28 رمضان 1438 / 23 يونيو 2017
جديد الكتب

مظاهر التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر
مظاهر التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر

إعداد: ذ. خالد رابح

باحث مساعد بالوحدة العلمية لمجلة الإحياء/الرابطة المحمدية للعلماء

ينطلق الباحث د. محمد الفران في كتابه "مظاهر التجديد في الخطاب الديني الإسلامي المعاصر" (2007) من كون تجديد الخطاب الديني قضية مركزية في الفكر العربي الإسلامي منذ بناء الدولة الإسلامية، وأن العودة إليه أصبح ضرورة داخلية عضوية تقتضي الرجوع إلى منهج الوسطية والاعتدال والسمو الروحي في القضاء على التخلف، واللحاق بالركب المجتمعي الحضاري التي تنشده البلدان الإسلامية.

وفي هذا السياق دعا الفران إلى تجديد يؤمن بالتعدد وبالقيم الإنسانية الفاضلة؛ للمساهمة في التنمية البشرية والحث على المواطنة الحقة في الضمير والسلوك، من خلال العمل الجاد والبنَّاء الذي يرتكز على منهاج الحكمة في تلقي الفكر أو الرأي المخالف ليكون مدخلا إصلاحيا ينبذ كل أنواع العنصرية بغض النظر عن اللون والدين والجنس... والتحلي بمبدأ الاحترام والتسامح بين الناس، كي يصبح إحساسا طبيعيا تتقبله النفوس وتطمئن له القلوب، ويسري بينهم في جميع مناحي الحياة دون توجس أو خيفة، لمسايرة ومواجهة كل التحديات المعاصرة تبعا لواقعنا المتغير، وتبعا لسنة الله في الكون.

وقد قسم الباحث الكتاب إلى ثلاثة فصول، خصص الفصل الأول لـ "مفهوم الخطاب الديني" حيث ينظر للخطاب على أنه بناء من الأفكار والمفاهيم التي تصاغ في شكل بنية استدلالية، وله الدور الأساس في تشكيل البنية الذهنية داخل المجتمعات الإنسانية بمختلف مكوناتها ومستوياتها انطلاقا من الخطاب في الثقافة العربية الإسلامية، ومن خلال طرح بعض الإشكالات التي تصادف الباحث في هذا المجال، كما وقف عند بعض الأركان والأسس التي تعتمد على البيان والإفهام وتبتعد عن اللبس والإبهام ليخلص في النهاية إلى تحديد المستويات التحليلية التي اعتمدها أغلب النحاة إلى جانب علماء الأصول وعلماء الكلام. وفي نفس السياق تطرق الباحث إلى الحديث عن مفهوم الخطاب في الثقافة الغربية من خلال خطابين:

أ. الخطاب في اللسانيات: بالوقوف على معظم التيارات اللسانية التي تنبهت إلى أن الدراسة اللغوية الكافية لا بد لها من الاهتمام والبحث في مقولة الخطاب باعتبارها تعكس الإنجاز الفعلي لعملية الاتصال في مختلف مقامات الاستعمال الممكنة والمرتبطة بالعلاقات الإنسانية المتباينة والمتنوعة التي قاربت قضية الخطاب.
 
ب. الخطاب في الفلسفة الحديثة: عبر تتبع خيوط نظمه في رحلة علمية بدءًا من أرسطو وانتهاءً بعلماء الهرمينوطيقا (علم التأويل)، مرورا باللسانيات البنيوية والتفكيكية... لتعبيد الطريق أمام تحديد خصائص ومكونات الخطاب الديني بالنظر إلى تجليات الممارسة الدينية في الثقافة العربية الإسلامية، وفي الثقافة الغربية المعاصرة عند علماء الاجتماع وعلماء النفس...
أما الفصل الثاني فيحمل عنوان: "الخطاب الديني من الإصلاح إلى التجديد"، تطرق فيه الباحث إلى الحديث عن مفهوم التجديد وعن جذوره العميقة في الفكر بهدف التعبير عن القضايا الملحة والمتغيرة لواقع الأمة الإسلامية، ليقف عند مدلول الخطاب اللغوي انطلاقا من السلف الصالح ووصولا إلى الفترة المعاصرة؛ ليفرق في الأخير بين مفهومين طبعا الخطاب الديني والفكري في تلك المرحلة وهما: الإصلاح والتجديد؛ باعتبارهما سندا ومرجعية في النصوص الدينية بغض النظر عن الخلفيات والمرجعيات الداخلية أو الخارجية التي تحرك الداعين لهما؛ تناول المفهوم الأول من خلال زعماء الإصلاح كرفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وأحمد خان، وخير الدين باشا التونسي؛ حيث عرف خطاب الإصلاح الديني من خلالهم كمحاولة لنفض الغبار عن الأمة واستنهاضها من أجل اللحاق بركب الحضارة المدنية الحديثة؛ لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مفهوم التجديد بالوقوف على الطروحات الفكرية لرواده من أمثال: أبو الأعلى المودودي، ومحمد إقبال، وعبد المتعال الصعيدي، وأمين الخولي. ليخلص في الأخير إلى الحديث عن الإصلاح والتجديد في الفكر المغربي الحديث من خلال ثلة من الأسماء التي برزت كنتيجة لبعض المتغيرات التي عرفها المغرب آنذاك، أمثال: علامة الجنوب الشيخ علي بن سليمان البوجمعاوي الدمناتي المراكشي، والشيخ محمد عبد الكبير الكتاني الحسني الفاسي؛ كدعاة للإصلاح في بداية القرن الماضي، وكرواد الحركة الوطنية الذين تلقوا سلفية الأفغاني ومحمد عبده، وسلكوا من خلالها طريقا ومنهاجا يتماشى مع الخصوصية المغربية، والتي أنتجت ما أسماه علال الفاسي بـ "السلفية الوطنية" أو "السلفية الجديدة"؛ هذه الخصوصية الدينية المغربية التي تتماشى مع الفكر المقاصدي في الدين الذي برز من خلال مؤلفات "ابن رشد" وبالخصوص في أحاديثه عن العقيدة، وقد تبلور عمليا في نظرية فقهية متكاملة مع الإمام الشاطبي الذي أرسى دعائمه في الأندلس مما جعله ينسجم مع الثوابت الدينية التي طبعت الشخصية المغربية، والقائمة على الوسطية والاعتدال والتي حددها الباحث في ثلاثة أركان:
 
1.  العقيدة الأشعرية.
2. المذهب المالكي.
3. تصوف الجنيد.

بينما تضمن الفصل الثالث: "خطاب التجديد، مفاهيم واتجاهات"؛ إذ حاول الباحث أن يعرض في هذا الفصل اتجاهات التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر من خلال:
 
ـ خطاب انطباعي قديم، يغلب عليه الميل في تمجيد بعض النماذج التاريخية التي قد خلت أو الانبهار والدعوة أحيانا لأخرى معاصرة.

ـ خطاب أيديولوجي، يتميز بخضوعه التام لمذهب معين.
 
ـ خطاب عقلاني، يسعى لأن يكون موضوعيا يغلب عليه الطابع العلمي وينأى بنفسه عن الانطباعية العاطفية الوجدانية.
 
أما ظواهر وقضايا خطاب التجديد؛ فتتوزع إلى ثلاثة قضايا كبرى؛ تتعلق القضية الأولى بإعادة قراءة التاريخ الإسلامي قبولا وردا. بينما تتعلق القضية الثانية بالإسلام والحداثة، كما تتفرع من خلالها قضايا كثيرة كالشريعة الإسلامية، والقانون الوضعي، وحقوق المرأة، والحرية الدينية، وحقوق الأقليات، والتعددية والعلمانية، والمجتمع المدني والديمقراطية... أما القضية الثالثة فتبحث في النص القرآني ومعضلة التأويل عبر تقديم قراءات معاصرة بديلة عن القراءات القديمة المتمثلة في التفاسير القرآنية بمختلف اتجاهاتها.
 
كما تطرق الباحث من خلال هذا الخطاب إلى مجموعة قضايا تناولها بالدرس والتحليل بالاعتماد على أعمال مجموعة من المفكرين الذين اهتموا بمختلف اتجاهات ونماذج خطاب التجديد الديني من أمثال: فضل عبد الرحمان، ومحمد شحرور، وخليل عبد الكريم، ونصر حامد أبو زيد، وعلي شريعتي، وعبد الكريم سروش.
 
وقد أشار الباحث في خاتمة هذا الكتاب إلى جملة من الأفكار المحورية في موضوعة التجديد، من بينها:

ـ إن آليات التجديد ووسائله عند الداعين للتجديد الديني في عصرنا الحاضر لا تتحدد إلا من خلال عنصرين أساسين هما الدعوة إلى الاجتهاد، والدعوة إلى التغيير، وفق رؤية جديدة تواكب التجربة التاريخية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية المعاصرة؛

ـ من أولويات مهام المفكر والباحث المسلم اليوم القيام بتحليل دقيق وفحص شامل للمفارقة التاريخية (النموذج الإسلامي القديم / النموذج الإسلامي الحديث)؛

ـ الدعوة إلى استيعاب الجهاز المفاهيمي والمنهجي الذي بلوره البحث العلمي المعاصر؛

ـ الربط بين التراث والتجديد أو بين التجديد والتراث بهدف تحقيق الاندماج الفعال في حداثة العصر عن طريق إنقاذ تراثنا من النظرة التقليدية والتي اعتبرها الباحث بالنظرة اللاتاريخية السائدة عند البعض وذلك بالإعلان والإقرار عن تاريخية العقل وتاريخية التراث.

 


Code test : FLI


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية للدكتور طه عبد الرحمان

سؤال العنف
بين الائتمانية والحوارية
للدكتور طه عبد الرحمان

صدرت حديثا الطبعة الأولى من كتاب: "سؤال العنف.. بين الائتمانية والحوارية"، للفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن، عن بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في طبعته الأولى سنة 2017، وقد جاءت هذه الدراسة في 215 صفحة من الحجم المتوسط، ناقش خلالها فيلسوف الأخلاق الدكتور طه عبد الرحمن مفهوم العنف، وفككه انطلاقا من القواعد المبدئية "للنظرية الائتمانية"...

نقـد الثـقـافـة الغـربيـة في الاستشراق والمركزية الأوروبية

نقـد الثـقـافـة الغـربيـة
في الاستشراق والمركزية الأوروبية

استكمل الأستاذ عبد الإله بلقزيز مشروعه الفكري حول "العرب والحداثة" بإصدار كتابه الرابع والأخير "نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية" عن مركز دراسات الوحدة العربية. وقد صدرت أجزاؤه الثلاثة الأولى: (من الإصلاح إلى النهضة، ومن النهضة إلى الحداثة، ونقد التراث، ثم كتابنا نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية) عن نفس المركز، هاته السلسلة التي ترادفت خلال تسع سنوات...

إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية

إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور 
وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية

صدر حديثا للدكتور حسام الدين درويش كتابا بعنوان: "إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: نحو تأسيس هيرمينوطيقا للحوار". عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وقد سبق أن صدر للكاتب عدد من الدراسات في المجلات العربية المحكمة وكتابان بالفرنسية...