2 ذو القعدة 1438 / 26 يوليوز 2017
افتتاحيات

الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد
الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد

كَلِف المسلمون بموضوع المعارف الإنسانية، وانطبع حراكهم في مضاميرها وحلباتها بفاعلية ونجاعة كبيرتين، بسبب النقلة الهائلة التي أحدثها القرآن المجيد في طرائق النظر والاستدلال والاستنباط. مما كانت له آثار مباشرة وظاهرة على مناهج الاستمداد من الوحي، والتنزيل على أرض الواقع، وهو ما أوجد نسقا إسلاميا متميزا في المعرفة والعمل، قوامه الوحدة والاتساق.

ومنذ جيل التلقي في القرن الهجري الأوَّل، اعتنى العلماء بقضايا الاجتهاد والتجديد، تنظيرًا وممارسةً، وكِلا المصطلحين يشير إلى عمليَّة منهجية ومعرفية في البناء العام للعلوم الشرعية، ومواكبة النوازل والمستجدات، وتنزيل الأحكام على الوقائع الحياتية؛ زمانا، ومكانا، وأشخاصا، وأحوالا، وكذا إمداد المجتمعات المسلمة بالحلول المنضبِطة والأجوبة الضابطة لمختلف التحديات الفكرية، والعلمية، والتربوية، والاقتِصادية، والسِّياسية، والعسكرية، وغيرها.

والناظر في تاريخ المعارف والعلوم الإسلامية يلحظ أن هذه المعارف انبنت من حيث أسس الاجتهاد على أسس متينة وقواعد أصيلة، فبرع المجتهدون في الاستمداد من النص المؤسٍّس، بعد فهم خطابه، وإدراك مقاصده؛ فكان منه المنطوق والمفهوم والمعقول، وجاءت الأحكام الشرعية مؤصلة في مصدرها، معلّلة في مسالك استنباطها، حتى نتجت عن ذلك ثروة علمية عظيمة، استجابت عبر التاريخ لحاجة المسلمين وأجابت عن نوازلهم ووقائعهم المستجدة.

حريٌّ بالذكر، في هذا الصدد أن مجال المقاصد قد تبرعم في رحم هذه السيرورة المباركة، وكان مُشَكِّلا إلى جانب كل من الكليات، والموازنات، والتسديدات، والتقريبات، والتغليبات، والتنقيحات، مداخل ناهجة في تفهّم معاني النصوص والوقائع، وبحث مجالاتها، وحدودها، وتوظيفاتها.

وقد تجدّد الحديث حول استثمار العديد من المباحث الأصولية، وتفعيلها قصد الإسهام في الإجابة عن مختلف التحديات الراهنة، من قبيل قاعدة المصلحة، واعتبار المآل، وسد الذرائع وفتحها، وتحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه. وكذا المنهجية العلمية المبنية على الاستنباط والاستدلال من خلال رصد وضبط علاقة الكليات بجزئياتها، والكليات مع الكليات، والجزئيات مع الجزئيات.. في ارتباط وثيق بالظروف والملابسات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

وهي كلها رؤى ومقاربات، تستلزم نظرا مستأنفا، على مستوى الأداء الوظيفي والتشغيلي، تدبرا وتفكرا واستنباطا واستلهاما، في تمسك بأصول الاجتهاد ومسالك الفهم المنهجية، من دلالات الألفاظ، إلى مسالك التعليل، إلى مقتضيات التنزيل، وتَجديد علوم التعامل مع الكتابين المنظور والمسطور.

انطلاقا من هذه المقاربة المنهجية التي تسعى إلى استئناف العمل البنائي والتجديدي في مجال العلوم الإسلامية، تناقش "مجلة الإحياء" في ملف هذا العدد: "قضايا الاجتهاد والتجديد في سياقنا المعاصر".

فإلى جانب دراسات الملف التي انصبت على مقاربة إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد، وقضايا التراث العلمي الإسلامي من الإمداد إلى الاستمداد، ورصد أبرز اتجاهات التجديد في التراث الأصولي، تضمن العدد "رؤية للنقاش" حول "روح الكون والكائنات أو جمالية المباح"، ودراستين جماليتين: الأولى؛ "في روحانية التدين وأبعاده الجمالية"، والثانية؛ حول "مركزية الجمال في الخطاب القرآني"، ودراسة شرعية ناقشت "مراعاة الحال والمآل في الفتوى"، كما تضمن ركن مالكيات دراسة حول "إعمال السياق المقامي في الاجتهاد المالكي: مظاهر وآفاق". كما اشتمل العدد على رؤى وتصورات تناولت "معالم اجتهاد أبي العباس الونشريسي في تأليف "المعيار المعرب"، و أهم قواعد وقضايا "التفسير المقاصدي" و"الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري". 

فضلا عن قراءتين تحليليتين: الأولى بعنوان: "الأسس المرجعية والمنهجية للاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: قراءة في كتاب "إثارات تجديدية في حقول الأصول" للدكتور الشيخ عبد الله بن المحفوظ بن بيّه.

والثانية بعنوان: فلسفة التحرر بين المرجعيات الوضعية ولاهوت التحرير قراءة في كتاب: Enrique Dussel, "L’étique de la libération a l’ère de la mondialisation et de l’exclusion". 

بالإضافة إلى عرض أطروحة جامعية حول موضوع: "الإطار المرجعي القرآني وصياغة مفاهيم النموذج الحضاري".

وقد ازدان العدد المزدوج 43 و44 بإجراء "الإحياء" لحوار علمي شامل مع أستاذ الأجيال، العالم المجتهد والمجدد، الذي جمع بين علوم التراث الإسلامي، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، أستاذنا العلامة الشيخ الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني، وذلك قبل وفاته، رحمه الله تعالى، بشهور حول موضوع: "النص والتاريخ: منظومة القيم القرآنية وقضايا التأويل والتفسير"؛ ناقش فيه، رحمة الله عليه، المعالم الكبرى لمشروعه الفكري والتجديدي؛ من خلال بيان المقاصد القرآنية العليا الحاكمة، وخصائص الخطاب القرآني، وقضايا التعايش والتعارف الحضاري بين الأمم انطلاقا من مرجعية القرآن المعرفية، ومحدداته المنهجية.. وغيرها من القضايا التي أخلص لها الفقيد، رحمه الله، وقته، وجهده وتفكيره إلى آخر رمق من حياته المباركة، أجزل الله مثوبته، وأكرم مثواه.

أتمنى لقرائنا الأعزاء إبحارا ممتعا في عوالم هذا العدد المزدوج من مجلتهم الإحياء.

 

د. أحمد عبادي         
الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الوعي بالسياق شرط من شروط الاجتهاد والتجديد

الوعي بالسياق شرط من شروط الاجتهاد والتجديد

تُطل الإحياء من جديد والعالم من حولها يعيش مجموعة من التقلبات والتجاوزات والانتهاكات، وكأننا في أتون كابوس دلفت إليه البشرية بمحض إرادتها عبر العقود والقرون؛ فواقعنا اليوم عبارة عن ترسبات مفاهيمية وسلوكية أشبه ما تكون بالترسبات الجيولوجية المزمنة، ولا انعتاق إلا بالوقوف على جليتها وكيفية تكوينها؛ إذ ما نراه اليوم واقعا ليس إلا ثمرة قد تبلورت من خلال وصول النُّسغ المغذي إليها،...

سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر

سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر

 تتمحور مختلف التعاريف للقيم حول كونها مجموعة من القوانين والمقاييس تنبثق عند جماعة ما، وتتخذها معايير للحكم على الأفكار والأشخاص في تمظهرهم الفردي والجماعي وكذا للحكم على التصرفات والمسلكيات، ويكون للقيم من القوة والتأثير على الجماعة، ما يحيطها بصفة الإلزام والضرورة والعمومية، وأي خروج عليها أو انحراف عن اتجاهاتها، يصبح خروجا عن مبادئ الجماعة وأهدافها ومثلها العليا..

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر
التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

كَلِف العلماء المسلمون بشدّة بموضوع المعارف الإنسانية، يشهد لذلك افتتاح العديدين منهم مصنفاتهم بموضوع العلم، وحقيقته، ومعناه، وما يحصل به العلم من النظر والاستدلال وإحكام النظر، مع تَبايُنٍ في التناول بتباين الخلفيات المذهبية، والاختيارات المنهجية المتعلقة بوسائل المعرفة، وطرق فهم النص وتأويله، في مختلف فروع المعرفة.