4 ربيع الأول 1439 / 23 نونبر 2017
افتتاحيات

القرآن الكريم ورؤية العالم: مسارات التفكير والتدبير
القرآن الكريم ورؤية العالم: مسارات التفكير والتدبير

تتعدد رؤى العالم بتعدد الأطر المرجعية والمنظومات العقائدية التي تصدر عنها، والسياقات التاريخية والحضارية التي تحيطها؛ ما بين رؤية أسطورية خرافية، ورؤية ميتافيزيقية فلسفية، ورؤية فنية جمالية، ورؤية علمية تكنولوجية، ورؤية دينية توحيدية.. ولكل رؤية من هذه الرؤى نظامها الرمزي، وبنيتها المعرفية، كما أن لكل منها مقوماتها وخصائصها ومقاصدها وبناءها الغائي الكلي.

ومع أن مفهوم "رؤية العالم" (Vision du Monde)  بالفرنسية، أو (Weltanschauung) بالألمانية، أو (World View)، بالإنجليزية يعد مفهوما حديثا؛ بحيث إن فلسفات رؤى العالم لم تنشأ إلا بتضافر وتفاعل فلسفة التاريخ و نظرية المعرفة، وبوجه خاص مع الفيلسوف الألماني "فلهلم دلتاي"،  (Wilhelm Dilthey) غير أنه من الحري بالإشارة أن المحددات الكبرى لرؤى العالم كانت واضحة المعالم، بحيث يمكن استنباطها والوعي بها في حالة الكمون كما في حالة التجلي، في حالة الوجود بالقوة كما في حالة الوجود بالفعل.

وفي هذا الإطار يحدد "دلتاي" رؤية العالم باعتبارها "الصورة الكونية" (Cosmic Picture) التي تؤلف النواة الأساسية، أو على الأصح "الكتلة الأساسية للمعتقدات والمسلمات الافتراضية عن العالم الحقيقي الواقعي التي يمكن في ضوئها، أو بالنظر إليها، الوصول إلى إجابات شافية عن التساؤلات حول مغزى الكون".

ذلك أن رؤية العالم ظلت تعبر عن حاجة وجودية أصيلة لدى الإنسان، في مختلف مراحل تطوره الحضاري، إلى تمثل العالم من حوله، سعيا إلى فهمه وتفسير مختلف ظواهره، وسبر أغواره حتى يغدو معقولا ومنسجما ومُنَظَّما ومُستوعَبا بالنسبة إلى قواه الإدراكية.

فرؤية العالم تحيل إلى موقف كلي من الحياة ومن العالم، وبصيغة أدق تحيل إلى طريقة لتصور الحياة وإدراك العالم إدراكا كليا..

ورغم الصلة الظاهرة بين رؤية العالم وعملية الإدراك، فإنه لا يمكن اختزالها؛ (أي رؤية العالم) في مجرد معرفة نظرية "باردة" بالعالم، بقدر ما تعبر عن نزوع طبيعي ووجودي أصيل وعميق في الذات الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية.

وهو النزوع الذي يجعل من هذه الرؤية تعبر عن قناعات، أكثر بكثير من كونها تعبّر عن معارف وحقائق.. قناعات راسخة تسهم في تحديد وجهة الإنسان في خضم التاريخ، وتمده بمعنى، وتصور معينين لتدبير وجوده في هذا العالم..

فـ"رؤية العالم"، بهذا المعنى، تترجم موقفا من العالم قائما على قناعات وتصورات تمثل سندا يعضد وجود الإنسان في هذا الكون، ويحدد موقعه ومكانته ودوره في هذا الوجود..، ومن الطبيعي، بناء على هذا كله، أن تتعدد التأويلات بتعدد الرؤى.

نجم عن التوسع في استخدام مفهوم "رؤية العالم" أن ظهرت مصطلحات أخرى تتصادى معانيها مع دلالته الإجمالية؛ ومن هذه المصطلحات؛ نظرة أو رؤية (Vision)، و صورة (Image)، وتوجه معرفي (Cognitive orientation)، ورؤية معرفية (Cognitive view)، ومنظور رؤية العالم (World view Perspective)، ومبادئ ضمنية (Implicit premises)، وافتراضات أساسية (Basic Assumptions) وروح الثقافة (Ethos )وخرائط معرفية (Cognitive Maps) ونحو ذلك.

وفي سياق شيوع ما بات يوسم بـ"صدام الرؤى الكونية" (clash of worldviews) أضحى مفهوم رؤية العالم مفهوما مفتاحيا أساسيا في فهم الوجود الإنساني، وأضحى يتميز، في نظر الكثيرين، بدرجة معتبرة من الإجرائية العلمية والمنهجية في تحديد المشكلات البحثية، وبلورة المعايير والفرضيات والمنظورات التفسيرية المناسبة.

وفي هذا الإطار فإن بعض الأدبيات الغربية الحديثة تُميِّز بين ثمان رؤى للعالم، على أساس مدى قربها أو بعدها، من رؤية العالم الدينية المسيحية، التي تؤمن بخالق مدبر، مقابل رؤية دينية أخرى، تؤمن بخالق غير مدبّر (Deism) ترك الخلق وشأنه، تجري أموره وفق النظام الذي وضعه له، ورؤية طبيعية مادية لا تؤمن بخالق، ورؤية وجودية، ورؤية عدمية، ورؤية حلولية شرقية، ورؤية حداثية، ورؤية ما بعد حداثية..

وبالرغم من أن مفهوم رؤية العالم يتخلل مختلف حقول وأنساق المعرفة الإنسانية؛ من فلسفة، وعلوم اجتماعية وطبيعية، وفنون، وجماليات، وعلوم تطبيقية.. إلا أن الدارس يلحظ المكانة المركزية التي يحتلها الدين في بلورة وبناء رؤى العالم.

ووفقا للدرس الأنثروبولوجي المعاصر فإن "الأديان" حتى في أكثر أشكالها بدائية وأولية، تسهم في بلورة أنساق رمزية تقدم لمعتنقيها تصورا أو رؤية عن العالم، وعن موقع الأفراد والجماعات فيه، وعن علاقاتهم الاجتماعية. وفي هذا السياق جرى التمييز بين العالم الواقعي (Real World) الذي تتحقق فيه حياة الإنسان الدنيوية، والعالم المثالي (Ideal Word) الذي قد لا يوجد إلا على مستوى البنية الذهنية.

هذا عن الرؤية بوجه عام، أما الرؤية القرآنية، فتحيل إلى مجموع الحقائق الأساسية التي تقدم للإنسان المسلم تصورا خاصا للوجود، يَتعامل معه على أساسه. كما أنها تقدم له تفسيرا مطابقا لهذا الوجود بما فيه الحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني..

 فرؤية العالم في التصور القرآني، تختلف عن رؤى العالم في مختلف الأنساق الفلسفية، من حيث وظيفيتها وواقعيتها ومصدريتها الربانية. فرغم أن الفلسفة اليونانية، وما تأسس عليها من فلسفات حديثة، اهتمت بالقضايا الوجودية الكبرى، وأطالت التأمل والتفكير فيها، إلا أن العقل الفلسفي اليوناني، رغم غناه الملفت، لم يَرْقَ إلى مستوى اليقين، والتماسك، ووضوح الوجهة التي ميزت إجابة القرآن المجيد عن الأسئلة الوجودية  الكبرى.

ومن هنا، تنبع أهمية وحيوية الرجوع إلى القرآن الكريم، لاستكشاف معالم الرؤية للعالم الكامنة فيه، من أجل استجلاء القوة الاقتراحية الهادية الموجودة فيه بهذا الصدد، والتي من شأنها أن تُمَكِّن من البلوغ إلى حالة السواء التي رسم معالمها بجلاء، و دعا أن يكون عليها الوجود الإنساني في هذا العالم. ومن المعلوم أن أي خلل في الرؤية إلى  العالم، يؤدي حتما وبالتّبع، إلى أفعال وتوقيعات حضارية مختلة بحسب الميزان الذي أرسته هذه الرؤية. 

إن الرؤية القرآنية  فضلا عما تتميّز به من شمولية، وتوازن، وواقعية ووظيفية، تتميز كذلك، وبشكل معجز، ببنائها النسقي وكليتها التركيبية الجامعة. وهي الكلية التي بمقتضاها، يرتبط عالم الشهادة فيها بعالم الغيب، ويتفاعلان ولا ينفكان بحال، مثلما تتصل في كنفها حقائق الكون، والحياة، والإنسان، بحقيقة الألوهية. وبالتالي فالفصل بين مكونات الرؤية القرآنية ليس إلا فصلا إجرائيا، لا يلغي كلية ونسقية هذه الرؤية.

إن الرؤية الكلية للعالم، كما يستبطنها القرآن المجيد، تؤكد أن الدين الإسلامي إنما تنزل لا ليغير المعتقدات، والتصورات، والمفاهيم، والمشاعر والشعائر، لدى من اختاروا الإيمان به فحسب، وإنما كذلك ليغير واقعهم التاريخي والحضاري.. وذلك عبر تحريرهم من كل الوصايات والأغلال؛       و تمكينهم من تلقي تصوراتهم، وقيمهم، ومعاييرهم، وأحكامهم، ومقاصدها الكلية من المرجعية القرآنية الحاكمة والهادية.

لقد أرسى القرآن الكريم منذ تنزله، أسس واقع إنساني حضاري جديد، يتجاوز الواقع القائم، من خلال منظومة القيم القرآنية في التوحيد، والتعارف، والمساواة، والحرية، والتكريم، والفضيلة، والمروءة، والأخوة الإنسانية، والحق، والخير، والعدل، والجمال..

ولذلك، فإن المقصد من وراء استجلاء مقومات وخصائص الرؤية القرآنية، والتصور الإسلامي للكون والحياة، يكمن في السعي إلى تيسير تمثل هذه المقومات، وهذه الخصائص، حتى تصبح متاحة بعلمية أمام الراغبين، للإفادة منها في تحقيق الذات الحضارية بشكل أصيل و مبدع، في تكامل تعارفي مع الذوات الحضارية الأخرى، و ذلك انطلاقا من كون المعرفة في الرؤية القرآنية لا تنفك عن الحركة، والعلم لا ينفك عن العمل، والعقيدة لا تنفك عن الحياة..

وكما أن من شأن الانشغال بإعادة نَظم و رصف منظومة المفاهيم القرآنية في أنساق مفاهيمية، و أطر مرجعية، أن يبرز لنا رؤية العالم في القرآن الكريم، فإن من شأن النظر في الوقائع والأحداث أن يكشف لنا عن رؤية القرآن للتاريخ الإنساني والتاريخ الإسلامي على حد سواء..

وقد عرف النصف الثاني من القرن العشرين، بروز اهتمام كبير بعلم الدّلالة (Semantics) من حيث هو دراسةٌ للمعنى، تحيل إلى نمط جديد من المعارف مبنيّ على تصوّر جديد للكون والوجود.

وفي هذا السياق، بلور الباحث الياباني توشيهيكو ايزوتسو (Toshihiko Izutsu)  تصورا لعلم الدلالة باعتباره دراسة تحليلية للتعابير المفتاحية (Key-terms) في لغةٍ من اللغات، ابتغاءَ الخلوص إلى إدراكٍ مفهوميٍّ للنّظرة إلى العالم، Weltanschauung، لدى النّاس الذين يتداولون تلك اللّغة، باعتبارها أداةً ليس فقط للتحدّث والتواصل والتفكر والتدبر، وإنما بدرجة أساسية، لتقديم جملة فهوم وتفسيرات للعالَم من حولهم.

وهكذا فإن الدراسة الدلالية للقرآن الكريم تتغيّى، وفق هذا المنظور، البحث عن رؤية القرآن المجيد للوجود، وعن العناصر التكوينية الرّئيسة للعالم، وشبكة العلاقات الرابطة بينها، ليكون عِلْمُ دلالات الألفاظ وتطوّرها، بهذا المغزى، نوعاً من عِلْم الوجود (ontology)؛ علم وجود حيّ ومتحرّك، يُعنى برصد التحول الدلالي على امتداد السياق القرآني، بحيث لا تتم دراسة المعنى الوضعي إلا في صلة جدلية بالمعنى السياقي، بحثا عن شبكة المفهومات في القرآن الكريم، والحقول الدلالية التي تحيل إليها.

وقد اتجه الباحثون الذين اهتموا بـ"رؤية العالم" اتجاهات مختلفة؛ فمنهم من غلب على اهتمامه الجانب السياسي، فلاحظ آثار الرؤية الانقسامية للعالم إلى دار إسلام ودار حرب، على توجهات بعض الفئات الإسلامية تجاه غير المسلمين، ومنهم من حاول أن يدرس قضايا العولمة والنظام العالمي، وما يشهدانه من تناقضات وتوترات في إطار "رؤية العالم" في الإسلام وأبعادها الكونية والعالمية، ومنهم من حاول مقاربة التجديد الحضاري الإسلامي المعاصر، من خلال الرؤية الكونية الإسلامية، ومنهم من ركز على الجوانب التربوية والنفسية، من حيث أثر التنشئة الأسرية والاجتماعية، وأثر المناهج التربوية النظامية، والتربية غير النظامية، وبرامج التربية الموازية في ترسيخ، و تفسير، وتوظيف وتفعيل رؤى العالم.

فبرزت مصطلحات من قبيل "الرؤية القرآنية الكونية"، و"الرؤية الكونية الحضارية القرآنية"، و"الرؤية القرآنية الكلية"، و"رؤية العالم الإسلامية" (Islamic worldview).

وهكذا تتحدد الرؤية الكلية القرآنية عبر مجموعة من المفاهيم المفاتيح؛ لأنه لا يمكن فهم قضية الرؤية الكلية في القرآن الكريم، إلا في إطار منظومة التوحيد؛ عبر شهود وجود الله تعالى و وحدانيته، وأنه هو خالق هذا الكون بما فيه ومن فيه، ومالكه ومدبره، خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض ليعمرها وليتصرف فيها طبقاً لتعاليمه، وامتثالاً لإرادته سبحانه.

ولا يخفى أن الذين يمتلكون الفاعلية، سلبا أو إيجابا، في دنيا الناس، إنما يمتلكونها لاستبطانهم رؤية معينة، فمثلا حين تنظر إلى الحضارة الغربية الراهنة، تجد أن عندها دافعية، وإن كانت دافعية نحو مآلات لا يمكن أن نرتاح إليها جميعها، ولكنها دافعية على كل حال، وهي دافعية تأتي من كون أهل هذه الحضارة قد استكملوا رؤية معينة، وتصورات كسمولوجية معينة، حيث نجد باحثين من أمثال "ماكس فيبر"، و"ديدرو"، و"كارل ماركس"، و"فريدريك نيتشه"، قد بحثوا في هذه الجوانب التصورية؛ وقد أعطى تكامل هذه الأبحاث ما يسمى مركزية الإنسان، والتي أضحت نسقا قياسيا، وإطارًا مرجعيا، شكّل مدخلا للتعامل مع علوم السياسة، حيث أصبح الإنسان بسبب هذه المركزية، هو مدار العلوم السياسية، ومدار كل ما جاء بعد ذلك من نظريات حقوق الإنسان، والدفاع عن الحريات، وهي كلها أمور انطلقت من هذه الرؤية، التي إن نحن رجعنا بها إلى القرآن المجيد، فسوف نجد بينها وبين الرؤية القرآنية الكلية جملة تقاربات، و لكن أيضا تفاوتات، وهذه التفاوتات وجب أن يتم ضبطها ضبطا يصدر عن رؤية تعارفية، كما يحث على ذلك قول الله تعالى: ﴿يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير﴾ (الحجرات: 13).

من هنا كان لابد أن يشكل علم العقيدة، المحضن الطبيعي للبحث في الأطر المرجعية، والأنساق القياسية، التي حين تُستجمع بشأن المواضيع المختلفة؛ (الإنسان، الحياة، المجتمع، الآخرة، الدنيا، المال، الفتنة، الهدى، الضلال، الجود، المركّبات المعرفية، التكتلات البشرية، الحركية بين الأمم، تداخلا، تناقضا، تنافرا، تواؤما، تواشجا دون ذلك، فوق ذلك)؛ وهي قضايا تشكل المفردات، التي بضم بعضها إلى بعض، تُحرر لنا طلائع الرؤية الكلية والشمولية، وهو أمر لا شك أن المسلمين اليوم، في أمس الحاجة إليه؛ لأن الفاعلية الحضارية لا يُتصَوّر انقداح زندها، إلا بامتلاك رؤية ناظمة عن الوجود، والحياة، والأحياء.

ولا شك أن لعلومنا ومعارفنا الإسلامية جوانبها المضيئة الكثيرة، غير أنها عانت ولآماد متعاقبة من انحسار البحث في جوانب الرؤية الكلية والتمثل النسقي، مما كانت له تجلياته وآثاره المباشرة في مجال امتلاك النواظم المنهاجية، التي تسمح بتوسع ونماء متماهيين لهذه العلوم والمعارف، مع مرتكزات وضوابط المرجعية المؤسسة: الوحي، مما بات يقتضي استدراكا ناجزا.

كما وجب أن يتم النظر التفحصي والتقويمي للأنساق المعرفية والمركبات المفاهيمية والاستعمالات المصطلحية السائدة في تراثنا، لتتم مراجعة مختلف الاستنباطات المكونة له في ضوء كل ذلك... إذ الاستنباطات المختلفة التي شهدها مضماره، والتي أضحت اليوم تعتبر ثوابت فيه، قل أن تم الانتباه إليها، وإلى المركبات، وأصول الاستعمالات المصطلحية التي تؤثث مجالاتها.. ومدى اتساقها مع أصول الرؤية الكامنة في الوحي، مما يقتضي أيضا بحثا ناجزا مستأنفا تُحرّر فيه معالم الرؤية الكلية بشكل واضح. ومن ثمّ تطوير نسق معرفي متميز، يجيب عن الأسئلة الكلية، ويبيّن دور هذه الإجابات في بناء العمران البشري، وتحقيق النهوض الحضاري.

  لقد أمست "رؤية العالم" منهجا للنظر في "أديان وثقافات وحضارات الأمم، منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما جلى أسسها ومقوماتها، وكما سلف ذكره، الفيلسوف الألماني "فلهلم دلتاي" (1833-1911)، وعمق الاهتمام بها عالم الاجتماع الألماني الكبير "ماكس فيبر" (1864-1920)، من خلال ربطها بالتاريخ والمجتمع، ومن خلال التمييز ضمنها، بين التصورات الأساسية، والترتيبات الإجرائية.. ومن هنا تنبع الأهمية المنهجية والإجرائية لاستلهامها وتطبيقها في حقل الدراسات الإسلامية عموما، والقرآنية على وجه الخصوص.

وبغض النظر عن التراتبية المعيارية لمختلف رؤى العالم، فإن كل هذه الرؤى تنحو منحى كليا في بنيتها ووظيفتها وتأثيرها. وإن رصدنا لهذا البعد الكلي، لن يتأتى إلا بربط هذه الرؤية بكل من نظرية المعرفة، ونظرية الوجود، ونظرية القيم، ونظرية المقاصد، فضلا عن نظرية العمران البشري..

د. أحمد عبادي
الأمين العام للربطة المحمدية للعلماء



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مقاصد الشريعة والسياق الكوني المعاصر

مقاصد الشريعة
والسياق الكوني المعاصر

من المسلّم به عند علماء الأمة، أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما شرعت لتحصيل مقاصد؛ غايتها تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل، وبعض هذه المقاصد منصوص عليه في القرآن الكريم والسنة الشريفة على وجه التصريح، وبعضها مشار إليه على وجه الإيماء والتنبيه، والدوران والإخالة، والسبر والتقسيم، وبعضها منضبط وظاهر بحيث لا يختلف النظار في تحديده والاعتداد به.

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر
التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

كَلِف العلماء المسلمون بشدّة بموضوع المعارف الإنسانية، يشهد لذلك افتتاح العديدين منهم مصنفاتهم بموضوع العلم، وحقيقته، ومعناه، وما يحصل به العلم من النظر والاستدلال وإحكام النظر، مع تَبايُنٍ في التناول بتباين الخلفيات المذهبية، والاختيارات المنهجية المتعلقة بوسائل المعرفة، وطرق فهم النص وتأويله، في مختلف فروع المعرفة.

الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد

الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد

كَلِف المسلمون بموضوع المعارف الإنسانية، وانطبع حراكهم في مضاميرها وحلباتها بفاعلية ونجاعة كبيرتين، بسبب النقلة الهائلة التي أحدثها القرآن المجيد في طرائق النظر والاستدلال والاستنباط. مما كانت له آثار مباشرة وظاهرة على مناهج الاستمداد من الوحي، والتنزيل على أرض الواقع، وهو ما أوجد نسقا إسلاميا متميزا في المعرفة والعمل، قوامه الوحدة والاتساق.