4 ربيع الأول 1439 / 23 نونبر 2017
من أرشيف الإحياء

العلامة المقرئ عبد الله بن العباس الجراري وجهوده العلمية في الدراسات القرآنية
العلامة المقرئ عبد الله بن العباس الجراري
وجهوده العلمية في الدراسات القرآنية

ذ. مصطفى الجوهري

(العدد 11)

 

إن العلامة المقرئ سيدي عبد الله الجراري يشكل طليعة الشخصيات المغربية التي ساهمت في إرساء أرضية صلبة، قواعد جادة للثقافة المغربية الحديثة عن طريق الجهاد العلمي والديني والتعليمي والوطني يؤكد ذلك عطاؤه الفكري المتفتح على شتى ثمرات المعرفة وحقولها، وسيحاول هذا المقال المتواضع أن يتوقف قليلا عند جهوده في خدمة الثقافة الإسلامية، وبالتحديد جهوده العلمية في خدمة القرآن الكريم، ومن خلال تأمل وتفحص تراثه حول مباحث القرآن وعلومه نستطيع القول إن العلامة المقرئ عبد الله الجراري رجل القرآن.

لا يخفى على أحد ما تشكله المباحث القرآنية من أهمية وصعوبة في نفس الآن، لا يقوى على الخوض فيها إلا من يهوى ركوب المشاق والصعاب، ويتحلى بالصبر والأناة والفهم الدقيق، ولعل العلامة عبد الله الجراري واحد من هؤلاء، فقد كانت له رحمه الله، قدرة عجيبة على التحمل والصبر الطويل والإفادة والبحث في العلوم المعقدة خدمة لقضايا الإنسان الفكرية والثقافية والعقدية، ولست أزعم لنفسي الإلمام بمثل هذا النوع من الدراسات رغم اقتناعي بأن الدرس القرآني من صميم الدراسة الأدبية ولكن سأحاول أن أقدم كلمة متواضعة حول كتابات المرحوم المتعلقة بالقرآن وعلومه وفنونه، فقد بذل العلامة الجراري جهدا عظيما يتصل بالدراسات الإسلامية المنبثقة من القرآن: من مستويات مختلفة تاريخية وتربوية وخطابية ولغوية وفتاوية... إنه لا شك كان من دعاة الفضيلة المتشبعين بأخلاق القرآن الكريم الداعين إلى تمثل حكمه وصفاته وآداب معاملاته، إن وقفة قليلة حول ما أنجزه المرحوم تكفي للتدليل على صحة هذا الوصف والتأكيد بكونه رجل قرآن. ففي موضوع التجويد أنجز الدراسات الآتية:

1. كتاب متعة المقرئين في تجويد القرآن المبين وهو الكتاب الذي سنتناوله بالدراسة فيما بعد.

2. دروس في التجويد.

3. القرآن وتلاوته بين المقروءات.

4. من عناية حفاظ القرآن.

5. في التجويد.

6. بعث قراءة الكتاب على القراءة الصحيحة.

7. آداب تلاوة القرآن.

8. في تجويد الكتاب المقدس.

9. التغني بالقرآن والتطريب. 

أما التفسير والدراسات القرآنية فأنجز فيها الأعمال الآتية:

1. محاضرات في التفسير عددها ثلاثون ألقاها بالإذاعة المغربية خلال شهر رمضان 1960.

2. القرآن أمام التاريخ.

3. لا دستور صالح للبشرية جمعاء كالقرآن.

4. القرآن آية الله الخالدة.

5. القرآن وذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزوله.

6. الرجوع إلى القرآن.

7. إعجاز القرآن.

8. العناية بالقرآن وخدمته.

بالإضافة إلى ما كتبه حول المصحف الحسني.

1. ملاحظات حول المصحف الحسني.

2. أعود بدافع ملح إلى الحديث عن المصحف الحسني.

3. رد على مقال يتعلق بتصحيف مزعوم عن المصحف[1].

وأخيرا المعجم القرآني: بمشاركة لجنة علمية ملكية أنجز المرحوم الجراري من هذا المعجم حروف: الصاد والضاد والواو والياء والهاء والذال والخاء والتاء ولعله الوحيد، فيما أعلم، الذي أنجز هذا العدد من أحرف المعجم بمفرده، ويعتبر المعجم من أبرز أعماله، فقد سلك فيه منهجا دقيقا خاصا في التفسير المعجمي[2]. إن كتابات المرحوم عبد الله الجراري حول القرآن الكريم والعناية بدراسته وإقرائه وترتيله تمثل رصيدا معرفيا غنيا بالطروحات الفكرية والقيم الروحية المؤثرة والتي ما تزال موضوعاتها حديث العلماء ومجالس الباحثين، لأنها ساهمت في تعهد كتاب الله عز وجل، وتعميق الرؤية فيه وصيانته من المتغيرات الدخيلة.

فاهتمامه، رحمه الله، بالقرآن المبين ينطلق من مقومات ذاتية وأخلاقية وتربوية، تتفاعل بين شخصيته وكتاب الله تفاعل القلب والروح والإيمان العميق المطلق بمقوماته ودلالات أفكاره الدينية والدنيوية والحضارية المتجددة. ومن هنا كانت إنجازاته المتعددة للدرس القرآني التي بلورت مظاهر ثقافته القرآنية المتميزة، ولعل ارتباط العلامة عبد الله الجراري بمباحث القرآن يتجاذبه، أيضا، إحساس عميق بقيمة هذا الكتاب الذي جاء ليشرع للبشرية ويواكب معالم تطوراتها، هذا الإحساس، يستوعب في الواقع العمق الجوهري للشريعة الإسلامية بصورة عامة، ومن هذا الاستيعاب والفهم والإسهام استحق "العالم المجاهد" عبد الله الجراري أن يكون بحق رجل القرآن، فما هي الدوافع الخفية التي وجهت المرحوم نحو الدراسة القرآنية وعنايته بإقراء القرآن وترتيله؟

يبدو لي من خلال مصاحبتي لكتاباته أن هناك دوافع كثيرة، ويمكن إيجاز بعضها في العناصر التالية:

فبالإضافة إلى ما أثاره كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه، صلى الله عليه وسلم، من توجيه متقن للدراسة القرآنية وتأثره بها يمكن أن نضيف:

1. تشبع العلامة الجراري بالثقافة الإسلامية، وتعلقه بعلوم القرآن.

2. بصمات شيوخه وأساتذته خاصة أن بعضهم يعتبر مدرسة قرآنية متفردة.

3. دور المجالس والأندية الأدبية والعلمية وما كانت تثيره من قضايا قرآنية وإسلامية وحضارية.

4. ما روجه علماء السلف حول موضوع نزول القرآن على سبعة أحرف وتباين القراءات[3].

5. اتباعه والتزامه السنة النبوية، فكان اهتمامه بقراءة نافع برواية ورش المصري.

6. اختلاف طرق الأداء ونبرات الأصوات ومخارج الحروف في اللهجات المغربية.

7. ضعف رواية القراءة بمدن المغرب عامة، وخاصة خلال بدايات هذا القرن[4].

ومهما تعددت الدوافع فإنه ليس غريبا أن يكون المرحوم متمكنا من فن القراءات مهتما بدراسة القرآن وإقرائه، فله مع القرآن العزيز رحلة العمر منذ الطفولة إلى آخر يوم من حياته رحمه الله. هذه الرحلة تبتدئ من سن الثالثة يوم أدخله والده سيدي عباس رفقة أخيه سيدي محمد[5] - رحمهما الله – إلى كتاب الفقيه الدغيمر الرباطي[6]، ثم بكتاب الفقيه الحسن الجبلي[7]، فكتاب الحاج محمد التركي[8]. وكتاب الفقيه محمد الشياظمي الرباطي[9]، وكتاب الفقيه الأديب محمد المهدي متجنوش[10]. وبعد استظهار القرآن كله حفظا ورسما وتلاوة في سن مبكرة، طعمه بتلاوة الحزب وتراويح شهر رمضان من أجل الإتقان والتركيز والإبقاء عليه في الصدور، تحول ليدرس فن القراءات على يد الأستاذ المكي بن أحمد بربيش الرباطي الذي أجازه في القراءات[11].

هكذا يتضح أن والده، رحمهما الله، حرص على أن يعلمه القرآن ليتفقه فيه وينافس من خلاله أقرانه ويحقق مجدا علميا يذكره التاريخ بعده.

ولعل اهتمامه ووعيه بالقرآن الكريم خلاصة لما عاناه ولاحظه هو نفسه خلال طفولته من كون "حفاظ القرآن الكريم ممن بعدوا عن العلم والآداب الشرعية وما يجب عليهم سلوكه في تربية الأبناء، سامحهم الله"[12]، "وكون الطريقة التلقينية في مراحل شاقة يقطعها الأطفال في الكتاب تستغرق سنوات وسنوات"[13]، ومظاهر الجفاوة والقساوة التي كان يتعامل بها التلاميذ الحفاظ في سن مبكرة، وما يعرف "عن جمود المعلم القرآني البعيد عن الثقافة مع اغترار الآباء والأولياء وتسليمهم الإرادة لأمثال هذا المعلم المتحجر الفكر الذي يجعل نصب عينيه حاجته الشخصية في المقدمة، مضحيا بمستقبل الأجيال الناشئة"[14]. يضاف إلى وعيه القرآني جهاده العلمي في وضع نظريات التجويد وفنونه خاصة وأنه أول عالم فقيه ألزم بإقراء القرآن وترتيله عبر الأثير خلال الثلاثينات وبداية الأربعينات حين ظهر أول قسم للبث الإذاعي بالرباط قبل تأسيس دار الإذاعة الوطنية، فكان مقرئا من طراز رفيع أعجب به الملك الصالح محمد الخامس طيب الله ثراه الذي أثنى عليه وشجعه بالعناية بالترتيل[15]، واختاره مفتشا للتعليم القرآني، وأحدثت شهادة قرءانية لمن يستظهره، وتوجهت جهوده إلى تجديد الكتاتيب القرآنية والعناية بها لمسايرة تطور الثقافة الإسلامية ولحاقها بالركب موضوعا ومنهجا وإقراءً، كان إذن، رحمه الله، أول من حقق للمغرب إسماع الصوت القرآني مرتلا ترتيلا يلتزم قراءة نافع برواية ورش، وهي القراءة التي حافظ عليها المغاربة، رغم صعوبتها، لأنها ترتبط بالسنة النبوية، وتتوافق مع المذهب المالكي المعمول به في المغرب[16]. هذا السبق التاريخي فتح الباب لظهور مواهب جديدة في فن الترتيل تستنير بعلمه وصوته ومدرسته القرآنية أمثال صديقه في الجهاد أستاذنا العلامة الحاج عثمان جوريو، ومولاي الشريف العلوي، وعبد الرحمن بن موسى، ومحمد الحياني الجابري، ومحمد العوني، وعبد الحميد احساين، وأحمد العلمي والطيب كحل العيون[17]، عدا العدد الكبير من طلبته الذين درسوا عليه أصول هذا الفن، عزز هذه المدرسة بالبحث في فن القراءات وطرق التجويد، ومن أهم ثمرات بحوثه كتابه القيم: (متعة المقرئين في تجويد القرآن المبين)[18]، ضم الكتاب مدخلا وموضوعا وخاتمة/مقدمة، متن، ملحق/وبين ثنايا الكتاب جملة وافرة من التوضيحات والشروحات والتنبيهات والفوائد والتكميلات والالتفاتات والهوامش التي من شأنها أن تزود القارئ بالذخيرة الجامعة من المعارف العلمية والتاريخية المرتبطة بالقراءات وفن التجويد والرسم القرآني.

ففي المدخل الذي اقترب من ثلاثين صفحة يكشف الكاتب عن الغاية من وضع كتابه وما يتحتم معرفته في فن القراءة وأسرار التلاوة، وما يتطلبه هذا الفن من مقادير علمية ضرورية للحفاظ على سلامة القراءة القرآنية، لاسيما وأن هذا الفن مختص بكتاب الله المبين وما يمثله من خصوصيات ونفحات روحية، جعلت علماء القراءات ورواتها وشيوخها يساهمون في تأسيس قواعد فن التجويد.

ويتناول الدارس في هذا المدخل/المقدمة بالشرح والتحليل ثلاثة مواضيع أساسية ينبغي للمقرئ أن يكون على علم بها قبل الشروع في تلقي أصول هذا الفن وهي: تجويد القرآن وترتيله وأنواعه وحكم اللحن فيه، ثم معرفة مبادئه ومواقفه[19]. ويناقش موضوعا له أهميته وحضوره لدى العديد من المهتمين والقراء خاصة في مختلف المجتمعات الإسلامية منذ عصور خلت وهو موضوع التطريب في القرآن والتغني به[20]. ويرى أن التغني المقصود به تحسين الصوت وترقيق القراءة وتحزينها والجهر بها خلافا لما يفهمه بعض القراء اليوم بل الكثير منهم أن التغني بالقرآن هو إتباع الأصوات والأنغام والأهواء الميالة إلى الألحان الموسيقية مما يتناقض والترتيل المرغوب فيه واللائق بقدسية الكتاب العزيز.

ويعرض المرحوم جملة من (المبتدعات في التلاوة)[21] التي يجب الابتعاد عنها كالترقيص والإشارة باليد وتحزين القراءة اصطناعا للخشوع، وتشديد الهمزة، ويبسط أيضا بعض الفوائد التاريخية المتعلقة بالرسم القرآني ومعجزاته وعلمائه ورجال القراءات، واضعا بيبيوغرافيا شاملة للعلماء المغاربة الذين اهتموا بهذا الفن ضمت قرابة ثمانين شخصية ودراسة ما تزال تستغيث لتخرج من حكم المخطوط إلى المطبوع، وكأنه رحمه الله يشير إلى ضرورة إخراج هذا التراث والالتفات إليه، والإفادة منه في زمن استبدت به علوم دنيوية مختلفة، وتؤكد من جانب آخر (العناية بالقرآن الكريم وعلومه في المغرب)[22]. ومن بين تلك الفوائد[23]:

ـ الإشارة إلى الأهمية العلمية للتفسير وعلومه.

ـ المكانة الاجتماعية المرموقة التي كان يحظى بها رواد القراءة والتدريس. 

ـ جهود العلماء في رسم وضبط الحرف القرآني وإقرائه.

ـ مشروعية الاحتجاج بعلم القراءات في مجال اللغة والنحو.

ـ تنزه المؤمن عن الحكايات الفكاهية من القرآن الكريم.

- فضيلة القراءة في المصحف بدل الاستظهار القلبي.

- القراءة الشاذة أو المتممة للقراءات السبع المعروف.

- الرموز القرآنية التي تفتتح بها بعض السور كوجه من وجوه الإعجاز.

ويختم المدخل بتقسيم القراء إلى أربعة أصناف وفق الحديث النبوي المعروف[24].

- المؤمن الذي يقرأ القرآن، والذي لا يقرأه.

- المنافق الذي يقرأ القرآن، والذي لا يقرأه.

ويقدم المرحوم الجراري في الموضوع المتن/تعريف مصطلح التجويد وذكر بعض مبادئه وقواعده وضوابطه وفوائده وحكمه[25].

وقبل أن يحدد قواعد التجويد ومباحثه يبسط قضيتين تعترضان كل مقرئ للقرآن، وهما مسألتا الاستعاذة أو التعوذ والبسملة، بعدها يستعرض مباحث موضوع الكتاب، وهي مباحث طويلة، تسعة منها أساسية وأخرى مكملة:

1. مبحث مخارج الحروف وصفاتها[26].

2. مبحث صفات الحروف وأنواعها.

3. مبحث الممدود وأصنافه.

4. مبحث الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء.

5. مبحث الفتح والإمالة.

6. مبحث الراء تفخيما وترقيقا.

7. مبحث السلام ترقيقا وتغليظا.

8. مبحث الوقف بالروم والإشمام.

9. مبحث الابتداء.

أما المباحث المكملة فهي:

1. حكم ياءات الإضافة عند قالون وورش.

2. هاء (هو) و(هي) من ضمائر الرفع المنفصلة.

3. أحوال الباء كسرا وضما.

4. الاختلاس، ومباحث أخرى مختلفة.

وفي الخاتمة الملحق/أضاف موضوعات تتصل بـ[27].

ـ أسباب تسمية القرآن وما اشتق منه.

ـ تاريخ المصحف العثماني واستنساخه وتوزيعه وتدوينه.

ـ أهمية المدارس القرآنية وبعض رجالها بمدن المغرب، ومساهمتها في نشر تعليم القراءات والنهوض بفن التجويد.

ـ أجوبة عشرة عن أسئلة في التجويد وردت عليه من الشيخ جلال الحنفي من بغداد.

إن القراءة المتأنية لهذه المباحث تظهر جليا أن دراسة الأستاذ عبد الله الجراري شديدة الصلة بما يعرف في العلم الحديث بالبحث (الفونولوجي) أو (علم الأصوات) أو (الصوتيات) العلم الذي يبحث في (أثر الصوت اللغوي في تركيب الكلام نحوه وصرفه) أو (العلم الذي يخدم بنية الكلمات وتركيب الجمل في لغة من اللغات)[28] بل هي من جانب آخر طرح علمي لعلوم اللسان العربي، نستخلص منها أن الإنسان المسلم لا بد له أن يتقن القرآن: ﴿ورتل القرءان ترتيلا﴾ (المزمل: 4). ﴿قرءانا عربيا غير ذي عوج﴾ (الزمر: 28). معنى ذلك أن القرآن الكريم يوصي بالقراءة الفصيحة الصحيحة عن طريق النطق السليم وإدراك صوتيات الحروف لما له من دور في صيانة القرآن وتحقيق حفظه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9). وإتقان هذه الصوتيات لا يتم إلا من خلال عملية تدريبية وفق قواعد فن الإقراء وأئمته.

فالعلامة الجراري عمد في دراسته إلى ضبط قواعد القراءة وتحديد مباحثها وفق منهج محدد مرسوم يرشد المقرئ إلى تمثل الأصوات العربية تمثلا دقيقا وصحيحا بعيدا عن اللحن ومبتعدا عن الإثم والضلالة. ومع ذلك فإنه يرى ضبط منهج الترتيل وقواعده، كالتفخيم والترقيق والمد والقصر والإدغام والإظهار والإخفاء والروم والإشمام والإبدال والنقل والإقلاب والحذف والإثبات والإلحاق والإمالة وتخفيف الهمزة وغيرها، لا يمكن أن تحكم إلا عن طريق التلقين الشفوي، إنه فن لا يتلقى بالقواعد المسنونة حوله، بل هو علم يتلقى من أفواه الشيوخ المحنكين في الفن"[29] كما يقول رحمه الله، ومن ذلك كانت مساهمته الجليلة ضمن (رابطة المجودين) وتدريس هذه المادة "بدار القرآن" ومشاركته الفعالة في مباريات التجويد منذ نشأتها بالمغرب[30] وخارجه[31]، باعتباره عالما بارزا ثقة فصيحا متخصصا في فن القراءات، بل مرجعا يسترشد به من التصحيف، وضبط مخارج الأصوات لتدليل الصعاب، وتوضيح المراد، وتيسير التعلم والانضباط[32].

إن رجلا كالعلامة المقرئ عبد الله الجراري الذي تعلق بالقرآن وصار من أتباعه يقرأه ويرتله ويدرسه ويفسره ويقرئه الناس ويفقههم فيه حقق بذلك الدرجة التي وصفها الرسول، صلى الله عليه وسلم، لرجل القرآن في أحاديثه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"[33]، "وأشراف أمتي حملة القرآن"[34] و"أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن"[35].

الهوامش

 


1. انظر كتاب (العالم المجاهد عبد الله بن العباس الجراري للدكتور عباس الجراري) ص102 وما بعدها.

2. بمشاركة الأساتذة: محمد بن تاويت، محمد العابد الفاسي، إدريس الإدريسي القيطوني، الحاج أحمد بنشقرون، عبد السلام الفاسي، الدكتور التهامي الراجي وغيرهم.

3. الأشهر أنها لغات: قريش، هذيل، ثقيف، هوزان، كنانة، تميم، اليمن.

4. يذكر المرحوم في مذكراته أن الرباط مثلا لم يكن يعرف غير ثلاثة أو أربعة من الفقهاء المقرئين وهم: محمد المدور، المكي بن أحمد بربيش وولده محمد، وتواضع رحمه الله عن ذكر اسمه، أما سلا فكان لها اثنان من القراء: سعيد بن الحسن الناصري وأحمد بن محمد الصبيحي (هذه مذكرتي) ج 1 ص265-266.

5. توفي رحمه الله في 28 مارس 1938 انظر أعلام الفكر المعاصر بالعد وتين ج 2 ص422.

6. يقع أمام الزاوية الناصرية بحي بوقرون.

7. يقع قرب ضريح سيدي الحسن بن سعيد ببوقرون.

8. يقع بدرب مولاي عبد الله.

9. يقع قرب جامع مولاي سليمان.

10. خصه المرحوم الجراري بدراسة مستقلة ضمن "شخصيات مغربية"وهو السادس ضمن السلسلة 1982.

11. هذه مذكرتي ج 1 ص22–23 ومن أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين ج 2 ص463.

12. هذه مذكرتي ج 1 ص9.

13. المرجع نفسه جزء 1 ص10.

14. المرجع نفسه جزء 1 ص17.

15. المرجع نفسه جزء 1 ص109 و (العالم المجاهد عبد الله بن العباس الجراري) شخصيات مغربية للدكتور عباس الجراري ص63.

16. من أراد أحسن القراءات فعليه بقراءات أبي عمرو، ومن أراد الأصل فعليه بقراءة ابن كثير، ومن أراد أفصح القراءات فعليه بقراءة عاصم، ومن أراد أغرب القراءات فعليه بقراءة ابن عامر، ومن أراد الأثر فعليه بقراءة حمزة، ومن أراد أظرف القراءات فعليه بقراءة الكسائي، ومن أراد السنة فعليه بقراءة نافع/غاية النهاية في طبقات القراء ج 1 ص75 لشهاب الدين بن الجزري.

17. من حديث إذاعي أجراه مع المرحوم /الأستاذ عبد الحميد احساين بمناسبة ذكرى مرور 50 سنة على تأسيس دار الإذاعة.

18. مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 1981.

19. كتاب: متعة المقرئين ص7 وما بعدها.

20. المرجع السابق ص11 وانظر مقالة الأستاذ محمد المنوني مجلة دعوة الحق ع 2 ص21 أبريل 1980.

21. المرجع نفسه، ص12.

22. المرجع السابق ص20 وما بعدها.

23. انظر المرجع السابق ص13–19.

24. المرجع السابق ص27.

25. المرجع السابق ص31. وما بعدها.

26. انظر هذه المباحث في كتاب (متعة المقرئين) بين ص33–82.

27. المرجع السابق ص87 وما بعدها.

28. الأصوات اللغوية د. إبراهيم أنيس ص5.

29. متعة المقرئين ص8.

30. انظر كتاب "العالم المجاهد" شخصيات مغربية 7 للدكتور عباس الجراري ص64–65.

31. من بينها مثلا مشاركته بماليزيا في يوليوز 1980.

32. من إسهاماته رحمه الله: (رابطة علماء المغرب/جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/والمجلس العلمي للعدوتين الرباط وسلا–وعدة جمعيات ثقافية).

33. رواه البخاري في صحيحه.

34. رواه الطبري في الكبير.

35. أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان).



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

موقف أبي بكر ابن العربي من تصوف شيخه أبي حامد الغزالي

موقف أبي بكر ابن العربي من
تصوف شيخه أبي حامد الغزالي

للغزالي في تاريخ الفكر الإسلامي مكانة ما نحسب أنها كانت لغيره من مفكري الإسلام، وهو كسواه من العلماء لابد أن يختلف الناس في تقويمه ما بين مادح وقادح، فإذا كان له ذلك الدور البارز في نقض الفلسفة وبيان تهافتها ودور آخر في الرد على الباطنية وإبراز فضائحها،فإنه بدوره لم ينج من نقد معاصريه ومن أتى بعده في كثير من جوانب حياته الفكرية المتميزة.

قراءة في قراءات "جدلية" للنص القرآني

قراءة في قراءات
"جدلية" للنص القرآني

معلوم أن علماء الإسلام قد وضعوا شروطا علمية، وضوابط منهجية طوقوا بها النص القرآني، ولا بد للمفسر أو المؤول من تحصيلها حتى تكتمل أهلية التفسير عنده، وحتى يبقى التفسير عموما منضبطا بضوابط الشرع ومقاصده العامة، دونما حجز على العقول أو وصاية على الاجتهاد، ولا شك أن تجاوز هذه الشروط والضوابط يؤدي إلى نوع من الإغراب في التفسير أو الشذوذ عن أصول الشرع ومقاصده.

العلامة الشيخ عبد الله كنون مفسرا

العلامة الشيخ عبد الله كنون مفسرا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم...