال الحديث النبوي

قال ابن عبد البر في صدر الاستيعاب: (وفيما رواه شيخنا عيسى بن سعيد بن سعدان المقري قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة العامري بالكوفة، قال حدثنا عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يحيى الحماني قال حدثنا أبو سعيد الأعور يعني البقال، وكان مولى لحذيفة، قال أخبرنا شيخ من الصحابة يقال له أبو محجن بن فلان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواها في أمر دين الله عمر وأصدقها حياءا عثمان وأقضاها علي وأقرأها أبي وأفرضها زيد وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". والحديث مخرج من طرق أخرى كحديث أبو قلابة عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ـ وذكر الحديث، إلا أنه لم يذكر" (وأقضاهم علي).

وروي عن زيد بن هارون، قال حدثنا مسلم بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "علي أقضى أمتي وأبي أقرؤهم وأبو عبيدة أمينهم". وروى عمر عنه من وجوه (علي أقضانا وأبي أقرؤنا).

ولعل الحديث الذي جمع أطراف الرواية، ما ذكره ابن عبد البر بسنده: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا سلام عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أرحم أمتي بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياءا عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب وأفرضهم زيد وأقرأهم بكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو هريرة وعاء للعلم، أو قال وعاء العلم. وعند سلمان علم لا يدرك، وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر).

وتناولنا لهؤلاء الصحابة، رضوان الله عليهم، وتخصصاتهم سيكون حسب ورودهم في الحديث، وتركيزنا سيكون على العلوم المهمة والشاملة كالقراءة والفرائض وغيرها، أما ما ورد في الحديث من مميزات بعضهم وخصاله الخاصة كقوة عمر، وحياء عثمان، وصدق لهجة أبي ذر، وغير ذلك، فهذا يمكن تناوله في الحديث عن مناقب الصحابة رضوان الله عليهم في مناسبة أخرى.

ونشير بدءًا إلى أن دراستنا ليست دراسة أكاديمية وثوقية صارمة، وإن لم نغفل ذلك، لأن ما نهدف إليه هو بعث روح معنوية وإيقاظ همم نائمة وتفجير طاقات عقلية معطلة. مستلهمين في ذلك معنويات تراثنا وأصالتنا، منبهين إلى إحدى مكامن القوة في حضارتنا التي دالت أمام التحديات الحديثة والمعاصرة، ذات المنازع والمشارب المختلفة، بعد أن كانت وسيلة تحصين شرعي وثقافي يرد كيد العدو في نحره آخذين العبرة والعظة من أسلافنا رضوان الله عليهم.

وسنترك الكلمة غالبا لحوار النصوص يساجل بعضها بعضا متدخلين متى اقتضى الحال ذلك.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلم الأنساب

لاشك أن الحسب والنسب هو المال والبنون، والرمح والفرش والقرطاس والقلم. كلها من مفاخر العرب في جاهليتهم، وهم أهل العزة والأنفة والشجاعة والإباء والكرم... ولعل أكثر ما تشبثت به العرب في جاهليتها وتحرت فيه العزة والشرف، ورفعة المكانة والقدر، هو النسب. فإما أن يكون النسب وصمة عار في جبين صاحبه تلازمه أبد الدهر فيعير بها، أو يكون له مفخرة يعلو بها شأنه وسط قومه. والإسلام أبطل بعض ما كان عليه العرب في جاهليتهم من عادات وقوم أخرى، وأقر ثالثة. وتعلم الأنساب والحفاظ عليها من الأمور التي أبقاها الإسلام، فقد حث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله عليه السلام: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل متراة في المال منساة في الآثار" رواه أبو هريرة. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ولأبعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة".

واشتهر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعلم الأنساب أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، فقد كان نسابة العرب قبل إسلامه، واعتمد عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في كثير من الواقعات. فمن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لحسان بن ثابت: "لا تعجل وات أبا بكر الصديق فإنه أعلم قريش بأنسابها حتى يخلص لك نسبي".

وقد أورد السمعاني في الأنساب نصوصا طويلة من محاجات ومجادلات أبي بكر رضي الله عنه لفحول العرب في الأنساب والأحساب... نقتصر هنا على بعضها.

ـ عن عكرمة عن عبد الله بن عباس، حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأن يعرض نفسه على القبائل من العرب خرج وأنا معه وأبوبكر رضي الله عنه فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر وكان رجلا نسابة، فسلم فردوا عليه فقال، ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: من هامتها أم من لها زمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى، قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أمنكم عوف الذي كان يقال لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، (وفي رواية زيد) فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال:

إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله

يا هذا إنك سألتنا فلم نكتمك شيئا، ممن الرجل؟ قال: رجل من قريش، قال: بخ بخ أهل الشرف والرئاسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من تميم بن مرة، قال: أمكنت والله الرامي من صفاء الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعي مجمعا، قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الذي كان وجهه قمرا يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال: لا، قال: أفمن المفيضين أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحجاجة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، قال علي، فاجتذب أبوبكر زمام ناقته فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال دغفل:

صادف درء السيل درءا يدفعه يهيضه طورا وطورا يصدعه[16]

ـ قال علي ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم فقال: ممن القوم؟ قالوا: بن شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي وأمي، هؤلاء غرر الناس وفيهم (فلان وفلان أشخاص عددهم)، ثم أخذ يسألهم، كيف العدد فيكم؟ كيف المنعة فيكم؟ كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ وهم يجيبون على ذلك. ثم قالوا: فإلى م تدعو يا أخ قريش. فتقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقام أبو بكر رضي الله عنه يظله بثوبه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإلى أن تؤوني وتنصروني فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد...

ثم نهض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قابضا على يد أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية، ما أشرفها بها، يدفع الله عز وجل بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال (علي) فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال (علي) فقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم.

لا شك أن كل واحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان على قدر من العلم بالأنساب لكن تفوق أبي بكر، رضي الله عنه، جعله يكون الساعد الأيمن للرسول عليه السلام وهو يعرض الإسلام على الوفود من مختلف القبائل والعشائر والبطون والأفخاذ، وهم على ما هم عليه من يقظة ذهن وعمق معرفة وتشبث بالمعتقد والأصالة فكانت عملية زحزحتهم وتحويلهم من هذا الوضع إلى غيره تحتاج إلى جهد كبير في الإقناع والمحاجة والجدال، فكان أبو بكر رضي الله عنه سببا في إسلام معظمهم ودخولهم أفواجا في هذا الدين. بل ونافح رضي الله عنه عن هذا الدين بتوجيهه لحسان بن ثابث وإخباره عن مواطن ضعف القرشيين في أنسابهم ومواطن قوة أهل البيت مما كان يغيض الكفار والمشركين ويزيدهم حنقا وحقدا على الصديق رضي الله عنه.

أما ما ورد عن ابن عباس وعن أبي هريرة، رضي الله عنهم، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل المسجد، فرأى جمعا من الناس على رجل، فقال: ماذا، قالوا: يا رسول الله، رجل علامة، قال: وما العلامة؟ قالوا: يا رسول الله أعلم الناس بأنساب العرب وأعلم الناس بالشعر وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر. فقد تتبع العلماء هذا الحديث وضعفوه خاصة ابن حزم، ليصلوا إلى أن للنسب قيمته وأنه علم ينفع وجهل يضر، والأحاديث والمشاهد التي مرت بنا خير دليل على ذلك. وابن عبد البر أجازه للمتخصص والعالم، ومنعه على الجاهل كما أنه جعله بعد المعرفة بالدين والعلوم الشرعية.

ثم كيف ينهى، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك وهو ينسب نفسه ويعتز بذلك أمام سفهاء قريش وصناديدهم، بل ويسطر ذلك للتاريخ حتى يذكر نسبه الشريف على مر الأجيال، ومن ذلك قوله عليه السلام: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب... وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في الأخير منهما حتى خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نسبا وخيركم أبا. ومن ذلك أيضا قوله، صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا".

وكذلك: "إن الله اصطفى من بين كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم"...

واهتمام الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالأنساب وتشجيعه لأبي بكر، رضي الله عنه، جعل الصحابة يقبلون على هذا الأخير يسألونه ما خفي عليهم من أنسابهم وأنساب العرب والقبائل، وإذا أضفنا إلى هذا كون أبا بكر، رضي الله عنه، من الصحابة الأوائل الذين سايروا ركب الدعوة من أوله إلى آخره، فإنه كان بذلك مصدرا من مصادر السيرة خاصة وأنه انفرد برفقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان كثير من الصحابة سواء ممن فاتتهم بعض المشاهد أو تأخر إسلامهم... يسألونه عن حال رسول الله وسيرته عليه السلام.

فعن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب، مر البراء فليحمله إلى منزلي، فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنت معه[17]. فحدثه أبو بكر، رضي الله عنه، بما كان من أمرهما.

وكان أكثر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سؤالا عن سيرته صغارهم ممن تأخرت ولادتهم.

علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، والعلم بالقضاء

شخصية علي كرم الله وجهه تكاد تلامس شخصية أخرى من الصحابة علما ومنهجا، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه – لكن التقدم الزمني، جعل عليا يحصل قبل ابن عباس بل وكان منبعا ومنهلا لهذا الأخير سينهل وسيستقي منه.

قبل أن يتخصص علي في القضاء جمع من أطراف العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وكشأن باقي الصحابة كان مصدره الأول القرءان الكريم علما وعملا. فعنه رضي الله عنه قال: (ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا طلقا. وعن أبي الطفيل أنه قال أيضا سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل"[18].

وشهد له رسول الله، عليه السلام، بالعلم الواسع والتفقه الكبير، قال صلى الله عليه وسلم: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه" وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء وزيد بن أرقم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم غد يرخم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقال، صلى الله عليه وسلم، وهو يوزع التخصصات بين أصحابه "أقضاهم علي بن أبي طالب". وعن عطاء: كان عمر يقول: علي أقضانا للقضاء وأبي أقرأنا للقرءان". وذكر ابن الأثير في أسد الغابة[19] عن محمد بن إبراهيم الثعلبي المفسر قال: رأيت في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة خلف عليا بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه.

كان أول اختبار كبير لعلي كرم الله وجهه في القضاء لما عينه الرسول، صلى الله عليه وسلم، على قضاء اليمن، فاستعظم الأمر خاصة واليمن فيها الشيوخ والفقهاء، فثبته الرسول، صلى الله عليه وسلم، جاء في طبقات ابن سعد[20]: أخبرنا الفضل بن غبسة الخزاز الواسطي قال: أخبرنا شريك عن سماك عن حنش بن المعتمر عن علي قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن قاضيا فقلت يا رسول الله، إنك ترسلني إلى قوم يسألونني ولا علم لي بالقضاء، فوضع يده على صدري وقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا قعد الخصمان بين يديك فلا تقضي حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول. فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد.

فأصبح القضاء بعد ذلك طوع فكره يحل المشكلات المستعصيات على كبار الصحابة كعمر وغيره. وورد عن عمر من أكثر من وجه، أنه كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن. وكان يردد، لولا علي لهلك عمر.

فقد أمر مرة برجم مجنونة وضعت لستة أشهر، فقال له علي إن الله تعالى يقول: "وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" وقال له إن الله رفع القلم عن المجنون وذكر الحديث، وأراد عمر مرة أخرى رجم امرأة حبلى من الزنا، فقال له علي: إن جعل الله لك عليها سلطانا فإنه لم يجعل لك على ما في بطنها سلطانا.

وكان جمع غفير يسألون عن أشياء في القضاء، فيوجهون السائل إلى علي، ذكر ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المهيب أن عمر خرج على أصحابه يوما فقال أفتوني في شيء صنعته اليوم، فقالوا ما هو يا أمير المؤمنين، قال: مرت بي جارية لي فأعجبتني فوقعت عليها وأنا صائم، قال: فعظم عليه القوم وعلي ساكت فقال: ما تقول يابن أبي طالب؟ فقال: جئت حلالا ويوما مكان يوم. فقال أنت خيرهم فتوى.

وهناك واقعات كثيرة فصل فيها علي بسداد رأيه وعصم بها دماء، كادت تهرق كحادثة سقوط الأربعة في الزوبية التي نصبت للأسد، وقد شد الأول الثاني فأسقطه وشد الثاني الثالث فأسقطه وكذا الرابع حتى صاروا فيها جميعا فماتوا بفعل السقوط وجراحة الأسد لهم. وكاد أوار حرب هوجاء يشتعل بين أرباب القتلى لولا تدخل علي وقضاؤه، بحيث جعل دية الأول 4/1 والثاني 3/1 والثالث 2/1 والرابع الدية كاملة معتبرا في ذلك سقوط الشخص وإسقاطه للغير. وكان من القوم من لم يرض بذلك حتى أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك فأقر ما قضى به علي بن أبي طالب.

وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب[21] واقعة أخرى استحسن نقلها بطولها لما توضحه من دقة قضاء علي رضي الله عنه: عن يحيى بن معين قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زربن حبيش قال: جلس رجلان يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغذاء بين أيديهما مر رجل فسلم فقالا، اجلس للغذاء، فجلس وأكل معهما، واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل، وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذا هذا عوض ما أكلت لكما ونلته من طعامكما، فتنازعا وقال صاحب الخمسة أرغفة لي خمس دراهم ولك ثلاث، قال صاحب الثلاثة، لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، وارتفعا إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه. فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بثلاثة قال: لا والله لا رضيت منه إلا بمر الحق، فقال علي رضي الله عنه: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة. فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، هو يعرض علي ثلاثا فلم أرض، وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن إنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد، قال علي: عرض عليك صاحبك الثلاثة صلحا، فقلت لم أرض... قال الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله. قال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا 3/24 أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتجعلون في آكلكم سواء، قال بلى، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث 3/8 وإنما لك تسعة أثلاث 3/9 وأكل صاحبك 3/8 وإنما له 3/15 خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية 8 ويبقى له سبعة 7 وأكل لك واحدة من تسعة (1 من 9) فلك واحد بواحدك. وله سبعة (7) بسبعته. فقال الرجل رضيت الآن.

وكان علي، رضي الله عنه، يسير في الفيء مسيرة أبي بكر في القسم، وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعبر عن قسمته في يومه ذلك. ويقول: يا دنيا غري غيري، ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء ولا يخص به حميما ولا قريبا ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: ﴿قد جاءتكم موعظة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مومنين، وما أنا عليكم بحفيظ﴾ إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من أعمالنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك، ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: الله إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك[22].

جمع علي ابن أبي طالب إلى العلم القوة أيضا فكان سيفا من سيوف الله على أعداء الدين، شهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد وأبلى ببدر وأحد وبالخندق وبخبير بلاءا عظيما. قيل ولم يتخلف عن مشهد إلا تبوك، فإنه خلفه الرسول، صلى الله عليه وسلم، على المدينة وعلى عياله. وقد آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين في مكة وبين الأنصار والمهاجرين في المدينة وقال في كل واحدة لعلي:أنت أخي في الدنيا والآخرة.وآخى بينه وبين نفسه، وقال عليه السلام يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ليس بفرار، رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه.

زيد بن ثابث رضي الله عنه والعلم بالفرائض

الإمام الكبير شيخ المقرئين والفرضيين ومفتي المدينة، كان يكتب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم الوحي وغيره. وكانت ترد عليه، صلى الله عليه وسلم، كتب بالسريانية، فأمر زيدا فتعلمها في بضعة عشر يوما وكتب بعده لأبي بكر وعمر.

فقد جيء بزيد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبعة عشر سورة، قال: فقرأت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأعجبه ذلك وقال: يا زيد تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي قال: فتعلمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا كتب إليهم[23].

جمع القرءان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمره أبو بكر حين مقتل القراء باليمامة بجمع القرءان. وأخرج البخاري في صحيحه[24]، عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لزيد، إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرءان فأجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرءان. فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فكنت أتتبع القرءان أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال.

حدث عن زيد أبو هريرة وابن عباس، وقرأ عليه وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وسهل بن سعد ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وأبان بن عثمان وغيرهم...

استخلفه عمر بن الخطاب على المدينة ثلاث مرات في الحجتين وفي خروجه إلى الشام، وكان عثمان يستخلفه عليها، أيضا، إذا حج. وكان أحد فقهاء الصحابة الجلة الفراض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرض أمتي زيد بن ثابث). وكان، رضي الله عنه، عالما بالفرائض وما تؤول إليه من تقسيمات وإليه كان يتحاكم الناس في هذا المجال فيفصل بينهم فيطيعون، ولا غرابة إذا ما علمنا قدر زيد أن نعلم أن عمر بن الخطاب، وهو أمير المؤمنين قد تحاكم إليه مع أُبي.

ذكر الذهبي في السير، عن المغيرة عن الشعبي، تنازع ُأبي وعمر في جداد نخل فبكى أبي ثم قال: أفي سلطانك يا عمر، قال: اجعل بيني وبينك رجلا، قال أُبي: زيد، فانطلقا حتى دخلا عليه فتحاكما إليه، فقال بينتك يا أُبي، قال: مالي بينة، قال: فاعف أمير المؤمنين من اليمين، فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه.

قال الزهري، لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض. لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما.

وقال جعفر بن برقان، سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابث كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس.

ونقل الذهبي عن الواقدي، أنه لما حوصر عثمان أخذ يرد الناس عنه وجعل يقول يا للأنصار، كونوا أنصار الله مرتين، انصروه والله إن دمه حرام. فجاء أبو حية المازني معه ناس فأخذ بتلابيب زيد، فمر به ناس من الأنصار فلما رأوهم أرسلوه، وقال رجل منهم لأبي حية، أتصنع هذا برجل لو مات الليلة ما دريت ما ميراثك من أبيك[25].

روى الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله أنه يقول في أخوات لأب وأم وإخوة وأخوات لأب، للأخوات للأب والأم الثلثان فما بقي فللذكور دون الإناث، فقدم مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيهما، فعجبه فقال له بعض أصحابه، أتترك قول عبد الله؟ فقال: أتيت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم، يعني كان زيد يشرك بين الباقين[26].

ذكر الذهبي

عن هشام بن سيرين، قال: حج بنا أبو الوليد ونحن ولد سيرين سبعة، فمر بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابث، فقال هؤلاء بنو سيرين، فقال زيد: هؤلاء لأم وهذان لأم وهذان لأم. قال: فما أخطأ، وكان محمد ويحيى ومعبد لأم.

روى المعتمر بن سليمان عن داود بن أبي هند عن يوسف بن سعد عن وهيب عبدُ كان لزيد بن ثابت، وكان زيد على بيت المال في خلافة عثمان، فدخل عثمان فأبصر وهيبا يعينهم في بيت المال فقال: من هذا؟ قال زيد: مملوك لي، فقال عثمان: أراه يعين المسلمين، وله حق وأنا نفرض له، ففرض له ألفين، فقال زيد والله لا نفرض لعبد ألفين، ففرض له ألفا [27].

قال جرير بن حازم، حدثنا قيس بن سعد عن مكحول أن عبادة بن الصامت دعا نبيطا يمسك دابته عند بيت المقدس، فأبى فضربه فشجه، فاستعدى عليه عمر فقال ما دعاك إلى ما صنعت بهذا، قال أمرته فأبى وأنا في حدة، فضربته فقال اجلس للقصاص، فقال زيد بن ثابت، أتقيد لعبدك من أخيك، فترك عمر القود وقضى عليه بالدية[28].

ولم يكن زيد رضي الله عنه يفتي ويحدث ويفرض إلا بما يعلم، أخرج الذهبي في السير عن الزهري، بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر قال: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم، حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا لم يكن قال: فذروه حتى يكون.

وأيضا عن ابن المديني لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه وقاموا بقول في الفقه إلا ثلاثة زيد وعبد الله وابن عباس. وعن محمد بن عمر بن أبي سلمة أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا.

قال عز الدين بن الأثير في (أسد الغابة)[29] "أخذ الشافعي بقول زيد بن ثابت في الفرائض بناءا على حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأفرضهم زيد".

ولما توفي زيد رثاه حسان بقوله:

فمن للقوافي بعد حسان وابنه ومن للمتاني بعد زيد بن ثابت

أبي بن كعب، رضي الله عنه، والعلم بالقراءة

كان أبي يكتب في الجاهلية قبل الإسلام وكانت الكتابة في العربية قليلة، وكان ممن كتب الوحي للرسول، صلى الله عليه وسلم، قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا.

وذكر محمد بن سعد عن الواقدي عن أشياخه قال: أول من كتب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الوحي مقدمه (لمدينة أبي بن كعب، وكان أبي وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويكتبان كتبه إلى الناس.

شهد أبي العقبة الثانية وبايع النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها، ثم شهد بدرا وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله، قال صلى الله عليه وسلم: "أقرأ أمتي أبي".

عن عبد الله بن رباح عن أبي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر أي آية معك في كتاب الله عز وجل أعظم، فقلت، (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). قال فضرب صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر[30].

وعن أُبي رضي الله عنه أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال له: أمرت أن أقرأ عليك القرءان قال: قلت: يا رسول الله سماني لك ربك، قال نعم، فقرأ علي: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون)[31] وفي رواية أنه لما نزلت ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب...﴾ قال جبريل للنبي، صلى الله عليه وسلم، إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا. فذكر لأُبي، فقال: أو ذُكرت ثمّ يا رسول الله. قال نعم فبكى أُبي.

روى أصحاب السنن عن قتادة عن الحسن البصري أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" وحفظ ذلك سمرة وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبي بن كعب (بالمدينة)، فكان في كتابه إليهما، أو في رده عليهما، أن سمرة قد حفظ.

وأخرج أبو داود في سننه من حديث ابن عمر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة فلبس عليه، فلما انصرف، قال لأُبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك قال الخطابي أراد: فما منعك أن تفتح علي إذ رأيتني قد لبس علي. وفيه دليل على جواز تلقين الإمام.

أخرج الذهبي عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء عن عطية بن قيس عن أبي إدريس الخولاني، أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرأوا يوما على عمر (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فقال عمر: من أقرأكم هذا؟ قالوا: أُبي بن كعب، فدعا به فلما أتى قال: اقرأوا فقرأ كذلك، قال أُبي: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي، ووالله لئن أجبت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئا ولا أقرئ أحدا حتى أموت. فقال عمر: اللهم غفرا، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علما، فعلم الناس مما علمت[32].

وعن الحافظ الذهبي أيضا، أن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب: أقضانا علي وأقرأنا أُبي، وإنا لندع من قراءة أُبي وهو يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" وعنه أيضا أن ابن عباس قال: قال ُأبي لعمر بن الخطاب إني تلقيت القرءان ممن تلقاه من جبريل عليه السلام وهو رطب.

وروى أبو صالح الكاتب، حدثنا موسى بن علي عن أبيه أن عمر خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرءان فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيدا، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذا ومن أراد أن يسال عن المال فليأتني، إن الله جعلني خازنا وقاسما[33].

ووجدت في كتب الصحابة والتراجم عموما اختلافا في وفاة أبي بن كعب رضي الله عنه، وأرى أن أهمية ذكره هنا تتأتى من كونه متعلقا بعملية جمع القرءان في عهد عثمان رضي الله عنه.

قيل إنه مات في عهد عمر بن الخطاب وقيل في خلافة عثمان، والأكثرون على أنه مات في خلافة عمر رحمهما الله. فابن حجر في (تهذيب التهذيب) ذكر الخلاف في وفاته. والظاهر أنه يميل إلى ترجيح وفاته في عهد عثمان باعتبار هذا الأخير قد بعثه لجمع القرءان. وهو نفس الرأي الذي قال عنه الواقدي "هو أثبت الأقاويل عندنا".

وقال محمد بن سعد في الطبقات: حدثنا عارم حدثنا حماد عن أيوب عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت في جمع القرءان. قال: وهو أثبت هذه الأقاويل عندنا".

وقال الحافظ الذهبي: هذا إسناد قوي، لكنه مرسل، وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أبيا، ولو كان كذلك لاشتهر ولكان الذكر لأُبي لا لزيد، والظاهر أن وفاة أُبي في زمن عمر حتى إن الهيثم بن عدي وغيره ذكر موته سنة (19).

وأراني أقرب ميلا إلى ما ذهب إليه الذهبي من غيره للسبب نفسه، وما اشتهر به أُبي، رضي الله عنه، من العلم بقراءة كتاب الله تعالى.

وذكر ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا أيوب عن أُبي قلابة عن أبي المهلب عن أبي بن كعب أنه كان يختم القرءان في ثمان ليال...

معاذ بن جبل والعلم بالحلال والحرام

شهد معاذ العقبة وبدرا والمشاهد كلها، خصه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله: "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل". في الحديث المتقدم. وخطب عمر بالجابية فقال: من كان يريد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل.

قال ابن سعد في الطبقات[34] أخبرنا محمد بن عمر أخبرنا إسحق بن يحيى بن طلحة عن مجاهد أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلف معاذ بن جبل بمكة حين وجه إلى حنين، يفقه أهل مكة ويقرئهم القرءان.

وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرءان وشرائع الإسلام. ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان، صلى الله عليه وسلم، قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضر موت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعري على زبيد وعدن والساحل. وقال عليه السلام لمعاذ، حين وجهه إلى اليمن: بم تقض؟ قال: بما في كتاب الله. قال فإن لم تجد. قال: بما في سنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله[35].

واحتج عمر بن الخطاب رضي الله عنه على خروج معاذ إلى الشام والناس محتاجون إلى فقهه. قال ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أيوب بن النعمان عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: كان عمر يقول حين خرج معاذ إلى الشام، لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به ولقد كنت كلمت أبا بكر أن يحبسه لحاجة الناس إليه. فأبى علي وقال: رجل أراد وجها يريد الشهادة فلا أحبسه...[36].

قال كعب بن مالك: وكان معاذ يفتي بالمدينة في حياة رسول الله، صلى الله عليه، وسلم وأبي بكر.

وكانوا يقولون: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا.

ومعنى الأمة: الذي يعلم الناس الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله.

وكان معاذ كذلك، معلما للناس الخير مطيعا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أبو هريرة، رضي الله عنه، والعلم بالحديث

أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، فكانت يده مع يده يدور معه حيث دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حريصا على كل المجالس لا يكاد يفوته مجلس، فكان يحضر ما لا يحضرون، لاشتغالهم بأمور معاشهم، شهد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالعلم الوافر فقال: "وأبو هريرة وعاء للعلم" وفسر "العلم" المراد في الحديث ب "الحديث" إذ كان مع أبي هريرة حديث كثير لم يكن مع أحد غيره من الصحابة، وقد أورد الحافظ بن عبد البر في جامع بيان العلم روايتين ذكر في إحداهما "العلم" وفي الأخرى "الحديث" قال: عن أبي سعيد المقبري أن أبا هريرة سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه[37].

قال: عن معاوية الهذلي عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله ماذا رد إليك ربك في الشفاعة، فقال: والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من سألني عن ذلك لما رأيت من حرصك على العلم [38]وذكر الحديث.

جاء في الرواية الأولى (حرصك على الحديث) وفي الرواية الثانية (حرصك على العلم) فسمي الحديث علما على الإطلاق، وإطلاق العلم هنا على الحديث كإطلاق الفقه على الحديث، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (نظر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) فسمي الحديث فقها مطلقا. ومما يؤكد أن المقصود من إطلاق العلم على الحديث قوله، عليه السلام، لعبد الله بن عمرو بن العاص، قيد العلم، فقال له: يا رسول الله، وما تقييده؟ قال: الكتاب، فأطلق على حديثه اسم العلم.

جاء في الاستيعاب أن أبا هريرة لما جمع من الحديث خاف على تفلته منه فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني قد سمعت منك حديثا كثيرا وإني أخشى أن أنسى. فقال: ابسط رداءك، قال: فبسطته فغرف بيده فيه ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعده[39].

ولهذا كان الصحابة والتابعون من بعدهم يعتبرون أبا هريرة من المكثرين من الرواية، فيروي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يعجز ويتوقف عن روايته باقي الصحابة، وليس هذا زيادة قول من أبي هريرة أو شبه ذلك، لكنه ثقة في النفس وقوة في الحفظ. وكان يقول ما ذنبي إذا حفظت وضيعوا.

قال ابن حجر في الإصابة[40]: أخرج مسدد في مسنده من رواية معاذ بن المثنى عنه عن خالد عن يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت نعم. إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). قال (أي عمر) : اذهب الآن فحدث. كل هذا جعل أبا هريرة يوجد في طليعة الرواة للحديث، فهو أول الصحابة رواية للحديث. وقيل المكثر من الرواية من زادت مروياته عن ألف حديث. وكان ما حدث به أبو هريرة رضي الله عنه (5630) حديثا، ويليه في الرتبة عبد الله بن عمر بن الخطاب ب (2630) حديثا ولعل الفرق بينهما واضح، وما رواه أبو هريرة هو تقريبا نصف ما حفظه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أما ما لم يروه فنصف آخر مثله احتفظ به.

قال البخاري في صحيحه[41]حدثنا إسماعيل قال، حدثني أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعائين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.

وقال البخاري، روى عنه أكثر من 100 رجل من بين صاحب وتابع، وممن روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس... وغيرهم.

ونترك أبا هريرة أخيرا يعلل لنا سبب إكثاره من الرواية وموقف بعض الصحابة من ذلك ومآخذتهم له، بما أورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم والبخاري كذلك في الصحيح[42]عن الأعرج، أن أبا هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ثم تلا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾ و﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى... إلى قومه الرحيم﴾. ثم قال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله، يشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون. زاد البخاري ويحفظ مالا يحفظون. فكان يعمل على نشر حديث رسول الله وسيرته بل وما استفاد من ملازمته له، دون أن يمنعه عن ذلك مانع.

خاتمة

أهم شيء يمكن استخلاصه من خلال جولتنا بين هذه التخصصات المختلفة لهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، قاعدة منهجية عامة لم يحد عنها واحد منهم، وهذه القاعدة تتكون من العناصر التالية:

ـ اعتبار القرءان الكريم منبعا للعلم والمعرفة وأول مصدر ومرجع لهما.

ـ الوقوف على جزئيات وكليات السنة النبوية والاستفادة من سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم.

ـ عرض الحوادث والواقعات على الكتاب والسنة، وقبول ما يوافقهما، ورد ما يخالفهما وعدم قبول شيء من أحد إلا مفسرا ومبينا حيث لا يبقى معه غموض أو ارتياب، وقد رد على عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين ورُد على علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين حتى بينا ما ذهبا إليه.

ـ الجهد الذاتي في طلب العلم وتحصيله وتحمل المشاق والصعاب والتضحية بالنفس والأهل والمال في سبيل ذلك. ولعل هذا راجع إلى يقينهم بثواب ما يسعون إليه مع إخلاص النية والقصد في طلبه خدمة لهذا الدين، فقدموا ضرورة العلم والتعلم على كل اعتبار مادي.

لعل هذه النقاط الأربع كافية لتشكيل وصياغة جيل تبوأ مركز القوة والإشعاع الحضاري، جعله يرد بسهولة كل دخيل ويكشف وببساطة كل عيب دفين...

ولا يسعنا إلا أن نقول إننا في وقتنا الراهن، بما نعيشه من فتن ومفاسد وانحرافات تتفاوت درجة خطورتها من مجال لآخر، في حاجة أكثر إلحاحا إلى هذا النوع من التخصص والوقوف على تلك النقاط الأربع علما وعملا.

فنحن نعيش عصرا سلبت فيه الأمة الإسلامية هويتها وضاعت ذاتها أمام موجات عاتية من الغزو الغربي، التي استطاعت أن تملك النفوس وتوجه العقول والأفكار داخل هذه الأمة ومن طرف أبنائها، فكان أن أهمل هذا التراث وعمل على طمس معالمه وتشويه حقائقه فأصبح تاريخنا منذ العهد النبوي تاريخ دماء وحروب، وفتن سياسية وصراعات طبقية لا غير. أما الحضارة الإسلامية التي أرسى قواعدها الرسول، صلى الله عليه وسلم، واستكمل بناءها أصحابه وتابعوهم من بعده، فلا نكاد نجد لذلك ذكرا إلا من قليلين منصفين.

ولا شك أن عملية التخصص في مجالات مختلفة من العلوم والمعارف داخل هذا التراث لفرز فاسده من جيده وصحيحه من سقيمه وإبراز المركز الحضاري المشع لهذه الأمة، هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى للإفادة منه راهنا، خاصة وأن التراث الإسلامي أو التاريخ الإسلامي على الخصوص، أصبح موضوعا مشتركا ومجالا للدراسة بين فئات من أصحاب الأهواء والإيديولوجيات. فالحاجة اليوم أكثر إلحاحا والضرورة إليه أشد.

الهو امش

 


1. أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله طبعة دار الفكر.

2. المرجع نفسه.

3. المرجع نفسه.

4. أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله طبعة دار الفكر.

5. المرجع نفسه.

6. أخرجه البخاري–كتاب العلم.

7. جامع بيان العلم.

8. المرجع نفسه.

9. المرجع نفسه.

10. فتح الباري (كتاب العلم–باب التناوب في العلم).

11. جامع بيان العلم–ص 112–انظر كذلك صحيح البخاري (كتاب العلم–باب الخروج في طلب العلم).

12. جامع بيان العلم (ص103).

13. انظر صحيح البخاري: كتاب العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم. وكذلك باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن وباب: تعليم الرجل أمته وأهله.

14. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد–ابن عبد البر، جمع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب. تحقيق ذ. مصطفى بن أحمد العلوي.

15. ذ محمد عبد الكبير البكري ط2/1402-1982- ج1 ص79-80.

16. السمعاني –الأنساب (تحقيق عبد الرحمن اليماني) ج 1/ص 62–63-64.

17. الإمام أحمد–المسند –ج1 ص5.

18. طبقات ابن سعد، ج2/337.

19. ج3/588.

20. ج2/337 (ترجمة علي).

21. ج3، باب علي (ترجمة علي بن أبي طالب).

22. الاستيعاب، ج3/باب علي (ترجمة علي بن أبي طالب).

23. سير أعلام النبلاء ج2/538.

24. فتح الباري ج9 كتاب فضائل القرءان (11)–باب جمع القرءان(3).

25. سير أعلام النبلاء، ج2/436.

26. نفسه ص437.

27. الاستيعاب ج2/537 (ترجمة زيد).

28. سير أعلام النبلاء ج1 (ترجمة زيد).

29. أسد الغابة ج2/127.

30. الاستيعاب ج1، ترجمة (أبي).

31. المرجع نفسه، ص 67.

32. سير أعلام النبلاء 1/396 وقال الذهبي: رجاله ثقات وأخرجه الحاكم 2/225 وذكره السيوطي في الذر المنثور 6/79.

33. رواه الواقدي عن موسى أيضا، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج1 (ترجمة...).

34. الاستيعاب، ج3/1402.

35. الطبقات، ج2/348.

36. ابن عبد البر–جامع بيان العلم وفضله ج2/33.

37. المرجع نفسه.

38. الاستيعاب ج4/1768 (أبو هريرة).

39. الإصابة 8/440.

40. فتح الباري (ج1) كتاب العلم باب حفظ العلم.

41. جامع بيان العلم (116).

42. فتح البار (ج1) كتاب العلم–باب حفظ العلم.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الإكراه البدني في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي

الإكراه البدني
في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي

إن المرحلة التي يعتبرها المتقاضون حاسمة في الدعوى التي يقيمونها لدى المحاكم للمطالبة بحقوقهم هي مرحلة التنفيذ. والتنفيذ بوجه عام هو الوفاء بالالتزام، والأصل أن يقوم كل مدين بتنفيذ التزاماته اختياريا والوفاء بها طوعا دون تدخل السلطة لإجباره على الوفاء بما ألزم به، لكنه إذا ماطل في ذلك جاز للدائن الذي صدر الحكم لفائدته أن يلجأ إلى السلطة المختصة لإجبار المدين على ...

من أعلام التصوف المغربي أبو عبد الله الشطيبي (ت 963ﮪ)

من أعلام التصوف المغربي
أبو عبد الله الشطيبي (ت 963ﮪ)

لم تسعفنا كتب التراجم بأخبار شافية ومفصلة عن شخصية الشطيبي، الذي انتهت إليه زعامة العلم وريادة التصنيف، رغم أنه كان قبلة أنظار الأساتذة والطلبة، تقرب إليه الحكام فرفض، وأسندت له المناصب فأبى، حببت له نفسه التأليف في مختلف فنون المعرفة، وذاع صدى كتبه، وانتشر خبره في الآفاق، فكان من الإنصاف أن يكون لهذا العالم الفذ والصوفي المتبحر تاريخ حافل بالأخبار...

العمل والعمال في نظر الإسلام من خلال قراءة في كتاب العمل والعمال في نظر الإسلام لعطية صقر

العمل والعمال في نظر الإسلام
من خلال قراءة في كتاب العمل والعمال
في نظر الإسلام لعطية صقر

 المناسبة شرط كما يقولون، فبالأمس القريب احتفلت الطبقة العاملة بعيد الشغل كما جرت العادة للاحتفال به غرة شهر مايو من كل سنة، وهو تقليد غربي، سرعان ما ثار عالميا. وكان الأجدر أن تنبثق هذه الفكرة من العالم الإسلامي، نظرا لتكريم الإسلام للعامل، قبل صدور قوانين العمل الوضعية بمراحل..