2 ذو القعدة 1438 / 26 يوليوز 2017
ملف العدد

من أجل منهاج قرآني تجديدي في الفكر والعلوم الإسلامية
من أجل منهاج قرآني تجديدي
 في الفكر والعلوم الإسلامية

 د. سعيد شبار
 كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بني ملال

توطئة

لا شك أن للعلوم، كل العلوم، غايات ومقاصد، تحقق الرؤى والفلسفات الكامنة وراءها والمؤطرة لها. والعلوم الإسلامية لا تشد عن هذا الاطراد. بل هي أكثر العلوم، إطلاقا، ارتباطا بالغائية والمقصدية لارتباطها بالدين. وأعتقد أن غايات ومقاصد العلوم الإسلامية ثلاث كلية لا تكاد تخرج عنها:

ـ أن تحقق الهداية والصلة بالله تعالى.
ـ أن تخرج الإنسان المستخلف الرسول.
ـ أن تبني مجتمعها وتسهم في إعمار الكون من حولها.

وهذا الذي فعله الإسلام في صدره الأول، حيث كانت هذه الأهداف مجتمعة غير منفصلة ومتكاملة غير متقابلة، تشكل دوافع الإنسان للبذل والعطاء والبناء، وتوجه علوم وثقافة الأمة في بنائها الذاتي أو في ساحة التدافع والتعارف الكوني.

لكن الناظر إلى حال هذه العلوم، راهنا وتاريخيا، يجد أنها لا تكاد تحقق واحدة من تلك الغايات والمقاصد، فكيف بها مجتمعة.

وهذا ما يطرح تساؤلا حول مادة هذه العلوم نفسها، التي تحتاج إلى إعادة بناء أو استئناف من داخل الأصول المؤسسة لا من خارجها. فهناك أصول تؤسس المعرفة باعتبارها أساسات ومنطلقات ذات قدرة استيعابية كبيرة لخاصية الإطلاق فيها وهذا لا يكون إلا للوحي. ثم هناك أصول أسستها المعرفة في صيرورتها التاريخية كان من المفترض أن تخضع لتجديدات وبناءات مستأنفة لخاصية النسبية فيها وهذا شأن كل إنجاز بشري. لكن للأسف، تاريخيا، كان الاشتغال بما أسسته المعرفة لا بما يؤسسها. ثم في منظومة الإسلام التوحيدية الموحدة لا يمكن لتلك الغايات أن تنفصل عن بعضها أو تستقل وإلا اختل النظام كله وتعذر الإنجاز، وكنا كما نحن الآن، أمام تحيزات ونزعات لا أمام معرفة متحققة بشروط وجودها، الغائية والاستخلافية والإنسانية.

لذا، فالحاجة داعية إذن إلى النظر المنهجي الكلي إلى هذه العلوم من زاوية منطلقاتها وأصولها، ومن زاوية أهدافها وغاياتها، ما تحقق منها وكيف؟ وما لم يتحقق منها ولِم؟ وهذا الذي نروم تقريبه من خلال هذه المعالجة المنهجية السريعة.

الإشكال تاريخي أولا

ذكر السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" عن الحسن البصري، قوله بأن أصول الانحراف في الأمة، أصلان كبيران. أما الأول فهو طروء أو ظهور فرقة الخوارج، أما الثاني فهو فساد نظام الحكم. ولا يخفى أن العلة الأولى هي إشارة إلى الانحراف الفكري التصوري سواء في جانبه العملي (استباحة دم المخالفين) أو في جانبه العقدي (تكفير مرتكب الكبيرة، الحاكمية لله)، حيث كانت فرقة الخوارج من أوليات الفرق التي نظمت مقولاتها في أطر منهجية عملية وعقدية تصورية ثابتة وقارة، وخاضت من أجلها معاركا وحروبا.

ثم إن الإشارة إلى هذه الفرقة، بقدر ما هي إشارة إليها بالذات، هي إشارة كذلك بالتبع؛ أي لما تلاها وتبعها من فرق تعددت وتفرعت وانقسمت بالشكل الذي تمزقت به وحدة الأمة في أسسها العقدية كما في تجلياتها العملية. خاصة إذا أضفنا إلى هذا، انقلاب وظيفة الكلام من الدفاع إلى الاحتراب الداخلي في قضايا الغيب والعقيدة التوقيفية. وكونه تزامن مع ركود وجمود مماثل طال الجانب الفقهي (في إطار المذاهب) بعد انتهاء مرحلة الأئمة المؤسسين.

ولنقل أن هذا الطابع العام الذي وجه فكر وثقافة الأمة، وفيه تقررت علوم ومفاهيم، وتأسست تصورات وأفكار، تخص قضايا المسلمين في مجتمعاتهم وعلاقاتهم الداخلية، كما تحدد تصوراتهم وعلاقاتهم بالآخر الأجنبي عنهم. هذا دون أن نغمط الاستثناءات التجديدية حقها، على المستوى الفكري العام أو المتخصص، بدءا بالإمام الشافعي نفسه وليس انتهاء بالسيوطي كما زعم، والتي ما يزال معظمها في حيز الكمون دون الاستثمار اللازم.

أما الإشارة الثانية فمتعلقة بفساد نظام الحكم وانحرافه عن المنهج الشوري وغلبة مظاهر الاستبداد والجور عليه. وليس غرضنا تتبع هذا الجانب وإن كان لا يخرج عن كونه قضية من القضايا الفكرية في الأمة كذلك.

فهذه جبهة الذات، حيث نمت وترعرعت العلوم الشرعية قاطبة، وحيث عرفت في مجملها دورانا محليا دون استئناف تجديدي يؤهلها للمواكبة. وإذا كان الأصل في هذه العلوم أن تكون تابعة للوحي الخالد تتجدد بتجديد النظر فيه، والكشف عن جوانب من مكنونه، فإن الإشكال الكبير الذي وقعت في أسره إلى الآن، أنها استقرت على أسس تاريخية (مذهبية وفرقية وحزبية طائفية..) أكثر منها شرعية، وأضحت متبوعة باعتبارها أصولا ثابتة لا تتغير.

فأخذت بالممارسة التاريخية من صفات الوحي ما لا يجوز إلا للوحي، وتصدرت مكانه وأمسى الوحي تاليا لها في الرتبة والاعتبار شاهدا لها لا عليها. ولهذا نحن، في الغالب الأعم، لا ندرس ولا ندرس في جامعاتنا من القرآن إلا علوما تاريخية ولا من السنن إلا فنونا منهجية ولا من الفقه إلا تاريخه ولا من الفكر والعقيدة إلا تاريخهما حتى إنه ليصح أن يقال: إننا كائنات تاريخية تراثية ولسنا كائنات لها تاريخ وتراث تأخذ منه وتذر. أما فقه القرآن والسنة نصا لتحقيق الكسب الفكري والمعرفي الراهن والمواكب لقضايا الإنسان المعاصر بما يجسد فعلا استيعاب رسالة الختم للزمان والمكان، فهذا الغائب الأكبر، ليس في مناهج ومقررات الدراسة فحسب، بل في اهتمامات رجال الفكر والعلم والإصلاح والتغيير كذلك.

لذا تحتاج هذه الجبهة إلى عمل يعيد للأصول والمصادر ترتيبها العادي، تجعل القداسة للوحي المهيمن والمصدق وتنزعها عن الفكر البشري. تمارس بالقرآن وصحيح السنة على التراث الفكري الإسلامي ما مارسه القرآن نفسه على التراث الفكري البشري منذ بداية تنزله إلى نهايته.

وهذا ورش كبير لم يدشن بعد بحث منتظم فيه بالمنهج الإسلامي الذي ألمحنا إليه، والذي سنأتي على ذكر بعض من معالمه ومقوماته لاحقا. بل على العكس من ذلك نجد أن معظم "المشاريع" المنجزة في هذا التراث وحوله، هي بمفاهيم مادية جدلية، وتاريخية، أو علمانية، أو قومية... قائمة أصلا على استبعاد النص ولو كان مؤسسا بدعاوى متهافتة، مما يجعل أمر المعالجة التاريخية تستلزم درء شبهات معاصرة، تزداد حولا بعد آخر أمام تأخر مشروع البناء والمراجعة الذاتي.

في الحاجة إلى استئناف تجديدي شامل للعلوم الإسلامية وبناء أصول فكرية

وفيه ثلاث قضايا أساسية:

1. لا يخفى أن العلوم الإسلامية نشأت ابتداء من الوحي، انبثقت عن الكتاب والسنة ثم توسعت في التاريخ واستقرت على أوضاع معينة. فالأصل فيها أن بينها وحدة عضوية موضوعية لوحدة الأصل والمصدر. وأن الخيط الكلي الناظم لكل هذه العلوم ينبغي أن يعكس تكاملها ودورانها مع الأصل حيث دار، بل وأن تنعكس فيها خصائصه من شمولية واستيعاب وعالمية ووسطية وواقعية وإنسانية وغيرها... والناظر إلى واقع هذه العلوم التاريخي والراهن، يلحظ أن كلا منها -يكاد- يدور في فلك خاص وأطر مرجعية ومنهجية خاصة. حتى لكأنها جزر منفصلة عن بعضها البعض، ذات أسوار وجدر منيعة، وأن فيها من التجريد والصورية أكثر مما فيها من الواقعية لتعطلها عن المواكبة العملية.

أما عدم تفاعلها الإيجابي مع السنن الكونية والاجتماعية، فأدى من جهة، إلى تعطل جبهة العلوم الكونية والمادية فكان العجز الشامل عن بناء النماذج الحضارية الذاتية. ومن جهة أخرى، إلى تعطل جبهة العلوم الإنسانية فكان العجز عن بناء نموذج الإنسان المسلم السوي. وهما الآن (أي العلوم المادية والإنسانية) من أهم مداخل استضعاف الأمة واستلابها لنماذج الغرب ذات الشوكة والغلبة. لم ينعكس إذن في هذه العلوم جدل الغيب والإنسان والطبيعة كما هو في القرآن وكما قدمته السيرة النبوية والقرون الأولى الخيرة، حيث كان النسق مفتوحا وحيث كانت الرؤية كلية، تنظر إلى الإنسان على أنه أسرة ممتدة، وإلى الأرض على أنها مجال الاستخلاف والتعمير، وإلى الرسالة على أنها للناس كافة... قبل أن ينغلق النسق وتنكمش الرؤية في أطر مذهبية ومدرسية ضيقة.

2. يضاف إلى هذا الإشكال، إشكال آخر متفرع عنه متعلق بتصنيف هذه العلوم وترتيبها المنهجي والمدرسي التعليمي. كالتمييز بين العقيدة والشريعة والعادات والعبادات، ومدرسة الرأي ومدرسة الأثر، والعقل والنقل والحكمة والشريعة إلى آخره... حيث تطور الأمر إلى صيغ معاصرة تعكس الصراع نفسه (كالأصالة والمعاصرة- والحداثة والتقليد، والعقلانية والشرعانية-البيانية-والبرهانية، إلى آخره).

مما أسس، من جهة، ثنائيات تقابلية لا يقوم أحدها إلا على نقيض الآخر، توجه ثقافة وفكر الأمة إلى المزيد من الصراع والاحتراب الداخلي، ويمنع أو على الأقل يؤجل، بناء الفكر الموحد المستوعب لهذه الثنائيات في سياق تكاملي لا تقابلي. والقرآن كله وهو نص، خطاب عقل وفكر وتدبر واعتبار وسنن آيات... مما بإمكانه أن يؤسس معرفة برهانية وعقلانية سننية، كونية وإنسانية، بما في ذلك قضايا الإيمان والاعتقاد الصرف. ويحتاج في هذا السياق إلى تحرير الثنائيات من الصراع التاريخي والمعاصر، أي من التقابل إلى التكامل، وبنائها بناء معرفيا وفق منهج تتكامل فيه مصادر المعرفة (نصا وعقلا وواقعا)، حيث بالإمكان استيعاب أطروحات الغرب وتجاوزها.

من جهة أخرى، أسس تصنيف العلوم المتقدم إلى التمييز بين العقيدة وأحكامها، وبين السلوك والمعاملات أو الشريعة وأحكامها، وبين الفكر وتأملاته ونظراته. فبدت الأعمال والأفكار وكأنها مستقلة ولا علاقة لها بأطرها العقدية الموجهة، فنمت في الأمة وشاعت مظاهر الإرجاء والجبر والتعطيل والتواكل والسلبية... ما تزال تشتغل في الأمة فكرا وسلوكا بصيغ وأشكال مختلفة إلى الآن. ويحتاج في هذا السياق كذلك إلى وصل الفكر والعمل، كل الفكر والعمل بالمقومات العقدية والإيمانية لكونهما كيانين لا ينفصلان.

فلم يرد الإيمان في القرآن إلا مقرونا بعمل، وكل صفات "الذين آمنوا"، أعمال بالفكر والقلب والجوارح. وإلى الاشتغال على تحرير العقيدة المؤطرة للفكر والعمل من كل دواخلها وشوائبها الكلامية والخرافية البدعية عبر التاريخ.

بما يسمح لها أن تكون منطلقا وقاعدة للرؤية الكلية للإسلام عن الإنسان والكون والحياة. وذلك ببنائها على القطع لا الظن والمحكم لا المتشابه، كما يعرضها منهج الهيمنة والتصديق القرآني. وأن تحسم بالبحث والدراسة كثير من الإشكالات العقدية. كتلك المتعلقة بمبدأ ختم النبوة وإكمال الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم والتراث المتعلق بعودة المهدي والمسيح. وكتلك المتعلقة بمبدأ حجب الساعة حتى على النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وكونها لا تأتي إلا بغتة، والتراث المتعلق بأشراطها الكبرى والصغرى، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى تمحيص وبحث.

3. الإشكال الثالث هنا، يتجلى في كون التحديات القائمة بوجه الأمة الآن تحديات جماعية أكثر منها فردية وميدانية أكثر منها نظرية. وعلومنا كما هي بطابعها النوازلي الفردي والنظري التجريدي الغالب، مادة ومنهجا، لا تسعف في مواجهة هذه التحديات وتقديم الإجابات اللازمة. وإذا كان الأصل في الأصلين (أصول الفقه وأصول الدين) وضع القواعد العملية للفقه والفكر، فإننا نجد أن الفقه قد نجح في أن تكون له أصول لولا أن اغتالها التجريد لطروء الدخيل المنطقي الصوري عليها. أما الفكر فلم ينجح علم الكلام في أن يضع له أصولا لا عملية ولا نظرية. خاصة تلك التي تنبني على كليات مفاهيمية هي تكاليف جماعية للأمة. وفي اعتقادي أن التحديات التي تواجه الأمة كأمة، لا يمكن أن ترتفع إلا بالنهوض الجماعي للأمة بتكاليفها كأمة. وهذا أمر لا يسعف فيه الفقه الفردي والجزئي التفريعي على سعته وإحاطته.

فلابد من فقه للأمة يعمل على إخراجها وبعثها ينبني على أصول فكرية كلية مستوعبة، يكاد حضورها ينعدم في تراثنا الفكري. وبالرغم من النكبات والأزمات التي توالت في الأمة، وإن كان لهذا الأمر تبريره السياسي في احتكار السلطة وممارسات كثير من الخلفاء والسلاطين القمعية، التي تحول دون الخوض في الشأن الجماعي نقدا وتوجيها، فإنه ليس بمانع من بنائه فكريا تأصيلا وتقعيدا. وبالنظر في القرآن الكريم نجد أنه لم يرد حديث عن الأمة -في الغالب- إلا مقرونا بتكليف جماعي. وتلك التكاليف هي ذاتها أصول تحتاج إلى مزيد بناء واستكشاف وتفعيل على الساحة الفكرية العلمية والعملية. كأصول: الخيرية والوسطية والاستخلاف والتعمير وحمل الأمانة والعالمية والشهادة وغيرها... وهناك من الآيات والأحاديث ليس فقط ما يكفي لهذا البناء، بل ما يفرضه ويوجبه وما يدفع إليه ويحفز عليه، إذ لا سبيل للنهوض الجماعي إلا به.

إننا بحاجة عموما إلى إعادة بناء هذه العلوم، لا من خلال تشكلاتها التاريخية، بل من خلال الأصل الذي انطلقت منه (كتابا وسنة) بالشكل الذي تبرز فيه وحدتها وتكاملها، وتنتفي كل أشكال التعارض والانفصال الزائف فيها، وتبرز تكاليفها وأحكامها الجماعية كما برزت الفردية. وبالشكل الذي تعطي للخلق والحياة معنى وغاية وتنفي عنها كل أشكال العبثية والعدمية التي تغذيها كثير من فلسفات الغرب المعاصرة الآن، والتي أمسى الإنسان فيها كائنا طبيعيا بسيطا تجري عليه القياسات والتجارب الطبيعية ذاتها. وبالشكل، كذلك، الذي ينفي عنها مظاهر التحيز والنزوع الاكتفائي ويسد مواطن الفراغ والخلل فيها من خلال استحضار مصادر المعرفة في تكاملها.

في تحديات الجبهة الخارجية

أقتصر فيها على قضيتين أساسيتين:

أولا: ودون التوغل في التاريخ القديم نجد أن تحديات هذه الجبهة ابتدأت بشكل منظم مع الحملات الاستعمارية الحديثة على العالم الإسلامي، والتي عملت على استنبات نماذجه الفكرية والثقافية وإحلال نظمه السياسية والاقتصادية. والمقصود بالغرب هنا -كي نتجنب التعميم- الغرب الاستعماري الاستعلائي، الممجد لنزعات القوة والهيمنة والتسلط، والقهر لشعوبه وشعوب العالم، الغرب الذي لا يرى ذاته إلا مركزا وغيره إلا أطرافا وهوامش.
فمنذ الفصل مع الفكر اللاهوتي الكنسي، وعمليات التفكيك العلمانية الكبرى جارية داخل هذه المنظومة. حيث أعلن عن موت الإله، وبدأت عمليات تحطيم القيم والثوابت والمطلقات والأخلاق وكل ما لا يخضع للحس والتجريب، وعمليات استدراج وسحب الإنسان من موقعه كمركز مؤسس للحضارة، في إطار فلسفة التكريم له والتسخير لما حوله، إلى كونه دائرا في فلك مادي جدلي طبيعي واستهلاكي نفعي. وقد نجحت الفلسفات المادية إلى حد كبير في تحويل عالم غيب الإنسان إلى عالم طبيعته، وأن تجعل بدل جنته الأخروية فردوسا أرضيا زائفا، وفق محددات صارمة كالربح والإنتاج ورأس المال والاستهلاك والمتعة واللذة والحرية والإشباع... لدرجة السيولة الشاملة حيث يمكن التمييز بسهولة بين الإنسان الإنساني والإنسان الطبيعي.

فأخطر مشكلات الإنسان الغربي، والتي غذت مشكلات كونية بحكم الهيمنة والتوسع، هي مشكلة فلسفة الإنسان نفسه، الذي لم يبق كائنا مركبا بأبعاده الروحية والعقلية والجسمية بمعتقداته وقيمه وأخلاقه حيث تم تبسيطه إلى عنصر طبيعي. وعجزت علوم الغرب الإنسانية عن حل مشكلاته الاجتماعية، كما عجزت علومه الصناعية عن تحقيق وعدها بالمجتمع السعيد وبالفردوس الأرضي، فتفاقمت مشكلات الإدمان والشذوذ والانحراف والانتحار والجريمة وحرية الأقليات المتمركزة حول ذاتها ومشاكل الأسرة ونماذجها واللامعنى واللاغاية في الحياة... وغير ذلك مما يعكس قصور وعجز منظومة الفكر المادي، والتفسير المستغني والمستكفي بذاته، عن أية إضافة أو ترشيد وتسديد خارجي.

وها هنا يأتي دور الفكر الإسلامي باعتباره فكرا إنسانيا كذلك، لعموم خطاب رسالته وكونها للناس أجمعين، ليسهم في حل ما عجز الفكر الغربي عن حله انطلاقا من عقيدة التوحيد التي تضفي على حياة الإنسان ووجوده المادي الغائية والقصدية، وتؤطر الإنسان بفلسفة تكريم كلية مستوعبة، والكون والطبيعة بفلسفة تسخير وإعمار لخير الإنسانية. وهذا مدخل أساس من مداخل البناء الكوني الإنساني لفكرنا الإسلامي، والتحرر ولو نسبيا من قطريته وإقليميته وقوميته. بإمكانه كذلك أن يرد الاعتبار لذات الأمة إذا كانت إجاباتها وحلولها في مستوى التحديات، وأن يشحذ فعاليتها ويبعث ثقتها في ذاتها وخصائصها من جديد.

أن يسهم الفكر الإسلامي كذلك، في السياق ذاته، في نقد مخلفات وآثار التوجه المادي الصناعي العبثي والأعمى نحو الربح ولا شيء غير الربح، ولو كلف ذلك حروبا مدمرة للبشرية، وإتلافا لمقدرات وخيرات الطبيعة، وتلويثا للبيئة، وتسلحا نوويا وغازات سامة... وما إليها. وباختصار أن يؤتى الغرب من جهة فقره وعجزه وأن ينفق الفكر الإسلامي من جهة غنى الإسلام وقدرته.

ثانيا: كون مداخل التغريب والاستلاب وبتعبير البعض: مقدمات الاستتباع، فكرية ثقافية بالدرجة الأولى. حيث نجح الغرب في صك وترويج مجموعة من "الدمغات والأختام الجاهزة..." مصطلحات ومفاهيم، ذات قدرات تأثيرية عالية منذ عصر نهضته إلى عصر عولمته (كالنهضة، والتقدم والأنوار... إلى الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة، وما صاحب ذلك من مفاهيم ومصطلحات مكملة، كالحرية والديمقراطية والعقلانية والعلمانية والقومية والليبرالية... وغيرها)، حيث تلقت تيارات الفكر العربي والإسلامي المعاصر هذا الطوفان من المفاهيم تلقيات مختلفة يمكن إجمالها في مواقف ثلاث مختلفة: موقف التبني الكامل والانخراط الكلي فيها بكامل حمولتها الغربية التاريخية، وموقف الرفض الكلي الشامل لها باعتبارها وافدة من مستعمر مخالف في الملة، وموقف توفيقي (تلفيقي) يحاول أن يضع رجلا هنا ورجلا هناك. وكلها مواقف لم تسعف لا في تحصين فكر الأمة ولا في نهضته ولا في تحقيق جدل أو حوار متوازن مع الآخر.

وإن من مستعجلات فكرنا الإسلامي المعاصر البدار المنظم والمنتظم للاشتغال على جبهة المفاهيم والمصطلحات باعتبارها مفاتيح علوم وثقافة وفكر، والتي تسحب أرصدتها الذاتية تباعا بعامل الزحف الأجنبي الدلالي عليها. وذلك بإعادة بنائها ذاتيا وتحريرها من التضمينات الأجنبية الدخيلة عليها، دون أن يمنع ذلك من كل إفادة إيجابية منها. ثم ولم لا إعادة تسميتها من خلال المعجم العربي. هذا حتى يمكن لتلك المفاهيم أن تقوم بوظائف البناء الذاتي لا الإلحاقي، فتسهم في بناء حداثة الأمة الخاصة بها، ونهضتها الخاصة بها من غير استنساخ لنموذج ناجز جاهز. وتستأنف حركة التجديد والاجتهاد فيها من زاوية رؤيتها ومرجعيتها الخاصة، والتي تمنحها، بحكم عالميتها وكونيتها، كل إمكانات الانفتاح على التجارب والخبرات البشرية المختلفة.

قضايا معاصرة أمام الفكر الإسلامي

أعتقد أن من قضايا الفكر الإسلامي الراهنة والملحة بقوة أن يبدأ بشكل منتظم وفق مخطط مرحلي في دراسة إرثه التاريخي وحل مشكلاته التي ذكرنا منها والتي لم نذكر. وهذا العمل هو بحد ذاته تأهيل لهذا الفكر لمواجهة التحديات والقضايا الراهنة التي تطرحها ساحة التدافع، حيث يجد هذا الفكر نفسه محوطا وفي كل مرحلة بشكل لا إرادي بأوضاع لم يسهم هو في خلقها ولا له يد في تدبيرها، وعليه أن يتكيف ويتلاءم بالسرعة المناسبة.

في زمن العولمة المشكلات الآن كونية إنسانية تشترك فيها كل الحضارات وإن لم تسهم في صناعتها، وكل قضايا الإنسان أصبحت تصاغ وتقرر كونيا، حتى تلك التي كان يعتبرها في بيته من أدق خصوصياته. ولا يمكن لحلول هذه المشكلات أن تكون جزئية، بل في مستوى كونيتها. وإن مقولات شائعة ورائجة الآن يراد منها صوغ فكر كوني نمطي، كحوار الحضارات والثقافات وحوار الأديان، أو عكسها الذي ينذر بالصدام، تطرح على الفكر الإسلامي باعتباره ممثل حضارة وثقافة ودين، أن يكون له إسهام فيها، وهو الأقدر على ترشيدها وتصويبها للخير والنفع العام إن استطاع أن يعكس فعلا هداية رسالة الختم التي يحملها في أفقها الكوني.

وإن مشكلات إنسانية اجتماعية، سبقت الإشارة إليها وأخرى لم تسبق؛ كالفقر والبطالة والجريمة، وحقوق الإنسان والأمية، والتكافل والتفكك الأسري، وكذلك مشكلات البيئة والحروب والصحة والمعاملات المختلفة...، كل ذلك مما ينبغي أن يواكب فكريا بالتأطير التصوري العقدي وفقهيا بالحكم التطبيقي العملي.

وهذا كله يستدعي، وهو من القضايا العاجلة الآن، اجتهادا وتجديدا غير منقطع في فكرنا المعاصر بما يحقق راهنيته. فهذه، وما في معناها، مضامين جديدة لنقل، لعلم كلام جديد، واجتهاد فقهي جديد، لكن وفق منظور تصوري جديد ومنهاج عملي جديد.

في معالم منهاج قرآني بنائي تجديدي للفكر والعلوم

تجدر الإشارة أولا، إلى أننا نتحدث عن منهاج كلي مستوعب يمكن أن تندرج تحته فروع منهجية بحسب الحقول العلمية.

وهذا المنهاج ليس آلة محايدة يقوم بوظائفه بمعزل عن أطره المرجعية، بل الأصل فيه أن يعكس رؤية تتجلى في جميع فروعه. فالفلسفة المادية الاستهلاكية الموجهة للغرب الآن والتي لا حضور فيها لعالم القيم والتراحم والأخلاق والمثل، تنعكس حتى على أدق العلوم التجريبية فتجعلها متحيزة ماديا لا إنسانيا.

هذا المنهاج العام لم يتبلور في ثقافتنا التاريخية ولا الراهنة، فقد كان ممارسة عملية في الصدر الإسلامي الأول، لكن بعده لم يعمل على استخراج معالمه أو التأسيس لمقوماته، لا في عصر التدوين ولا بعده. وكما انفصلت العلوم الإسلامية عن بعضها البعض، استقلت كذلك بمناهجها، فتعددت المناهج بدورها دون ناظم منهجي عام.

وهذه المناهج الجزئية ليس بإمكانها أن تستوعب القضايا الكلية المطروحة على ساحة التدافع الكوني. ولو أردنا شيئا من التدقيق في فكرنا الحديث والمعاصر، لوجدنا أن المناهج السائدة منذ الحقبة الاستعمارية، حيث كان الشعور القوي بالأزمة، لم تخرج عن كونها مقاربات كما لدى البعثات الطلابية إلى الخارج (الطهطاوي والتونسي...) والتي لا تزيد عن كونها تعكس حالة الاندهاش، وتؤسس من حيث لا تشعر، لعقليات قابلة للاستلاب ظهرت بعدها بقليل. ثم مقارنات كما هو السائد في كثير من الأدبيات الفكرية والحركية المعاصرة، التي لا هم لها إلا أن تثبت تفوق سبق الإسلام على هذا المنجز أو ذاك في عراك فكري أو سياسي. ثم محاولات توفيقية لا تعدو كونها تركيبا غير موفق لعناصر بينها من الاختلاف أكثر مما بينها من الائتلاف؛ كل منها ينتمي إلى منظومة فكرية ومرجعية معينة.

وأعتقد أن من معالم هذا المنهاج الأساسية التي ينبغي أن تنال حظا أوفر من الدراسة والبحث:

1. أن ينطلق من مصادر المعرفة في تكاملها (الوحي والعقل والواقع) حيث يتكامل عالم الغيب مع عالم الشهادة، وحيث تقرأ آيات الكون كما تقرأ آيات النص. فلا تطغى نزعة نصية على أخرى عقلية أو هذه على نزعة واقعية أو العكس.

2. أن يستصحب قيم الهداية والرحمة واستشعار مسؤولية الاستخلاف والتعمير وحمل الأمانة والشهادة على الناس مما يجعل المعرفة المنتجة أو العلوم المستخلصة، شعارا للهداية والأمن والسلم والحوار والجدال بالتي هي أحسن من أجل قيم عليا تنفي عنها الأغراض والأهواء الذاتية.

 3. أن ينبني على خصائص: التوحيدية، والعالمية والوسطية والإنسانية والواقعية... تنفي عنه أشكال الانغلاق والتحيز، والغلو والتشدد، والإفراط والتفريط، والصورية والتجريد... وما إليها.

 4. أن تكون له محددات: كختم النبوة والهيمنة والتصديق والوحدة البنائية للنص... وما إليها مما يحول دون تسرب الخرافات والشوائب والزوائد التاريخية.

 ولعل التنزيل الجزئي لمعالم هذا المنهج في مصادره وقيمه وخصائصه ومحدداته على مختلف العلوم والمعارف الإسلامية، من شأنه أن يحدث تغيرات جذرية وأن يجدد فيها أصولا وفروعا بما يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة في نزوعها الكوني العالمي... وهو في جميع الأحوال دون كونية وعالمية الرسالة.

 ختاما

أقول، إذا كانت القناعة أن الأزمة فكرية جوهرها منهجي، وأن هذا العمل يراد له أن يكون تصحيحيا جذريا لا ترقيعيا شكليا. فلابد من أن تستنفر في أرجاء الأمة طوائف متعددة بحسب العلوم والتخصصات للبحث. وأن تبدأ بمدارسة موسعة في المنهاج القرآني العام ثم المناهج الخاصة وفق رؤية تكاملية مستوعبة يمكن أن تكون الإشارات والبيانات السالفة مسعفة ومساعدة على الاشتغال وتطوير البحث في هذا الاتجاه. وأن تتخلل هذا العمل لقاءات منتظمة للمدارسة، خاصة في الوحدة البنائية وفي النواظم العملية والمنهجية حفاظا على العقد من الانفراط وتأكدا من صحة المسار في تكامليته وكونيته وإنسانيته وقبل ذلك إسلاميته. وأن يكون التركيز في مقام أول على مساحات الفراغ والتخلف التاريخي الذي تعاني منه الأمة. جبهتا العلوم الكونية المادية والعلوم الإنسانية الاجتماعية، باعتبارها تكليفا من التكاليف الشرعية. وإنما النظرة الاختزالية (الأحكامية الفردية) للقرآن هي التي جعلت النظر إليها كذلك. فلم تستأنف فيهما علوم ولم تتراكم فيها معارف بما يؤهل الأمة لموقع الشهادة والتدافع الحضاري.




: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تطور الفكر الأصولي قراءة في التراث الإسلامي

تطور الفكر الأصولي
 قراءة في التراث الإسلامي

ما إن اكتملت نصوص الوحي بوفاة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، حتى بدأت حركة الاجتهاد، وبدأ تنامي المدرسة الفقهية مع الخلفاء الراشدين، رضوان الله عليهم، سيما منهم "رجل الدولة الكبير"؛ عمر بن الخطاب. فقد أسهمت اجتهاداته العملية على وجه الخصوص، في إرساء بنيان صرح الفقه الإسلامي...

الأخلاق والقانون

الأخلاق والقانون

أدى طغيان الجانب المادي في عصرنا، إلى انتشار العديد من الممارسات اللاأخلاقية من قبيل تفشي الرشوة والفضائح المالية والسرقة والنصب وكل صور التعدي على أموال الدولة والأفراد، وغير ذلك من مظاهر الاعتداء المادي والجسدي على الآخر... ، مما أدى إلى فقدان الثقة وانعدام الشعور بالأمان، وللأسف حتى مجتمعاتنا الإسلامية لم تسلم من ذلك، رغم حيازتها على رصيد هام من القيم...

نحو تأسيس علم المراجعات في التراث الإسلامي

نحو تأسيس علم المراجعات في التراث الإسلامي

لقد تعلّم المهتمّون بـ"العلوم النقلية/الشرعية الإسلامية" أن العلم الحقيقي يمكن أن يكون مرادفا للتأمل المجرّد في نص أو خطاب إلهي؛ لاستنباط معنى أو مقصد أو حكمة أو علة أو سبب أو شرط أو ما شابه ذلك، فإذا بلغ ذلك فقد وصل المبتغى بعد بذل الجهد اللازم؛ لأن الأئمة المتقدمين قد حصروا "العلم" بما قال الله وبما صدر عن رسوله، صلى الله عليه وسلم...