25 ذو القعدة 1438 / 18 غشت 2017
ملتقى الإحياء

التقرير التفصيلي لملتقى الإحياء السابع
التقرير التفصيلي لملتقى الإحياء السابع

 انطلاقا من كتاب:  "خطاب التضامن الإسلامي في ضوء حملة نابليون على مصر والشام وموقف المغرب منها" للدكتور محمد حواش

 انتظمت فعاليات ملتقى الإحياء السابع وذلك يوم الخميس 18 رجب 1436ﻫ الموافق لـ27 ماي 2015م ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال، إلى الساعة الثامنة مساءً بقاعة الاجتماعات بالمقر المركزي للرابطة المحمدية للعلماء، الوداية-الرباط. حول موضوع التجربة التاريخية لتضامن المغرب مع أمته انطلاقا من كتاب: "خطاب التضامن الإسلامي في ضوء حملة نابليون على مصر والشام وموقف المغرب منها" للدكتور محمد حواش، وهو كتاب من الحجم الكبير 607 صفحة، صادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، في طبعته الأولى2013م، وقد تم اتخاذه منطلقا لمناقشة وتدارس واقع التضامن في العالم الإسلامي انطلاقا من منظورين؛ منظور تحليلي تقييمي لواقع التضامن بين مختلف مكونات العالم الإسلامي في الماضي والحاضر، ومنظور استشرافي اقتراحي لإحياء قيمة التضامن بين شعوب العالم الإسلامي أملا في تحقيق وحدة تصون كرامتهم وتحفظ حقوقهم.

وقد شارك في هذا الملتقى نخبة متميزة من الأساتذة الباحثين في حقل الدراسات الإسلامية والتاريخية. وهم السادة الدكاترة، محمد حواش، الفقيه الإدريسي، محمد الناصري، وعبد السلام طويل.

استهل هذا الملتقى رئيس تحرير مجلة الإحياء الأستاذ عبد السلام طويل، الذي أدار فعاليات هذا الملتقى، بكلمة تأطيرية أوضح فيها أن هذا الملتقى السابع لمجلة الإحياء يسعى إلى محاولة رصد وتقويم واقع التضامن في العالم الإسلامي بين الماضي والحاضر انطلاقا من موقف المغاربة من الحملة الفرنسية على مصر.

مبرزا أن لحظة الحملة شكلت لحظة فارقة في تاريخ تفاعل المسلمين مع العالم من حولهم، ليس لأن الحملة شكلت خلاصة المخاض التاريخي والحضاري الذي عبرت عنه الثورة الفرنسية، وإنما لأنها جاءت محمولة على منطق جديد للقوة (العلمية والتكنولوجية، الاقتصادية والعسكرية) وهي القوة التي اختلفت جذريا عن مفهوم القوة التقليدي الذي طالما شكل قوام الاجتماع السياسي القديم. وكان من البديهي أن يفرز هذا النمط الجديد للقوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية، نمطا جديدا للصراع والتدافع أكثر تعقيدا وأكثر شمولية..

 وبعد أن أبلغ المشاركين تحيات فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور أحمد عبادي وشكره للأساتذة المشاركين أحال الكلمة للدكتور الفقيه الإدريسي الذي قدّم قراءة تركيبية مستوعبة لأهم قضايا الكتاب موضوع هذا الملتقى.

الفقيه الإدريسي:

سعيد جدا بمشاركتي في هذا الملتقي العلمي، أهنيء الأستاذ محمد حواش على هذا العمل الذي اعتبره إضافة نوعية إلى حقل البحث التاريخي المغربي ومرجعا توثيقيا لا محيد عنه في مجال العلاقات الدولية للمغرب إبان فترة القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر. وهي الفترة التي انتقلت فيها ثنائية الصراع الديني التقليدي بين دار الإسلام ودار الكفر التي حكمت أزمانا متطاولة أنظار وتمثلات العقل الجمعي الإسلامي اتجاه الآخر المسيحي إلى قضية صراع سياسي واقتصادي وجيوستراتيجي بين قوى سياسية انتظمت في أحلاف وتكتلات عسكرية واقتصادية وسياسية.

كما أعتبر العمل بكل مقوماته ينأى عن دائرة البحث العلمي الذي درج عليه الباحثون المغاربة منذ ثلاث عقود من الزمن على الأقل، حينما جعلوا من الكتابة المونوغرافية منهجا وموضوعا إطارا مفضلا للاشتغال، ليعانق أفق العلاقات الدولية بمنظور تفاعلي يزاوج بين تطورات السياسية الوطنية ومتغيرات السياق الدولي حتى يتأتى من جهة توطين الوقائع واستقصاء ملابساتها توطينا مهما واستقصاء عقلانيا، وحتى يتسنى تأطير التوجهات الصادرة عن صناع القرار من القوى الرسمية وغيرها من النخب الاجتماعية الأخرى الفاعلة، تأطيرا يستجلي ما بينها من ثنائيات ويلامس ما يبنى خلفها من تحيزات وخلفيات.

فوعيا منه بالأهمية القصوى والاستراتيجية التي احتلها ويحتلها الرأسمال الرسمي المشترك في تشكيل وإعادة تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية والحضارية والمجالية للمجتمع العربي الإسلامي مشرقا ومغربا، والذي يستوحي قوامه الأساس من العقيدة الإسلامية ولغة الضاد والإرث التاريخي المشترك، جعل الأستاذ حواش؛ يقبل التحدي لاستقصاء واحدة من القضايا التي تثير الجدل والاهتمام في وقتنا الراهن وأكثرها حضورا وتأثيرا في المحافل السياسية والمنتديات الثقافية الرسمية والغير الرسمية ألا وهي قضية التضامن الإسلامي ليراقب ويتفحص عن قرب ممكنات تحقق مطلب هو في الأصل مطلب شرعي قبل أن يكون مطلبا سياسيا وحضاريا إزاء حدث اهتز له العالم الإسلامي شرقا وغربا لأنه استهدف قطرا عربيا وإسلاميا هو القطر المصري الذي كان تحت الوصاية العثمانية بوصفها آنئذ دولة الإسلام الكبرى، وهذا الحدث هو حدث حملة نابليون بونابرت.

إن تناول محمد حواش لهذا الموضوع قد تم وفق مقاربة تاريخية تميزت بالنسقية والتكاملية والشمولية، وهي خاصيات تفرد بها بحثه على الكثير من الأعمال العلمية الأخرى التي غالبا ما ارتهنت إلى المنهج التاريخي الوصفي، وإلى الوثيقة الرسمية بشكل يكاد يكون أحاديا في سبيل تحقيق النتائج والخلاصات التي انتهى إليها.

 وموظفا آليات منتمية إلى علم الاجتماع السياسي والأنثربولوجية الدينية والثقافية والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية وغيرها، مما جعل خطابها في بعض المباحث والفقرات يتحول إلى حوار هادئ بين علم التاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى المجاورة له، وهذا ما أضفى على عمله في المحصلة العامة قيمة وحيوية خاصة أبعدته عن الوقوع في مطب الرتابة ودوغمائية التحليل.

وأسجل هنا مجموعة من الملاحظات ترتبط، على مستوى التأطير الزمني، بما يلي:

أن الباحث محمد حواش كان منسجما تمام الانسجام مع روح إشكاليته المركزية حينما جعل الجزء الزمني يمتد من سنة ألف وسبعمائة وثمانية وتسعون إلى ألف وثمانمائة وواحد، الموافق في الحقيقة لتاريخ تنفيذ الحملة على مصر إطارا زمنيا لعرض مناقشة أطروحة التضامن الإسلامي.

وهو إطار زمني مفتوح على ما قبله، حيث زمن الثورة الفرنسية وعصر الأنوار، وعلى ما بعده حيث زمن الحركة الاستعمارية الأوروبية والتنافس على الأسواق والمنافذ التجارية البحرية والبرية والتسابق المحموم من أجل إعادة ترتيب المواقع والتحالفات الدولية.

عبد السلام طويل:

في هذا السياق التقيمي، ألا ترون أن أهم مصادر قوة أطروحة الأستاذ حواش في هذا العمل يكمن في متانة وتنوع مرجعيته البحثية واعتماده لمنظور تفسيري متعدد الأبعاد؟

الفقيه الإدريسي:

إن من بين ما أضفى على هذا العمل طابع التميز والخصوصية هو استناده من البدء حتى المنتهى على ترسانة وثائقية مصدرية متنوعة الأصول والمشارب ومتعددة الأجناس والهويات، حيث انتقل من وثائق الأرشيف الوطني، إلى وثائق وزارة الخارجية الفرنسية ووثائق وزارة الحرب الفرنسية ووثائق القنصلية الأمريكية بطنجة وطرابلس، ودفاتر المحاكم الشرعية بالقاهرة، والنشرات والملحقات الوثائقية، إضافة إلى الأصول المخطوطة والمصادر المطبوعة مما أضفى على هذا النص ثراء وتنوعا في الخبر وشمولا في المعنى، ناهيك عن التحريات الميدانية للتحقيق في أسماء الأعلام والأماكن سواء في المغرب أو في مصر، والتعرف عن قرب عن البيئات الاجتماعية التي انتمت إليها بعض الشخصيات المغربية. لقد وظف الوثيقة توظيفا واسعا ومفتوحا يتوافق، روحا ومعنا، مع توظيف رواد مدرسة الحوليات الفرنسية.

 وأختم مداخلتي هاته بمجموعة تساؤلات:

هل يمكن اعتبار هذا الموقف الذي اعتمدته القوى الوطنية في المغرب وكذا النخبة المخزنية من مطلب الجهاد باعتباره التجسيد العملي لمقولة التضامن التي طالما تُدوُلت مقالاتها في العديد من الرسائل التي تبادلها السلطانين العثماني والمغربي في أكثر من مناسبة؟

وهل يمكن اعتبار هذا الموقف موقفا احترازيا ومتوازنا لأنه يُغَلِّب مسألة الأمن الوطني ومصالح البلاد الجيوستراتيجية، مقارنة مع ما كان ينبغي أن يكون عليه استنادا إلى ما كان يطلبه الباب العالي من مسألة التضامن التي يمليها واجب الأخوة الإسلامية والحمية الدينية؟

ألا يجد هذا الموقف تفسيره في غياب سند يدعمه، بحيث لم يكن يجد ما يسنده في العمق من قوة اقتصادية وتجارية واستراتيجية وسياسية متجذرة وموصولة الحلقات باعتبار أن التضامن ما هو إلا نتيجة لعلاقات اقتصادية وسياسية سابقة؟

ألا يمكن اعتبار التزام المولى سليمان بموقف المصالحة والمهادنة مع فرنسا وعدم انجراره إلى أي رد فعل عدائي معها أو مع رعاياها في المغرب إنما هو موقف يدخل ضمن وعيه بالتفاوت الحضاري والفكري، وبالسبق التقني والاقتصادي الذي صار يميز الدول الأوروبية عن نظيراتها العربية الإسلامية في هذه الفترة مما يجعل أي مواجهة معها فاشلة ومكلفة مهما كانت دائرة التضامن متسعة وشاملة؟

عبد السلام طويل:

كنا بصدد قراءة ومقاربة مستوعبة أمسكت بالمفاصل الأساسية للأطروحة، طبعا فيما يتصل بإشادتكم بالبعد البحثي المنهاجي الذي اعتمده الدكتور محمد حواش، أنا أقدم شهادة حية مفادها أن الدكتور محمد حواش فعلا عاش تجربة بحثية حقيقية. الآن للأسف الشديد الأطاريح تناقش بطريقة مهلهلة وأغلب الطلبة كما أغلب الأساتذة ما عادوا يهتمون ببذل الجهد البحثي اللازم. أما السيد محمد حواش فقد كان بالغ الجدية والتفاني في تعامله مع بحثه، فقد كان لي شرف استضافته بالقاهرة، حيث كنت أودعه في الصباح فلا أراه إلا وهو عائد في منتهى الإنهاك مساء، والقاهرة تقهر فعلا بنظام مواصلاتها، يعود وهو منهك محمل بمجموعة من الوثائق والنصوص والكتب وغيرها.

فقد ذكرني برحلات العلم والاستكشاف والتعارف التي كان يقوم بها أسلافنا؛ ابن خلدون، ابن بطوطة، أبي شعيب الدكالي، علال الفاسي... وقد احتفظت بذكريات جميلة مع الأستاذ حواش حين اصطحبته للصالون الأدبي للدكتور الشاعر أحمد تيمور بشارع الهرم، وما أن شرع في عرض أطروحة بحثه حتى استفز بعض الحاضرين من أعضاء الصالون ممن أخذوا دور المغاربة في مواجهة حملة نابليون بحساسية مبالغ فيها، وهو ما أثار نقاشا حادًّا.

كما أذكر أنني اتصلت بأستاذي محمود أمين العالم، رحمه الله رحمة واسعة، ليساعدنا في الاتصال بجمعية المؤرخين المصرية، وقد تفضل مشكوراً ونسق لنا لقاء مع رئيسها وبعض أعضائها، وحدّدنا موعداً بمكتبه بـ"دار قضايا فكرية" بحي الجاردن سيتي، وفعلا ذهبنا إليه في الموعد المحدّد، فغادرنا المكتب في اتجاه مقر الجمعية، لكن تقدم سن الأستاذ العالم جعله ينسى المكان، وكانت هذه أولى علامات إصابته اللاحقة بداء الزهايمر التي لم أستوعبها في حينها، وبعد أن أعيانا البحث استسلم لعجزه في التعرف على المكان، ودعانا لتناول وجبة الغذاء في مطعم "فلفلة" المشهور الموجود بين ميداني "التحرير" و"طلعت حرب".

فأنا رغم أني أقمت في القاهرة لمدة ليست بالقصيدة إلا أنني لأول مرة سأرافقه للبحث عن التجار من أصول مغربية في حي الغورية بحي سيدنا الحسي. وفعلا التقينا بتاجر مغربي..

محمد حواش:

 لقد أثبت صورته في الكتاب في الصفحة (467) وهي مأخوذة بمصورتك.

عبد السلام طويل:

 عجيب نعم هاهي بالضبط فعلا هذا هو الشخص نعم.

فالخلاصة هي أن الأستاذ محمد حواش قام بعمل بحثي مضني في دار الوثائق المصرية في المحاكم الشرعية في مكتبة القاهرة... للأسف هذا النمط من البحث بتنا نفتقده.. أمام فوضى الاستسهال وصياغة الأبحاث عبر استنساخ النصوص ورصها رصاً دونما رؤية ولا حس منهجي.. بدون فرضيات علمية ولا مشكلة بحثية محددة.. وهو استنساخ يصل حد الشرفات العلمية.

 الأستاذ محمد الناصري، ماذا عن قيمة التضامن في المرجعية الإسلامية؟

محمد الناصري:

بدوري أهنيء أستاذي الدكتور محمد حواش عن هذا المولود العلمي وأتمنى له المزيد من التألق، هناك لحظات حاسمة في تاريخ الأمم والشعوب والأفراد يجب أن يتوقف عندها المرء عن السير لكي يعطي العقل فرصة للتفكير والتأمل والنظر… وفي يقيني أن الأمة العربية والإسلامية، ومنذ وقت بعيد، مدعوة لأن تفكر وأن تعاود التفكير فيما آل إليه أمرها، الذي أقل ما يوصف به أنه العجز وأصدق ما يصور به أنه المهانة. وإذا كانت الأمة الإسلامية مدعوة للتفكير، فإن أكثر من توجه إليهم الدعوة للتفكير هم أبناؤها ممن يفكرون أو ممن يدعون أن بضاعتهم أو صنعتهم هي التفكير… وهناك هموم عديدة لابد من أن يفكر فيها ويعاد تقويمها، وهي أمور جوهرية وخطيرة تشمل فيما تشمله: الدين، الثقافة، السلطة، الوحدة… وغيرها كثير، وكل أمر منها هم ثقيل.

بيد أنه يهمنا من هذه الهموم ما نعتقد أنه أكثرها إلحاحا وأشدها خطرا؛ ونعني به "التردي الأخلاقي" الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، أفرادا وجماعات ونخبا. وربما اتهمني البعض بالغلو إذا قررت أن كل الكوارث التي أصابت وتصيب أمتنا ومزقت شملها مردها إلى هذا التردي.

ولهذا فحاجة المشتغل بالفكر اليوم من المسلمين إلى أن يتأمل في الممارسة الأخلاقية أشد منها في أي وقت مضى.

سأتحدث عن الآثار الرائعة للأخلاق التطبيقية التي قدمها لنا القرآن الكريم. وذلك من خلال الحديث عن قيمة التضامن في المرجعية الإسلامية على اعتبار أن التضامن من القيم القرآنية الموجهة لعلاقات المسلمين فيما بينهم وعلاقاتهم بغيرهم من الأمم والشعوب الأخرى.

وأشير إلى أن هناك إشكالا يعترض كل باحث عن قيمة التضامن في الرؤية الإسلامية هو إشكال خلو الأصول المؤسسة لهذه الرؤية من لفظ "التضامن"، بحيث لم يرد لفظ التضامن في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، مما يفرض الإجابة عن سؤال: هل خلو القرآن الكريم والسنة النبوية دليل على غياب قيمة التضامن في الثقافة العربية والإسلامية؟، إشكال شبيه بما سبق وأن طرحه بعض المستشرقين من أن القرآن لا يعرف شيئا اسمه الضمير، في نظامه الخلقي، ومن تم حكموا بضعف الجانب الأخلاقي في القرآن الكريم، واعتبروا الأخلاق القرآنية ليست ذات قيمة، ومن تم فهي لا تصلح، عندهم، لتكون نظاما أخلاقيا يحتكم إليه.

 والعجيب أن يرد واحدا من أكبر المستشرقين على هذا الادعاء الباطل، بقوله: "وقد حاول بعض الباحثين التدليل على قلة القيم الدينية والأخلاقية للإسلام بالاستناد إلى حجج ترجع إلى اللغة التي ظهرت بها تعاليمه، فقد قالوا، مثلا إن الإسلام خال من الفكرة الأخلاقية التي نسميها الضمير، محاولين أن يسندوا هذا الزعم بأن اللغة العربية نفسها وسائر اللغات الإسلامية خالية من كلمة خاصة للتعبير تعبيرا دقيقا عما نقصده من كلمة "ضمير".

 ويعترض جولد زيهر على ذلك مستشهدا بقول القائل: "إن النقص أو الثغرة في اللغة لا يفترض حتما نفس النقص في القلب" ملاحظا أن هناك لغات ليس فيها كلمة "شكرا" مثلا ويتساءل: فهل هذا دليل على أنه لا مكان فيها للعرفان بالجميل، كما يشير إلى رفض الجاحظ لما تردد على لسان بعض معاصريه من أن خلو لغة الروم من كلمة "الجود" دليل على بخلهم. وأن خلو اللغة الفارسية من كلمة "نصيحة" دليل على "الغش الغريزي الذي فيهم" !. ثم يشير جولد زيهر إلى أن المعنى الأخلاقي الذي تفيده كلمة ضمير في اللغات الأوربية يعبر عنه في اللغة العربية بكلمات أخرى في مقدمتها: القلب".

والحق أن ما ذهب إليه جولد زيهير صحيح تماما، فإذا كانوا يطلقون الضمير "ويقصدون به الملكة التي نصدر بها أحكام القيمة التي تعد من طبيعة أخلاقية"، فإن هذه الوظيفة هي أساس الأخلاق القرآنية، وهي من عمل "القلب" فالقلب في القرآن والضمير في الفكر الغربي، وتشهد على ذلك آيات قرآنية عديدة منها: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (ق: 37)، "فإنها لا تعمى الاَبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج: 44)، "وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة" (الحديد: 26).

من خلال ما سبق نستطيع القول: أن خلو القرآن الكريم والسنة النبوية من لفظ "التضامن" لا يعني بأي وجه من الوجوه أن الإسلام لم يحث على قيمة التضامن. وإلا فإذا كان التضامن يشير إلى تفاعل هدفه تحقيق الأهداف المشتركة لأطرافه، فإن آيات القرآن ونصوص السنة كلها دعوة لهذا المعنى. والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جدًّا، وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن فقد وردت بمعناه، والأشياء بحقائقها ومعانيها لا بألفاظها المجردة، فالتضامن معناه التعاون والتكاتف والتكافل والتناصر والتناصح والتواصي وما أدى هذا المعنى من الألفاظ، يدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويدخل في ذلك أيضًا تعليم الجاهل وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم وحفظ الأمن والأخذ على أيدي المفسدين، وتسهيل التعاون بين المسلمين فيما بينهم، وبين غيرهم في كل ما يحفظ الحق ويقيم العدل وينشر الأمن والسلام في كل مكان.. معاني كلها تدل على أن التضامن يأتي في القرآن الكريم مرادفا للتعاون كما في قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاِثم والعدوان، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب" (المائدة: 2).

ومما ورد من الأحاديث الشريفة في التضامن الإسلامي وهو التعاون على البر والتقوى، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وقوله  صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك بين أصابعه وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين والتراحم والتعاطف والتعاون على كل خير وفي تشبيههم بالبناء الواحد والجسد الواحد ما يدل على أنهم بتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم تتحقق وحدتهم.

إن شأن قيمة التضامن في الإطلاقية والشمول شأن كل القيم القرآنية. فلقد قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم تقديم مساعدة مالية للمشركين حين قحطوا مع أنهم هم الذين أخرجوه من بلده، وحشدوا له المقاتلين المشركين لقتله". "ومر" عمر رضي الله عنه أيضا بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي: قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال قال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب ووضع عنه الجزية وعن ضربائه". كما "مر عمر رضي الله عنه في أرض الشام بقوم مجذومين من النصارى فأمر أن يعطوا من مال بيت المسلمين وأن تجري عليهم المؤن بانتظام".

وعموما فإن هذا النوع من التضامن، الذي رسم ملامحه القرآن المجيد وطبقه الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضوان الله عليهم، هو أحد عوامل التطور الاجتماعي والحضاري الذي عرفه العالم الإسلامي في عصره الذهبي.

عبد السلام طويل:

 شكرا جزيلا الأستاذ محمد الناصري على هذه المقاربة المعيارية المفاهيمية لموضوع القيم والأخلاق في المرجعية الإسلامية، قد يبدو أنها ظاهريا بعيدة عمّا ما نحن بصدده لكن هي في العمق قريبة من حيث التأصيل لمفهوم الأخلاق والقيم، والتضامن باعتباره قيمة محورية.

محمد حواش:

هذا ما كان ينقص هذا الكتاب.

عبد السلام طويل:

 نعم قيمة التضامن قيمة محورية؛ وهي تحيلني، في إطار الربط بين المداخلات، إلى علاقة القيم بالتاريخ، تاريخية القيم أو البعد التاريخي للقيم، أعتقد بأن ميزة المقاربة التاريخية خلافا للمقاربة المعيارية أنها تُجَلِّي؛ هذه التجلية تصل إلى حد الفضح والكشف، والمقاربة التاريخية تكشف التضاربات تكشف التناقضات، تكشف أنماط الزيف، تكشف الازدواجيات، تكشف الاختزالات، تكشف مسافة الخلف بين المثال والواقع، بين المعيارية والتاريخية. وهنا قوة المقاربة التاريخية.

وهكذا فإن القيم أو الأخلاق لا تتحقق إلا في التاريخ وبفعل قواها؛ أي القوى التاريخية الموضوعية، التي تتمثل في العصبية، والقبيلة، والعشيرة، الحمية، الاقتصاد، التجارة، الرغبات، المصالح، النوازع... إلى غير ذلك. كما أن هذه القيم لا تتحقق إلا في حدود ممكناته؛ (أي ممكنات التاريخ) ذلك أن القيم لا تتحقق إلا في حدود الممكنات التي يتيحها التاريخ، وهذا ما أبرزته الأطروحة فيما يتصل بقيمة التضامن خاصة حينما ميزت بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي، وأعتقد بأنهما يتبادلان الأدوار، هناك نوع من تبادل للأدوار، حينما نستحضر الدور الذي قام به الشيخ محمد الجيلاني في الصعيد هو وأخوه الطاهر وابن أخته حسن ومحمد بن الأحرش الدرعاوي ومولاي محمد المغربي، تبرز هذه الجدلية بين الفعل الرسمي والفعل الشعبي..

وفي هذا السياق من الشائع القول بأن منطق المؤرخ عدو منطق السياسي، لماذا؟ لأن السياسي، في ظل السياقات السياسية التي تغيب فيها وتضمر منظومة القيم الأخلاقية عادة ما ينزع إلى عدم الالتزام؛ لأن السياسية في بعدها المصلحي الدهري بطبيعتها تغوي، وبالتالي فأمام عجزه على الالتزام فهو عادة ما يلجا بطريقة واعية أولا واعية، إلى سياسة المحو؛ أي محو الذاكرة. غير أن المؤرخ يأبى إلا أن يُذَكِّره وحينما يذكِّره فهو يُحدث له نوعا من القلق، نوعا من التوتر، ومن المفيد هنا أن يحصل، بشكل من الأشكال، التكامل بين المقاربة التاريخية الموضوعية الوقائعية، والمقاربة المعيارية القيمية.

أحيل الكلمة إلى أستاذي الدكتور محمد حواش ليعرض ما بدا له من التعقيبات والملاحظات.

محمد حواش:

بسم الله الرحمان الرحيم، شكرا أخي وصديقي وزميلي سيدي عبد السلام، فأنا حقيقة أعيش لحظة خاصة لأن الذي استضافني بالأمس بين أبنائه (...) ها هو اليوم ينظم قراءة في هذا الكتاب، وهي أول قراءة في هذا الباب، فأنا في الحقيقة لا أحصي أفضاله ولا أقدر على شكره الشكر الذي يليق به. وقد قلت له مرات عديدة كيف أن الله، سبحانه وتعالى، جمعنا في صعيد واحد بغير ميعاد ودون تنسيق مسبق، ولكنه جمع مبارك والحمد لله. فمن داره بمصر خرجت أشطر وأجزاء كثيرة من هذا البحث، و بها تم جمع مادته، وقد استفدت كثيرا من الأحاديث التي كنا نجريها سويا ومطولا حول موضوع هذا البحث، فأخي عبد السلام حاضر في هذا الكتاب/ الأطروحة بكثافة، حاضر بالأمس كما هو حاضر اليوم، وأرجو الله أن يكون هذا من حسناته التي تقبل عند الله، لأنه هو أيضا ساهم فيه بطريقته..
وأشكر أيضا زملائي الأساتذة الذين صاحبوني في هذه الرحلة من داخل المغرب بمدينة بني ملال إلى شواطئه في مدينة الرباط، وهي رفقة جميلة ومباركة بين رجلين وكفاءتين علميتين أحبهما وأرتاح إليهما، هما من صعيدين طيبين، الأول من شعبة التاريخ والثاني من شعبة الدراسات الإسلامية، كما أشكر باقي الإخوة الذين شرفونا بالحضور.

فماذا عساي أقول؟ الكتاب موجود أمام أعينكم، والحمد لله أن خرج إلى حيز الوجود، فهذا العمل منذ أن بدأته وعلى امتداد سنوات إنجازه لم أر فيه الصفة؛ صفة الدكتوراه أو شيء من هذا القبيل، وإنما هو عمل كما يقال في سبيل الله، صدقة جارية، وأنه منذ عنَّت لي هذه الفكرة واقتنعت بها وهبت لها من العمر ما ناهز  ثماني سنوات، ولن أحصي المال الذي أنفقت في سبيل تحقيقها، ولا العمر الذي قضيته فيها، ولا المشاق التي تحملتها من أجل إنجاز هذا العمل داخل المغرب و في الديار الفرنسة والمصرية، حتى الأولاد في بعض الأحيان تضرروا وربما أوذوا في سبيل إنجاز هذا المشروع الفكري، لكن ما خفف من هذا الحمل الثقيل وساعدني عل إنجازه على الصورة التي هي بين أيديكم، أني كنت فيه عاشقا..

هذا هو ما لخصه كلام زميلي الأستاذ الفقيه، كنت محبا لهذا العمل لا أبغي به شيئا آخر سوى أنني أنجزه حتى تعم فائدته جميع مكونات الأمة الإسلامية. وبعد أن أنجزته ظهرت لي أشياء أخرى قمت بمتابعتها وبإتمامهما، لكن كانت رغبة إنجازه كبيرة منذ الأول، لذلك كرست له من الجهد، ومن الوقت، ومن المال، ومن الأعصاب، ما قدرت عليه حتى خرج إلى حيز الوجود. ويمكن أن أقول إنه قد شكل بالنسبة لي قضية عمر اختزنت تجربة عاطفية ووجدانية فريدة من نوعها، غير أنني لم أتساهل في أن أنجزه وفق القواعد المرعية من الناحية العلمية، استفرغت فيه تجربتي العلمية وجهدي الفكري وما تعلمته وما خبرته سواء قبل أو أثناء الإنجاز من مكتسبات منهجية لكي أحقق فيه الشيء الذي كنت أصبو إليه..

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهذا العمل شكل بالنسبة لي في وقت من الأوقات، جزء من وطنيتي، وجزء من عقيدتي، وجزء من إنسانيتي، فهو من حيث وطنيتي جاء ثمرة لاعتزازي بمغربيتي ولا أزيد على ذلك، خاصة إذا انتقلتَ من المغرب وحللتَ بمصر ستعتز حتما بوطنيتك  أكثر من المتوقع، كما حصل لأخي  عبد السلام طويل وكما حصل لعدد من المغاربة.
 كنت دائما أقول بأن المغرب يتوفر على تاريخ خاص ومتفرد، يحظى بخصوصية تاريخية، أقول هذا ليس مصادرة على أي بلد آخر، وإنما لأن المغرب له فعلا مركزية معينة داخل العالم الإسلامي، وعنده أدوار تاريخية رائعة جدا، لكن مع الأسف لم تتوفق المدرسة المغربية والنظام التعليمي في المغرب من توصيل هذه الحقيقة إلى أذهان الناشئة بالقدر الذي يجعلها تعتز بهذه الخصوصية وبهذه الأدوار التاريخية التي اضطلع بها المغرب في محيطه الإسلامي والدولي. إن من حق الناشئة المغربية أن تعلم هذا وتتعلمه، وتدرك مدى الإشعاع الحضاري الذي كان لهذا البلد، والامتداد الخارجي الذي كان يمارسه في اتجاه محيطه الإنساني عامة ومحيطه الإسلامي على وجه الخصوص. لهذا يمكنني القول إن إعادة الاعتبار للمغرب من هذه الناحية قد شكل أحد الرهانات الرئيسة لهذا البحث.

بخصوص بداية هذا المشروع البحثي؛ كان عندنا بكلية الآداب ببني ملال مجموعة للدراسات والأبحاث في المغربية المشرقية، وكان لي شرف تنظيم عدد من أنشطتها والمشاركة فيها، واضطلعت بهذه المناسبة عما كتبه الجبرتي في مؤلفه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ووجدت كيف كان المغاربة، دولة ومجتمعا، يتضامنون مع غيرهم من الشعوب الإسلامية، وكيف أنهم لم يدخروا وسعا في الإقدام على نصرة إخوانهم في المشرق مهما كلفهم ذلك من تضحيات، وأثار انتباهي الموقف البطولي الذي وقفوه تجاه الحملة العسكرية التي نظمها نابليون ضد هذا البلد الشقيق سنة 1798، وكتبت مقالا مفصلا في ذلك.
  إذا هكذا سارت الأمور، فارتبطت بهذا العمل ارتباطا قويا، وحاولت أن أجعله متحققا بالقدر العلمي للكلمة لكي أبرز من خلاله كيف كان المغاربة يتضامنون مع غيرهم من الشعوب الإسلامية الأخرى، فاخترت حالة تمثيلية يمكنني من خلالها مراقبة مدى ارتباط المغاربة بمحيطهم الإسلامي عملا بفرضية التضامن والتآزر بين الشعوب الإسلامية، ووقع اختياري على حملة نابليون بونابرت على مصر لاعتبارات خاصة أملتها العلاقات القوية التي كانت تربط المغرب بهذا البلد ثم الخطورة غير المسبوقة التي اكتستها هذه الحملة العسكرية بالنسبة لمجموع بلدان العالم الإسلامي .

اعتقدت بأن الأمر يتعلق بحالة مثالية لمراقبة مدى تحقق واجب التضامن بين بلدين إسلاميين، فسعيت إلى ذلك من خلال هذا البحث الموسع. هذا هو الرهان الذي أخذته على عاتقي منذ البداية، فقمت بمراقبة العلاقات بين مصر والمغرب في هذه اللحظة الحرجة ثم أضفت إلى ذلك الشام لأن هذه الحملة امتدت في بعض الأوقات إلى فلسطين، انطلاقا من مفهوم مركزي في المنظومة الدينية والحضارية الإسلامية هو مفهوم التضامن، فحاولت من خلال ذلك توضيح كيف تحقق هذا التضامن في الواقع التاريخي؛ بلغة المؤرخ، ومنطق المؤرخ. لذلك أقول لو كنت متوفرا ساعتها على بعض عناصر المداخلة التي أدلى بها الأستاذ محمد لناصري لاستدمجتها في مقدمة بحثي. ولكن أنا راهنت أكثر على مراقبة خطاب التضامن، وهو خطاب ضخم، بل أزعم فأقول إنه متضخم. فلذلك أردت من خلال هذه الحالة التمثيلية أن أرصد وأراقب كيف تتم عملية التضامن في الواقع، ليس كخطاب نظري وإنما كواقع تاريخي ملموس، كيف يتم تنزيل هذا الخطاب الضخم، المتضمن في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة وفي التراث الإسلامي، في الواقع التاريخي؟ كان هذا هو السؤال المركزي الذي تأسست عليه إشكالية هذا البحث.

ولكن بالمناسبة اكتشفت جانبا آخر أكثر تشويقا وغنى، هو خصوصية المواجهة الحضارية التي حصلت فجأة وبشكل عنيف بين غرب حداثي متطور ممثلا في فرنسا الثورية  وشرق يعاني مما سيصطلح عليه قريبا بالانحطاط الحضاري العام، لقاء غير مرتب وغير متوقع... مابين غرب متقدم يعيش عصر الأنوار وشرق يتوارى إلى الخلف قبل أن تختفي صورته الحضارية المجيدة نهائيا عن الأنظار. نعم كان هناك صدام عسكري تلاه غزو واحتلال لمصر وأجزاء من الشام، هذا بُعدٌ تم رصده،لكني اكتشفت وأنا بصدد هذا العمل مدى تأثر العالم الإسلامي بتراثه الفقهي بهذا الحدث، إذ نجد صدود المسلمين وامتناعهم عن زيارة الآخر بحكم فقهيات متزمتة وتقسيم فقهي قديم مفاده أن العالم: دار إسلام ودار حرب، وتجريح من يذهب إلى الغرب، فحرموا أنفسهم من الاطلاع على ما وصل إليه الغرب من تطور، فبقي المسلمون غرباء عما كان يجري في العالم من حولهم إلى أن وصل الغرب مقتحما لديارهم بعد أن مهد لذلك بالعديد من الرحلات الاستكشافية. وهكذا فإن هذا الغرب الذي منعوا أنفسهم من التعرف عليه، ومن الاطلاع عما كان يعتمل في بلدانه من تحولات حضارية غير مسبوقة، وبالغوا في الحذر منه، هو  الذي حج إليهم عن طريق حملة نابليون. من هذا المنطلق تكون هذه الحملة، التي تحولت إلى لقاء مفتوح بين منظومتين حضاريتين مختلفتين، قد ساهمت بقوة، كما أوضحت ذلك في مقال لي، في ظهور وترسيخ ما يمكن أن نصطلح عليه بالوعي بالتجاوز الحضاري لدى عدد غير قليل من أعضاء النخبة الإسلامية.

عبد السلام طويل:

 عوض أن يقتحموا العقبة اقْتُحِمُوا؟

محمد حواش:

 نعم تم اقتحام إحدى القلاع العالم الحصينة، فجاء إليها جيش الشرق بخيله ورجله، فانفتح المسلمون مرغمين مجبرين على هذا المنتوج الغربي الذي اصطبغ بألوان الثورة الفرنسية، وبجيل شبابها الذي تراوحت أعمارهم بين عشرين وثلاثين سنة، قائد هذه الحملة نفسه، الجنرال نابليون بونابرت، كان عمره لا يتجاوز تسعة وعشرين سنة.

عبد السلام طويل:

 لقد أجدتم حين أبرزتم أثر النخبتين؛ النخبة العسكرية والنخبة العلمية.

محمد حواش:

نعم هناك نخبة مختلطة بكل أجنحتها، اكتشفت بهذه المناسبة الوجه الآخر لما كانت تصنفه إلى ذلك الحين ضمن دار الحرب، اكتشفت الوجه الآخر لأوروبا عندما انهزم جند المماليك وجيوش دولة الإسلام الكبرى عن رد العدوان وتخليص  مصر من هذه الورطة التي وقعت فيها، هنا اكتشف الجميع الوجه الآخر للحملة على مصر.
فإذا هذه هي ربما قصة الكتاب، ومن الناحية التوثيقية، كما قال الأستاذ الفقيه الإدريسي، حاولت أن أضعه على أسس منهجية ثابتة، حاولت أن أؤسسه على مصادر متنوعة وأصيلة؛ أرشيفية كانت أو مصدرية.

فيما يتعلق بالموقف الرسمي والموقف الشعبي؛ وجدت أن الموقف الرسمي كان مخالفا للموقف الشعبي، وهذا أمر عادي ومتوقع في حالات مثل هاته. فإذا كان بإمكان عدد من فئات الشعب المغربي مقاومة هذا العدوان العسكري على بلد إسلامي من قبل دولة مسيحية من داخل المغرب أو عبر الانتقال إلى مصر، فالقيادة السياسية وعلى رأسها السلطان مولى سليمان لم يكن بإمكانها التصرف بمثل هاته العفوية أمام الصورة القوية والعنيفة وغير المسبوقة التي ظهر بها جيش الحملة الذي كان بإمكانه كما اقتحم مصر في لمح من البصر، وهي بعيدة جدا مقارنة بالمغرب، أن يجتاح التراب المغربي، وكانت فعلا عدد من المؤشرات تؤكد أن المغرب كان مستهدفا من قبل هذه الحملة، خاصة عندما أصبحت إسبانيا الحليف الأوربي الأقوى لفرنسا في هذه الآونة.

ولذلك ينبغي التنبيه هنا إلى أن الدبلوماسية المغربية، وعلى رأسها آنذاك السفير المقتدر ابن عثمان المكناسي، وهذا جزء أيضا من مفاخر المغرب، ما كان بإمكانه المغامرة بمقدرات المغرب العسكرية المتواضعة في سبيل حملة تحولت من مجرد اعتداء بلد مسيحي على بلد إسلامي إلى أزمة دولة ضاربة بجذورها في خبايا الصراع الجيوـ استراتيجي بين إنجلترا وفرنسا. فرغم أن السلطان العثماني، سليم الثالث، لم يكف عن إرسال الرسائل تلو الأخرى إلى مولاي سليمان داعيا إياه قطع علاقاته مع فرنسا وإعلان الحرب ضدها، لم يسمح هذا الأخير لنفسه بالتورط في حملة ظاهرها اعتداء بلد مسيحي على بلد مسلم وباطنها صراع عسكري محموم بين قوتين استعماريتين هما فرنسا وإنجلترا. لكنه لم يمانع في انتقال المجاهدين إلى أرض المواجهة العسكرية بمصر والشام لنصرة إخوانهم هناك.

مختصر القول لم يكن السلطان مولاي سليمان ووزراؤه ومستشاروه بهذه السذاجة كي يختزلوا حدث بهذا القدر من التعقيد الجيو ـ استراتيجي في مجرد اعتداء دولة مسيحية "كافرة" على دولة مسلمة كما حاولت أن تصور له ذلك رسائل السلطان العثماني ومبعوثوه، ويزجوا بالمغرب في مواجهة عسكرية مجهولة العواقب. فقد تمكنت القيادة السياسية بالمغرب، بفضل خبرتها السياسية ومهارتها الدبلوماسية، من تفكيك مفردات الحملة، فأدركت  الطابع الدولي والمعقد لهذه الحملة، وتبين لها أن العالم قد دخل في مرحلة ليست من قبيل الحروب الصليبية التي طغى عليها الاعتبار الديني بقوة، نحن هنا أمام أزمة دولية وقضية شائكة ما بين قوتين عظميتين، بين انجلترا فرنسا، وأن هذا الخلاف قد تمت تصفية بعض ملفاته داخل أوروبا وأمريكا وربما حتى في الشرق الأقصى، لكن كان له أيضا  امتداد  على مستوى مصر باعتبارها طريق الهند مصدر القوة الرئيس لغريمتها التقليدية إنجلترا.
 فإذا كان لدى المغاربة، ولدى القيادة السياسية بالتحديد، ما يكفي من الفهم و من الخبرة للتمييز والفصل بين ما هو ديني محض وبين ما هو سياسي وجيو ـ استرتيجي، وبالتالي فإن هذه القيادة  أدركت أن الحملة على مصر هي مجرد امتداد أو تجلى لتحول تاريخي أكبر وأنه حالما ينتهي الخلاف بين انجلترا وفرنسا في قضايا أخرى تتجاوز الحملة على مصر، ستحل هذه الأزمة، وبالتالي لا ينبغي للمغرب أن يتورط  في حبائلها، خاصة وأن وضعه الاقتصادي و الديمغرافي والعسكري لم يكن في المستوى المطلوب. ولذلك يمكن القول إن تصرف القيادة الساسية في هذه المناسبة قد أبان عن أصالة الدبلوماسية المغربية، وعن رسوخ قدمها في التعامل مع أزمات دولية من هذا الحجم وبهذه الخطورة.

عبد السلام طويل:

وهذا أستاذي يفسره؛ أولا تبلور مفهوم الدولة، الدولة المركزية واستمراريتها في الزمان، هذه الاستمرارية في وجود الدولة ورسوخ مفهوما أسهم في بلورة هذا الوعي، ثم البعد الإمبراطوري الممتد للدولة المغربية خاصة مع المرابطين والموحدين فالسلطان أو الملك باعتباره حاكما سياسيا ورمزا دينيا يختزن هذه الخبرة التاريخية والحضارية الممتدة، ويعبر عنها في قرارته وسياساته وتحالفاته فعندما تتبلور فكرة الدولة التي تتحدد بالأمة والجماعة فإن النقاش لا يستمر بمنطق العشيرة والقبيلة والحمية والنجدة.. غير الواعية بشروطها ومحدداتها..

محمد الناصري:

 وربما حتى القرب الجغرافي.

محمد حواش:

 نعم كان لجوار المغرب المباشر لأوروبا والتداخل القوي الذي حصل بينهما في كثير من الأوقات دور كبير في ترسيخ هذا القدر من الوعي السياسي والخبرة التاريخية في إدارة عناصر الصراع بين الضفتين وما يرتبط به من أزمات.

عبد السلام طويل:

 كان هناك انكشاف جيوستراتيجي بالنسبة إليه.

محمد الناصري:

هذا القرب الجغرافي بين أوروبا مكن ربما النخبة السياسية في المغرب من إدراك قوة الغرب وتفوق الحضارة الغربية وبأنها حضارة بدأت في الصعود.

محمد حواش:

 
 وأن طبيعة الأزمات التي بدأت الآن ليست أزمات ذات حمولة دينية بالمعنى التقليدي السابق للكلمة، وأن الإجابة عنها من منطلق الدين و من موقع النجدة الدينية، لا يشكل الحل المناسب وإنما حل هذه الأزمات يجب أن يتم بطرق أخرى لأن لها أسباب أخرى غير الأسباب التي كانت في السابق. أنا احتمل جدا أن يكون قد دار في خلد  صاحب القرار السياسي آنذاك، أي المولى سليمان وحاشيته، شيء من هذا القبيل.

ومن الملفات التي تفاعلت معها كثيراً في هذا الكتاب هي قضية النخبة المغربية؛ فأوضحت كيف أن هذه النخبة كانت وقتها نخبتان: نخبة مازالت تفكر وفق المنطق القديم، منهم مثلا الكاتب المخزني والخطيب محمد الرهوني، والذي كان له تأثير مباشر على المولى سليمان، مقابل نخبة أخرى باتت تعي أن تبدلا كبيرا قد طرأ على مشهد العلاقات الدولية وعلى خريطة العالم ككل، وبالتالي بين الجناحين الإسلامي والمسيحي، الأمر الذي أضحى يقتضي في نظرها الإعداد للمواجهة بشكل مختلف يكون أذكى وأنجع من المواجهة التي درج عليها المسلمون في علاقاتهم بأوربا؛ فقد وجدنا مجموعة من الشخصيات السياسية والعلمية، وفي مقدمتهم شاعر مولاي سليمان الخاص، سليمان الحوات، قد عبرت بنصوص بالغة الدلالة داخل مصر أو هنا في المغرب عن هذا التحول الحضاري الهام، والتقطت بفطنة ناذرة عناصر هذا التغير النوعي غير المسبوق في العلاقة بين عالم إسلامي يسوده الجمود والتراجع، وبين عالم أوروبي وقع فيه من التبدل ومن التغير ما جعله بعيدا عما كان يتصوره المسلمون في السابق، واستقر في أذهانهم أن مواجهته والتعامل معه من الآن فصاعدا يجب أن تكون بشكل مختلف يستجيب لطبيعة المتغيرات النوعية التي حصلت على صعيد هذه العلاقة.

عبد السلام طويل:

 شكرا للأستاذ حواش على هذه المقاربة التفسيرية، والكلمة الآن للأستاذ الإدريسي.

الفقيه الإدريسي:

 شكرا للأستاذ حواش والأستاذ الناصري وأيضا الأستاذ عبد السلام على الملاحظات التي تفضلتم بها مشكورين حول هذا العمل الذي يشكل مدار هذه الحلقة العلمية وهو عمل السيد محمد حواش. بدوري أريد أن أعقب على بعض الأفكار وعلى بعض المواقف التي وردت في إطار هذا النقاش المفتوح، وسأبدأ أولا بما تفضل به الأستاذ الناصري، في مداخلته تحدث عن الأصول الشرعية والدينية لمفهوم التضامن في الثقافة العربية الإسلامية، وأكد في هذا الخصوص على أن مفهوم التضامن حتى وإن لم يرد بالحرف وبالنص في منظومة القرآن الكريم وفي السنة النبوية ولكنه كان حاضرا بمعالم أدت للتفاوت في هذا السياق أو ذاك لهذه الثقافة، لكن بالنسبة إلينا في عالمنا العربي المعاصر أعتقد أن المشكل لا ينحصر ولا ينبغي أن ينحصر في الحديث عن أن هذا المفهوم أو ذلك هو من الواجبات الشرعية كما هو الحال بالنسبة لهذا المفهوم، مفهوم التضامن، الذي أجاد السيد محمد حواش في اختياره كمدخل أو كعتبة لمقاربة إشكالية العلاقة بين المغرب وبين الدولة العثمانية التي كانت تمثل في هذا الوقت دولة الإسلام الكبرى.

المشكل في اعتقادي هو إلى أي حد استجابت هذه المنظومة السياسية هنا في المغرب بحكم حدود إمكانياتها؟ مثلا بمناسبة هذا التضامن هل استطاعت أن تفعَل هذا المفهوم؟ وحدود تفعيلها لهذا المفهوم هل أنجزت خطوة في هذا الاتجاه؟ ولما لا نذهب بالسؤال إلى أبعد مدى لنطرح مفهوم التضامن في تاريخ المغرب ككل. وهنا بطبيعة الحال نستحضر بعض المحطات في تاريخ المغرب التي تجاوب فيها الحكم مع نداءات التضامن التي كانت ترفع في بعض الدول المشرقية، وخاصة في دولة الخلافة سواء في عهد بني أمية أو في عهد بني العباس، لأن هذا العود إلى محطات التاريخ البعيد يمكننا من فهم مثل هذا الخطاب الذي نتحدث عنه اليوم والذي يطرح بكثافة في مختلف المناسبات ومختلف اللقاءات، حينما نعود، مثلا، إلى تاريخ المغرب سنلاحظ..

عبد السلام طويل:

أستسمحكم أستاذ؛ في الأندلس كانت نجدة يوسف ابن تاشفين لملوك الطوائف محطة أساسية في هذا الإطار.

الفقيه الإدريسي:

 صحيح بالنسبة للأندلس ولكن في المشرق أعتقد أن علاقات التضامن التي امتدت بين المغرب وبلدان المشرق، ربما كانت محدودة، كانت محدودة في الزمان، وكانت محدودة حتى في القيمة، وأعتقد أن المولى سليمان إضافة إلى المعطيات التي تفضل بها الأستاذ محمد حواش مشكورا، حينما لم يغامر بالتضامن مع نداءات المساندة والمآزرة التي كان يطلبها العثمانيون ربما كان قد وعى الدرس من تجربة ربما قد عانى منها المغرب الأمرين، هي تجربة السعديين؛ لأنه في عهد السعديين، كما هو معروف، كانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى حدود المغرب الشرقية، كانت قد وصلت إلى ليبيا ثم إلى تونس ثم إلى الجزائر وبالتالي بقي فقط المغرب، هو البلد الوحيد الذي امتنع عن الخضوع لسلطان هذه الدولة، والمغرب بطبيعة الحال في هذه الفترة لم ينجح في الحفاظ الاستقلال الوطني، أو عدم خضوعه للوصاية العثمانية ليس على أساس ما كان يتوفر عليه من إمكانات عسكرية فحسب كما يتحدث ربما غير المختصين، ولكن نجح في الحفاظ على هذا الاستقلال من خلال هذا الذكاء الدبلوماسي الذي تحدث عنه الأستاذ محمد حواش، ففي كل مرة كان يستشعر المغرب خطورة التهديدات العثمانية الهادفة إلى استتباعه لمجال سيادتها، كان يدخل في مفاوضات مع هذا الطرف أو ذاك من المسيحيين وخاصة الإسبان الذين كانوا يشكلون آن ذاك العدو اللدود للدولة العثمانية، إن لم نقل، بلغة اليوم، كان الإسبان يشكلون إلى جانب الدولة العثمانية قطبي المعادلة الدولية في هذه الفترة، ففي كل مرة كان المغرب يشعر بأن هناك تصميما عثمانيا لإخضاعه لسلطته السياسية والعسكرية، كان يهرع للتفاوض مع الطرف المسيحي، وآن ذاك كان العثمانيون يتراجعون القهقرى ليعيدوا مرة أخرى ترتيب أوراقهم، إذا المولى سليمان ربما كان يعرف أن مثل هذه النداءات هي مطلوبة من الناحية الشرعية والدينية ولكن ثمنها السياسي والإستراتيجي ربما قد يكون باهظا هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهذا العمل الذي تقدم به السيد محمد حواش يفيد ليس فقط المؤرخ السياسي ولكن يفيد الإنسان المسلم بصفة عامة، نحن اليوم بطبيعة الحال في إطار المخاض العسير الذي نعيشه مع إشكالية الإصلاح وإشكالية الحداثة ومشكل التجديد في الخطاب الديني والثقافي عادة ما نطرح مثل هذه المفاهيم لأنها تشكل بالنسبة إلينا الحلم الذي نحلم به عسانا أن نخرج من هذه الورطة التي نعيش فيها، ولكن بالعودة إلى معترك التاريخ نستطيع أن نفهم إلى أي حد نستطيع أن نُنسِّب هذه المفاهيم، وأن نرى في السياق الذي نعيشه هنا في المغرب وعلى أرضه التاريخية حدود قدرة استيعاب هذه المفاهيم داخل الواقع المغربي، فمفهوم التضامن الذي تحدث عنه الأستاذ محمد حواش في هذه الأطروحة، بطبيعة الحال هو من المفاهيم الأساسية في علاقتنا مع المشرق ولكن درجة تحققه في التجارب السابقة ربما كانت محدودة، وأحسن الاختيار للحديث عن هذا المفهوم في فترة التقت فيها المصالح وتضاربت بين أطراف لم تعد هذه المرة تنتمي إلى ما يسمى بدار الإسلام، لأن التحالفات التي حدثت جعلت تقريبا الجبهة التي كانت تقف فيها الدولة العثمانية تنظم إليها روسيا وتنظم إليها بريطانيا ثم البرتغال، وهي جبهة كما هو معروف متكونة من أطراف مختلفة الديانات..

محمد حواش:

ورغم ذلك كان يصر السلطان العثماني، سليم الثالث، على دعوة مولاي سليمان للتضامن بلغة المشاعر الدينية.

الفقيه الإدريسي:

 من جهة أخرى، إن هذا العمل الذي قدمه السيد محمد حواش يحيلنا على إشكال آخر في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة وفي الثقافة المغربية على وجه الخصوص، حينما نتحدث اليوم عن الدولة قد نحملها في كثير من الأحيان مسؤوليات أحيانا تفوق إمكاناتها ومقدرتها، حينما نتحدث عن الدولة سواء في الراهن أو في الماضي نقول أن الدولة كان عليها أن تقوم بكذا وكان عليها أن تقوم بكذا ونحن غفل وربما أبعد ما نكون معرفة بهذه الأوضاع التي عاشتها الدولة المغربية، الدولة المغربية في فترة معينة لم تكن لها القدرة حتى على الحفاظ على توازنها في الداخل فبالأحرى أن تنخرط في مشروع كهذا، وأن تنخرط مع دولة كانت تفرض وصايتها على العالم العربي والإسلامي.

مسألة أخرى، وهي أن المصريين ومعهم بطبيعة الحال كل الفئات الاجتماعية الأخرى التي كانت تتردد على مصر من مختلف الأقطار، استطاعت أن تعرف خطورة ما جرى في الديار الفرنسية عشية الثورة الفرنسية من خلال التنظيمات والإصلاحات التي استدخلها نابليون بونابرت وغيره من الحكام الآخرين والمجال الزراعي والمجال الإداري في المجال السياسي وأيضا في المجال الثقافي.

وهنا بطبيعة الحال أدرك المصريون وغيرهم من المثقفين العرب أن هذه الحملة لم تكن فقط حملة عسكرية، وإنما كانت حملة لها خلفية ثقافية وحضارية خطيرة جدا، وهي التي ربما لمسوها من خلال هذه الإجراءات وهذه التنظيمات، وهذا، بطبيعة الحال، ولد لديهم شعورا بالتفاوت الذي تحدث عنه الكثير من المثقفين والمفكرين العرب في إطار علاقة الأنا مع الآخر الأوروبي..

عبد السلام طويل:

 شكرا جزيلا الدكتور الفقيه الإدريسي، في الحقيقة إذا جاز لي أن أستجمع أهم المحددات المنهاجية التي حكمت مقاربة الدكتور السيد محمد حواش في هذا الكتاب/الأطروحة في حدود ما تطارحنا حوله إلى حد الآن، هو أن المحدد الأول هو الوعي بالمتغيرات الجيوستراتيجية، بمعنى لم يتناول تيمة التضامن في العالم الإسلامي هكذا في المطلق، أو في سياق التصور التقليدي ما قبل الحديث، ذلك أن حملة نابليون بونابرت كانت إيذانا بتحول جيوستراتيجي ليس فقط على مستوى المنطقة العربية ولكن على المستوى الكوني، ومن هنا فكرة الصدمة، وعمق وحدة هذه الصدمة حقيقية، وما ترتب عليها من وعي حاد لدى النخبة العالمة والمثقفة بأن العالم بصدد الدخول إلى زمن جديد وعصر جديد..

محمد حواش:

صاحب القرار السياسي في المغرب فهم هذا الأمر وتصرف على ضوئه.

عبد السلام طويل:

 فهم هذا التحول يعد أمراً بالغ الأهمية. المسألة الثانية ولها صلة بالمحدد الأول وهي الوعي بواقع التأخر التاريخي، هذه مسألة كذلك أساسية.

محمد حواش:

وهذا ما أسميته بالوعي بالتجاوز الحضاري.

عبد السلام طويل:

التجاوز طبعا، خاصة وأن صدمة الحداثة بالنسبة للعالم والمثقف سوف تكون مضاعفة بالنسبة للحاكم؛ لأنها سوف تولد لديه شعوراً بالخطر الداهم والعجز على مواجهته من جهة، والوعي بضرورة الاستجابة التاريخية لفهم ما يجري واستيعابه كشرط لتجاوزه من جهة أخرى.. وهو ما ولد سيكولوجية خاصة بالغة التعقيد. لن تنحل إلا بالنجاح في التدبير التاريخي لهذه الأزمة الحضارية..

المحدد الثالث هو اعتماد الربط الجدلي بين الموضوعي والمعياري، فالأستاذ حواش يتناول مسألة قيمية ولكن في سياق تاريخي ووفقًا لشروط موضوعية.

وفي هذا الإطار، فإن المؤرخ لا يتصور القيم إلا وهي محمولة، خلافاً للفيلسوف في الفلسفة السياسية ولأخلاقي أو (التيلوجي) الذين يمكنه تصور القيم مجردة أو كما ينبغي أن تكون، أما المؤرخ فلا يتصور القيم إلا وهي محمولة، يحملها حامل، وعلى قدر نوعية الحامل، أقصد الحامل الاجتماعي والتاريخي، وطبيعة الحامل، وقوة الحامل تكون قوة المنظومة القيمية، والعكس صحيح..

الفقيه الإدريسي:

 ارتباطا بالموقف الذي وقفه المغرب من هذه الحملة خاصة ما يتعلق بالمغرب السياسي أي المغرب الرسمي، في الحقيقة ربما هناك لن أقول حلقة مفقودة أو مغيبة في عمل السيد محمد حواش ولكن حبذا لو أن الأستاذ حواش تطرق إلى هذا الأمر تكملة للصورة بكل أبعادها وبكل امتداداتها، خاصة ما يتعلق منها بما حصل بالنسبة لدول الجوار المغاربي، الجزائر وتونس وباشوية طرابلس، هل الموقف الذي وقفه المغرب من هذه الحملة خاصة ما يتعلق بالنخبة المخزنية والنخبة السياسية هل كان هذا الموقف يتقاطع مع نفس الموقف الذي وقفه دايات الجزائر وبايات تونس وباشوية طرابلس؟ ثم أيضا هل ربما المواقف التي وقفتها باقي فئات المجتمع الأخرى كالمؤرخين مثلا كالمتصوفة كالفقهاء.. إلى غير ذلك.

محمد حواش:

 في البلدان الإسلامية.

الفقيه الإدريسي:

 نعم وفي البلدان المغاربية، على وجه التحديد، نظرا لأن المغرب له عمق مغاربي كبير جدا مقارنة مع عمقه العربي والإسلامي بصفة عامة..

محمد حواش:

هناك مغاربيون  من الجزائر وتونس وطرابلس شاركوا ميدانيا في مواجهة جيش الشرق في مصر، وحتى الكتابات المشرقية حينما تحدثت عن المشاركة المغربية لم تحصرها في المغرب الأقصى وإنما ربطتها بمجموع البلدان المغاربية.

الفقيه الإدريسي:

 لا أنا فقط أريد أن أعرف هل النخبة السياسية والمخزنية التي كانت تقود هذه المرحلة في الجزائر وفي تونس وفي طرابلس هل كان لها نفس الموقف؟ على اعتبار أن المصير الذي تعرضت له الجزائر وأيضا تونس فيما بعد كان مصيرا مأساويا على اعتبار أنهم خضعوا للاستعمار في القرن التاسع عشر، أما المغرب وبطبيعة الحال وربما بهذا التدبير المعقلن والحكيم كما قال الأستاذ حواش جعل مسألة الاستعمار تتأخر إلى وقت لاحق إلى بداية القرن العشرين؟

هل هذا يعود إلى هذا الموقف المتريث، إلى هذا الموقف الحكيم والمتبصر الذي وقفته القيادة السياسية هنا في المغرب من مسألة الحملة؟ لأن الحملة كانت لها توابع في المراحل اللاحقة، وأن الموقف الذي وقفه الجزائريون والتونسيون من خلال قطع علاقاتهم مع فرنسا استجابة لنداء السلطان العثماني هل هذا الموقف وتوابعه هو الذي سيورط هذين البلدين، وأيضا حتى طرابلس فيما بعد، في مصير ربما كانت له نتائج وخيمة على مستقبل هذه البلدان المغاربية؟

محمد حواش:

نعم الأستاذ الكريم السيد الفقيه الإدريسي لقد وضعت مبحثا تحت عنوان "لمحة موجزة عن موقف بعض البلدان الإسلامية من غزو فرنسا لمصر"، ركزت فيه، على سبيل المقارنة، على موقف الإيالات المغاربية العثمانية، الجزائر تونس طرابلس، وحتى ما كان يعرف بإمارة الحجاز وإمامة اليمن، من الحملة الفرنسية على مصر. لكني وجدت أن المغرب، رغم أنه لم يكن تابعا للدولة العثمانية، كان موقفه على المستوى الشعبي على الأقل أكثر قوة وأكثر صلابة من هذه الدول، بل وجدت أن قادة الجزائر وطرابلس على وجه الخصوص قد امتنعوا، رغم تبعيتهم المباشرة للدولة العثمانية وإلزامية تنفيذهم لأوامر السلطان العثماني، عن الاستجابة لأوامر هذا السلطان بضرورة قطع علاقاتهم بفرنسا وإعلان الحرب ضدها.

الفقيه الإدريسي:

هذا عن الموقف الرسمي ولكن ماذا عن النخب الأخرى أستاذ حواش؟

محمد حواش:

نعم هذا عن الموقف الرسمي. أما من الناحية الشعبية، فقد دافع المغاربة هناك باسم الجهاد، لأن الكلمة المستعملة آنذاك هي الجهاد، وكانوا كلهم مغاربة بغض النظر عن انتماءاتهم القطرية أو الوطنية، ولكن كان يتصدرهم قادة من أهل المغرب الأقصى، وهذا ليس من باب الاعتزاز الزائد أو المزايدة على الأقطار المغاربية الشقيقة، لأن هذه حقائق ليس لك أن تغير فيها شيئا؛ فمحمد بن الأحرش الدرعاوي التي تصدر جبهة المقاومة والجهاد بإقليم البحيرة كان من نواحي مدينة وزان، وهو من التلاميذ المباشرين للشيخ الصوفي الكبير مولاي العربي الدرقاوي. أما الشيخ محمد الجيلاني، قائد المقاومة والجهاد ضد ما عرف بحملة الصعيد، فهو من قبيلة أولاد ابي السباع القاطنة بأحواز مدينة مراكش. لكن يجب الاعتراف بأن جل من كان يقاتل معهم، كانوا من مختلف البلدان المغاربية وبعض البلدان المشرقية مثل اليمن والحجاز. فنحن هنا أمام ما يمكن أن نسميه بجبهة إسلامية موحدة تتصدرها قيادة مغربية.

أما فيما يخص مواقف النخب المغاربية من الحملة، فهذا أمر لم يتم التفصيل فيه لاعتبارات منهجية؛ لأنه كان سيتطلب منا البحث من داخل كل بلد في نخبه الدينية والفكرية في ارتباط مع الأنظمة السياسية لهذه البلدان وطبيعة العلاقة التي كانت تربط كل بلد منها بالدولة العثمانية صاحبة السيادة الشرعية على مصر، وهذا من شأنه أن يبعدنا عن الإشكالية المركزية لهذا البحث والتي تم حصرها عنوة في المغرب الأقصى بحكم وضعه السياسي الخاص مقارنة بباقي الدول المغاربية والمشرقية.

عبد السلام طويل:

 أفتح قوس له علاقة بهذه النقطة؛ لقد ألمحتما إلى قضية يمكن أن أعبر عنها بـ"الرأسمال التاريخي"؛ أي هناك رأسمال تاريخي يحوزه المغرب يمكن أن نقول تجاوزاً عنه بأنه مجاني.

محمد حواش:

لا عيب في ذلك، بل يحق لنا أن نفخر بهذا الرأسمال ونشيعه بين  الأجيال الحاضرة.

عبد السلام طويل:

 نعم رأسمال حقيقي تاريخي، هذا الرأسمال التاريخي يمثل عنصر الاستمرارية الذي يميز الدولة المغربية. هذا الرأسمال في الحقيقة لا نجده بنفس القوة ونفس الزخم عند الجزائر رغم المقدرات المالية التي تحوزها؛ لأنها عرفت قطائع كثيرة في تاريخها، أو حتى عند مصر، رغم أن مصر هي من أكثر الدول المركزية في العالم العربي الإسلامي ومع ذلك فالمصريين لم يحكموا أنفسهم إلا مع ثورة 1952 مع جمال عبد الناصر، أما قبل ذلك فقد كانوا دوما خاضعين لحكم خارجي.

 الدليل هو أن المغرب عندما انفتح مؤخرا على إفريقيا من خلال الدبلوماسية الملكية التي لقيت تجاوبا منقطع النظير من الأفارقة بفضل رأسمال العلاقات التاريخية الغنية بالدلالات الرمزية؛ إذ سرعان ما تم ربط السابق باللاحق بحيث أن النظام الجزائري القائم بكل ما أوتي من رأسمال ريعي ما استطاع أن ينجز ما أنجزته الدبلوماسية الملكية بكل رمزيتها التاريخية وفاعليتها الاقتصادية القائمة على الاستثمار المنتج.. والمساعدات الفنية للأفارقة..

محمد حواش:

 هذا الرأسمال التاريخي هو أقوى ما يميز المغرب، دولة ومجتمعا، مقارنة بعدد من البلدان الإسلامية. ويجد  هذا الرأسمال ترجمته العفوية على مستوى الكيفية المتميزة التي يدير بها المغرب حاليا علاقاته بمحيطه الإقليمي والدولي.

عبد السلام طويل:

 بكل ما أوتي من مقدرات اقتصادية ومالية لن يستطيع أن يقوم بما تم القيام به، رغم أن المغرب عنده إكراهات حقيقية، والذي يفسر هذا الأمر هو هذا الرأسمال التاريخي، هذه الخبرة التاريخية العريقة والممتدة. المشكل هو كيف يُستثمر هذا الرأسمال؟ كيف يُوظف؟ كيف يُفَعل هذه الثروة؟

محمد حواش:

 هذه هي الغاية المتوخاة من هذا الكتاب؛ فالمغرب متميز بأدائه السياسي العقلاني والمتوازن من منطلق الخبرة التاريخية والمهارة الدبلوماسية التي راكمها عبر التاريخ. هذه الاستمرارية للدولة كما قال الأستاذ عبد السلام، وهذا التداول للسلطة بشكل دوري وداخلي دون إقصاء لأي طرف بعينه ودون أي تدخل أجنبي، هو أقوى ما يميز  المغرب، فالمغاربة هم من أداروا تاريخهم بأنفسهم، هم من صنعوا هذا التاريخ الوطني المشترك، هم من تداولوه فيما بينهم، لم يكن هناك أي إلزام أو إكراه خارجي من أي جهة كانت، لذلك راكموا خبرة وطنية حقيقية في إدارة الشأن العام على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الفقيه الإدريسي:

 مجرد تتمة لما قاله الأستاذ عبد السلام فيما يتعلق بأن المغرب كان يتوفر على رصيد من الخبرات ومن التجارب التي جعلت حضوره يمتد إلى أبعد مدى سواء في المجال الإفريقي أو في المجال المشرقي بل حتى في المجال الأوروبي في وقت من الأوقات، في ما يتعلق بهذا الرصيد، هذا الرصيد ربما عنده أصول تاريخية قديمة جدا في تاريخ المغرب، فحضور الإسلام في الأندلس بني أساسا على جهد مغربي صميم في عهد المرابطين ثم في عهد الموحدين، وفي عهد هاتين الدولتين امتد الإسلام كقيم، كثقافة، كفكر، كفقه مالكي في الأصقاع الإفريقية في جنوب الصحراء. في عهد هاتين الدولتين.

 

بل أكثر من هذا فإن الشخصية المغربية في جل مظاهرها ومعالمها الأصيلة قد تشكلت بفعل تراكم خبرات وتجارب كل دوله المتعاقبة، ولذلك حينما نتحدث اليوم عن حضور المغرب على مستوى المذهب المالكي أو على مستوى التصوف في السودان الغربي، فإن ذلك يعود أصلا إلى هذه التجارب التي رُوكمت وبنجاح خاصة في عهد هاتين الدولتين، بل أكثر من هذا فإن اعتزاز المغرب بهويته المستقلة، وبخصوصيته المستقلة، جعلت أحد سلاطين الدولة السعدية الذي هو محمد الشيخ المهدي يتحدى، وبصورة غير مسبوقة، السلطان الذي عمل على استتباع الكثير من الدول العربية إلى حظيرة الدولة العثمانية وهو السلطان سليمان القانوني، حينما أوفد له وفادة سفارية بقيادة أحد العلماء الجزائريين وهو محمد الخروبي يطالبه فيها بضرورة الخضوع للخلافة العثمانية. فقال له هذا السلطان: قل لسلطانك، سلطان الحواتة، كناية على الأساطيل التي كانت تتوفر عليها الدولة العثمانية، قل لسلطان الحواتة إني سأواجهك على عمل مصر، بمعنى أنني سألتقي معك في مواجهة فاصلة على أرض مصر، واستمر هذا الموقف المعاند للسلطان المغربي في عهد السعديين إلى أن انتهت هذه الدولة، ونظرا لأن المغرب كان له موقع خاص في علاقته مع الدولة العثمانية قياسا على ما كان يجري عليه الأمر في الدول المغاربية الأخرى، المصريين في عهد المماليك بل وحتى في عهد الحملة الفرنسية على مصر، كانوا يعتقدون أن من سيخلصهم من قبضة الظلمة الممالك وأيضا حتى من هؤلاء الطغاة الكفرة هم المغاربة، قد يأتي سلطان أو قد يأتي حاكم من المغرب، ومن المغرب الأقصى على وجه التحديد هو من سيقوم بنجدتهم..

محمد حواش:

المخلص سيأتي من المغرب، لقد تواترت العديد من الرؤى تؤكد أن المخلص سيكون من المغرب، وهذه الرؤى كانت في صالح المجاهدين المغاربة الذين كان ينضم إليهم المصريون بعفوية منقطعة النظير وكأنهم فعلا هم هذا الجيش المخلص...

الفقيه الإدريسي:

 صحيح.

محمد الناصري:

 السؤال الذي يطرح الآن هو كيف انتقلنا من هذا الإنجاز الحضاري في ظل قيمة التضامن لنصل إلى ما نحن عليه الآن من التشرذم والتمزق والتفرقة بين شعوب العالم العربي الإسلامي؟

محمد حواش:

 يكفي تأكيداً لهذا الدور وهذه المكانة ما عبّر عنه الأستاذ عبد السلام بالرأسمال الرمزي الحضاري والخبرة التاريخية الممتدة. هذه المسائل لا تنمحي، بل تبقى متضمنة في الخطاب والممارسة، متضمنة في التراث والذاكرة الجمعية للمغاربة، لهذا نقول، وبدون تردد، إن الشخصية المغربية تظل مختزنة لشيء من هذا الرأسمال التاريخي..

محمد الناصري:

 إذا قيمة التضامن تعد قيمة جماعية، لابد من مراعاة شرط النخبة السياسية في تنزيلها على أرض الواقع.

عبد السلام طويل:

 تماما تماما، وبالأخص إذا ما استحضرنا قيمة التضامن في سياق العلاقات الدولية، وفي سياق التفاعل بين الجماعات وليس فقط بين الأفراد، حينها فإن الباراديم نفسه سوف يختلف، بحيث أن قيمة التضامن سوف تتجاوز مجرد التكافل في بعده الإحساني الفردي، وإنما سوف تأخذ أبعاداً أكبر في صيغة قرارات إستراتيجية وعمل جماعي منظم بعيد المدى.

محمد حواش:

 نعم هذا ما ميز تحديدا موقف المغرب من الحملة الفرنسية على مصر: أتضامن نعم لأن ذلك واجب شرعي و إنساني، ولكن يجب أن يتم ذلك بشكل واعي ومتوافق عليه، وفي إطار ما يخدم المصلحة العامة المشتركة لعموم البلدان الإسلامية..

محمد الناصري:

 يبقى أن الشعوب العربية اليوم مطالبة بإعادة اللحمة فيما بين مكوناتها عن طريق إحياء قيمة التضامن بنفس درجة مطالبتها بالحرية والإصلاح وبالعدل أو شيء من هذا القبيل.

عبد السلام طويل:

 الأمر يتعلق بمنظومة متكاملة..

الفقيه الإدريسي:

في نظري المتواضع فإن قيمة التضامن والقيم الأخرى الموازية تعد مطلبًا ملحًا، ولكن شروط تحققه في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأمة الإسلامية يقتضي مقامات، يقتضي سياقات أخرى، وشروط قلما تتوفر في ظرفنا الراهن..

محمد حواش:

تضامن الدول يختلف جوهريا عن تضامن الشعوب..

الفقيه الإدريسي:

 الشعوب ربما كانت تتضامن بأشكال مختلفة ولنا في أكثر من تجربة ما يفسر هذا الأمر. ولا تترتب عنه التزامات سياسية، فالتضامن في أبعاده وتجلياته الاجتماعية كان حاضرا بشكل تلقائي وعفوي ويعزى ذلك إلى كون المجتمع سواء هنا في المغرب أو في المشرق إنما كان يمتح من مرجعية مشتركة هي مرجعية الدين الإسلامي، لكن نحن نتحدث وهذا هو الأهم عن التضامن ولكن في بعده السياسي، وهنا بطبيعة الحال لا يمكن أن نتحدث عن هذا التضامن في هذا البعد إلا إذا توفرت اشتراطات خاصة، وسياقات تستجيب لتحقق مثل هذا التضامن، وهذه السياقات وهذه الاشتراطات قلما كانت تتوفر لأن ربما العالم العربي والعالم الإسلامي في وقت من الأوقات حينما كان هو صاحب القرار في البحر المتوسط، حينما كانت دولة الخلافة ما تزال قائمة، ربما كان بالإمكان أن نحقق هذا الاستحقاق، أما وأن الحالة قد تغيرت بسقوط دولة الخلافة وفقدنا البوصلة، وصرنا قوما تبع، في هذه الحالة أصبحنا طرائق قددا، أصبحنا متشرذمين أصبحنا مجزئين، وبالتالي أصبح كل واحد فينا يبحث عن السبيل الذي يوفر لنفسه النجاة من الوقوع في مطب الاستعمار أو التدخل الأجنبي إلى غير ذلك.

عبد السلام طويل:

 أعتقد أنه لو لم تُبتلى أمتنا بواقع الانشطار الإيديولوجي والسياسي في التاريخ الحديث، منذ ظهور الدولة الوطنية إلى الآن، لأخذ التضامن بين شعوبها وقياداتها أبعاداً بالغة التأثير والفاعلية، ومع ذلك فقد شكلت القضية الفلسطينية بؤرة استقطاب لتضامن الأمة بمختلف مكوناتها في مواجهة العدو الصهيوني (1948، 1967، 1973).

غير أن الانقسام الإيديولوجي للأنظمة العربية؛ إلى أنظمة محافظة تابعة للمعسكر الشرقي، وأخرى تابعة للمعسكر الغربي، جعل التضامن محكوم دائما باعتبارات خارجية، ولهذا لم يعط نتائجه، وهنا يبرز كيف أن العامل الخارجي أيضا مؤثر، الاختراق الخارجي مؤثر؛ لأن النخبة لم تعد لها نفس المرجعية، أصبحت منقسمة حتى على مستوى المرجعية، وفعل التضامن مرتبط بالأساس بمنظومة القيم، حينما يستمد بعضنا منظومة قيمه أو يكيفها مع المنظومة الغربية فقل على الأمة السلام.

محمد  حواش:

نعم أدى هذا الانقسام الأيديولوجي الناتج عن الاستقطاب السياسي الذي مارسته القوتان العظميتان، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وتوابعهما على مجموع بلدان العالم الإسلامي، إلى تغييب هذا المشترك القيمي وتراجع الحس التضامني، ليحل مكانه في كثير من الأحيان ما بات يعرف بالحروب العربية ـ العربية. وكان من نتائج هذا الصراع الداخلي المحتدم العجز عن تخليص فلسطين من قبضة الاحتلال الصهيوني وفتح الباب على مصراعيه أمام  اعتداءات أخرى تالية مثل ما حدث في العراق ويحدث الآن في أكثر من بلد عربي وإسلامي.

عبد السلام طويل:

نعم لا يبقى المشترك، وهذا ما يجعل فاعلية القيم في التاريخ منعدمة..

محمد حواش:

بل مرهونة بظرفية تاريخية تجعلها تارة تتمدد وتؤدي مفعولها على الوجه الأمثل كما حدث في أكثر من محطة في تاريخ العالم الإسلامي، أو تتراجع وتحول دون تحققها عوائق موضوعية طارئة تحد من مفعولها، لكن لا تستطيع أبدا أن تلغيها، لأن قيمة أو لنقل فرضية التضامن بين الشعوب الإسلامية كامنة بالقوة في عقيدتها الدينية كما تؤكدها عدد من آي القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

عبد السلام طويل:

وهو ما لا يمكن تجاوزه إلا حينما يقع نوع من التوافق على المشتركات على مستوى المرجعية، على مستوى التحرر تدريجيا من الارتهان للقوى الخارجية..

استمتعنا بهذا اللقاء، حقيقة كان لقاء جيداً شكرا جزيلا الأساتذة الأفاضل على استجابتكم الكريمة لهذا الملتقى الذي لا شك أنكم قد أغنيتموه بتحليلاتكم وتصوراتكم وتأملاتكم النوعية والمباركة..شكرا جزيلا لكم جميعا.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ملتقى الإحياء التاسع: قراءة في التجربة الإبداعية للأستاذ الشاعر محمد بن يعقوب "

ملتقى الإحياء التاسع: قراءة في التجربة الإبداعية للأستاذ
 الشاعر محمد بن يعقوب "

احتفاءً باليوم العالمي للشعر، نظمت الوحدة البحثية لمجلة الإحياء ملتقاها التاسع حول موضوع: قراءة في التجربة الإبداعية للأستاذ الشاعر محمد بن يعقوب، انطلاقا من ديوان: "بشائر وذخار" الصادر عن سلسلة روافد، بمشاركة كل من الأساتذة: محمد بن يعقوب، ومحمد المسعودي، وخالد الغزواني، وعبد الله حرملي، ومحمد إقبال عروي، ومحمد الفهري، وعبد السلام طويل..

ملتقى الإحياء الثامن الاختلاف والغيرية في الإسلام

ملتقى الإحياء الثامن
الاختلاف والغيرية في الإسلام

نظمت الوحدة البحثية لمجلة الإحياء ملتقاها الثامن حول موضوع: "الاختلاف والغيرية في الإسلام" انطلاقا من منظورات معرفية ومنهاجية ومتكاملة؛ فقهية شرعية، ومقاصدية أصولية، وفلسفية عرفانية، وقانونية دستورية وسياسية.

النظام القضائي في الإسلام من خلال كتاب: الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية للشيخ القاضي محمد المرير

النظام القضائي في الإسلام من خلال كتاب: الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية للشيخ القاضي محمد المرير

نظمت مجلة الإحياء ملتقاها السادس حول موضوع "النظام القضائي في الإسلام من خلال كتاب: الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية" للشيخ قاضي الاستئناف الشرعي محمد بن محمد المرير " يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014م، الموافق لـ27 ذي الحجة 1435ﻫ، بقاعة الاجتماعات بمقر الرابطة المحمدية للعلماء..