4 ربيع الأول 1439 / 23 نونبر 2017
افتتاحيات

أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية وصلته بسلامة العمل بالأحكام
أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية وصلته بسلامة العمل بالأحكام

لكل حضارة أسس ومنطلقات معينة تتحكَّم في ولادتها، وتوجِّه نشوءها ومساراتها، ومن ثمّ تميزها عن غيرها من الحضارات الأخرى. والحضارة الإسلامية لا تشذ عن هذه القاعدة؛ فلها أيضا أسس ومنطلقات خاصة تحكَّمت في ولادتها، ووجّهت نشوءها ومساراتها.

ولعل أبرز ما تميزت به التجربة الإسلامية الحضارية في هذا الخصوص، ما يمكن تسميته بـ"محورية النص". فقد تبوأ النص (القرآن والحديث) منزلة محورية في مسار تشكّل الحضارة الإسلامية التي أغنت الحضارة الإنسانية خلال قرون طويلة... ويمكن اعتبار الوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط العقل الإسلامي الجمعي بهذا النص، مدخلا أساسا وبارزا لفهم مسار الحضارة الإسلامية في الماضي والحاضر، ولاستشراف مستقبلها. ومن هذا المنطلق فإننا لا نبالغ إن قلنا إن الحضارة الإسلامية، كما سماها بعض الباحثين، "حضارة النص".

وعليه فيمكننا اعتبار نوعية العلاقة التي يربطها العقل الإسلامي الفقهي والأصولي والثقافي والحضاري بشكل عام... بهذا النص، مؤشرا لقياس مدى الازدهار والرقي الذي تعرفه هذه الحضارة.

إن حضارة يتبوأ فيها النص المرجعي (المتناهي) هذه المكانة المتميزة، من الطبيعي أن تعترض سبيلها مجموعة من المشاكل، المعرفية بالأساس، التي قد تحول دون الإسهام الأوفق لهذا النص في عملية الإحياء والرقي الحضاري.

ولعل من أبرز تلك المشاكل، أن تطفو على سطح الاهتمام أسئلة جديدة/قديمة نتيجة لما يعرفه الواقع من متغيرات ووقائع (غير متناهية)، تفرض نفسها على النص باعتباره الأساس في هذه الحضارة.

ذلك أن القول بخلود الإسلام وعالميته وصلاحيته، يفترض بالضرورة قدرة النص المرجعي على التفاعل مع كل المتغيرات، كما يقتضي هذا القول قدرة النص المؤسِّس على صياغة إجابات عن كل المشاكل والأسئلة الوجودية والثقافية... التي تعترض سبيل الإنسان، بغض النظر عن هويته أو لغته أو دينه أو عرقه أو زمانه أو مكانه.

ويبقى الاكتشاف المتجدد لهذه القدرات الكامنة في نص الإسلام المرجعي، هو مناط الاجتهاد والجهد البشري لتوليد دلالات ومعاني جديدة من داخل هذا النص، للتفاعل مع مختلف التساؤلات والتعامل مع متغيرات العصر ومستأنفات الأحوال؛ تجاوزاً لأسلوب التبشير بمكانة النص في بناء الحضارة الإسلامية والإسهام في توجيه الحضارة الإنسانية؛ إلى استفراغ الجهد لاستخراج قدرات النص المرجعي المكنونة التي تمكنه من استيعاب وتوجيه الواقع بأسئلته المتجددة.

تأسيسا على ما سبق، فإننا ندرك مغزى اهتمام علماء الإسلام، خصوصا علماء أصول الفقه، بالمناهج الموصلة إلى تحديد المعنى وتوليد الدلالات، وسعيهم اللافت إلى تقعيد ضوابط مرجعية يُحتكم إليها من أجل ضبط العلاقة بين اللفظ/الكلام والمعنى/الدلالة خاصة في المجالات التشريعية.

ومن هذا المنطلق، أيضا، فإن اعتبار السياق يشكل مدخلا منهاجيا رئيسا للوصول إلى دراسة المعنى وتحديده، واستخراج قدرات النص على استيعاب الوقائع... بل إن اعتبار السياق أضحى من أبرز وأهم محددات دلالة النص في المجالات التشريعية وغيرها. وقد ساعد اعتماد اعتبار السياق منهجا أصوليا وضابطا مرجعيا، على التخفيف من حدة "التنافر" الذي يحصل عادة بين اللفظ والمعنى، كما ساعد على تلافي آفة تحميل النصوص ما لا قِبل لها به.

وقد ورد مصطلح السياق في الكتابات الأصولية التأسيسية الأولى، فكان الشافعي، مثلا، يتحدث عن "الصنف الذي يبين سياقه معناه"... وعلماء أصول الفقه عندما يتحدثون عن السياق يعنون به "كافة القرائن التي تسهم في عملية الفهم، لغوية كانت [السياق الداخلي] أم غير لغوية [السياق الخارجي]"... أو بعبارة الرازي، فإن السياق يشمل "كل ما يكتنف اللفظ الذي نريد فهمه من دوال أخرى".

لقد كان تمثّل علماء المسلمين للسياق تمثلا مزدوجا: تمثل نظري-فكري (ما يتعلق بالتقعيد والتعريفات...)، وتمثل عملي-وظيفي (الاعتماد على السياق في التفسير الأحكامي والفقهي للنصوص الشرعية).

 

ويُبرز البحث أن السياق نوعان: سياق داخلي مرتبط بـ"المرجعية الكاشفة لدلالة النص"، وسياق خارجي مرتبط بـ"المرجعية المحيطة بالنص". وسواء تعلق الأمر بالنوع الأول أو الثاني، فإن لكليهما أثرا في تحديد المعنى.

وعليه فإن اعتبار السياق الداخلي في المجالات التشريعية يساعد على تبيان مدى صحة الأحكام، في حين أن اعتبار السياق الخارجي يدعم اعتبار السياق الداخلي، كما يُعين على استبانة معالم الإعمال الأوفق للأحكام. وتفصيل ذلك أنه يمكن التمييز بين صحة الأحكام انطلاقا من النصوص ذاتها في المجال التشريعي، وبين استبانة معالم الإعمال الأوفق للأحكام التي تقتضي النظر في السياقات المتنوعة... فقد تكون الأحكام صحيحة، غير أن تطبيقها يقتضي تكييفات معينة لابد فيها من اعتبار السياق من خلال الإجابة عن سؤالات رئيسية ثمانية:

  1. حضور اعتبار السياق في الكتاب والسنة وعمل علماء السلف والخلف.
  2. كيف تمثَّل علماء المسلمين عناصر السياق بشقيه الداخلي والخارجي؟
  3. ما هي جهود وإسهامات العلماء في العناية بالعناصر اللغوية والاجتماعية والثقافية والنفسية المحيطة بالنص؟
  4. ما هي أبرز الاتجاهات والمفاهيم الراهنة لقراءة السياق؟
  5. هل يمكن الحديث عن نظرية السياق في المجال الأصولي والفقهي؟
  6. ما هي آليات فقه السياق والإعمال المنهجي لاعتباره في مجالات استنباط الأحكام؟
  7. ما هو دور اعتبار السياق في التكييف المقاصدي للأحكام؟
  8. ما هي الضوابط المنهاجية لاستبانة معالم السياق واعتباره في استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها؟

                                                                                   

                                                                                    د. أحمد عبادي

الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مقاصد الشريعة والسياق الكوني المعاصر

مقاصد الشريعة
والسياق الكوني المعاصر

من المسلّم به عند علماء الأمة، أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما شرعت لتحصيل مقاصد؛ غايتها تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل، وبعض هذه المقاصد منصوص عليه في القرآن الكريم والسنة الشريفة على وجه التصريح، وبعضها مشار إليه على وجه الإيماء والتنبيه، والدوران والإخالة، والسبر والتقسيم، وبعضها منضبط وظاهر بحيث لا يختلف النظار في تحديده والاعتداد به.

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

نظرية المعرفة والسياق الكوني المعاصر
التكييفات المرجعية، والمستلزمات العملية

كَلِف العلماء المسلمون بشدّة بموضوع المعارف الإنسانية، يشهد لذلك افتتاح العديدين منهم مصنفاتهم بموضوع العلم، وحقيقته، ومعناه، وما يحصل به العلم من النظر والاستدلال وإحكام النظر، مع تَبايُنٍ في التناول بتباين الخلفيات المذهبية، والاختيارات المنهجية المتعلقة بوسائل المعرفة، وطرق فهم النص وتأويله، في مختلف فروع المعرفة.

الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد

الإسلام وقضايا الاجتهاد والتجديد

كَلِف المسلمون بموضوع المعارف الإنسانية، وانطبع حراكهم في مضاميرها وحلباتها بفاعلية ونجاعة كبيرتين، بسبب النقلة الهائلة التي أحدثها القرآن المجيد في طرائق النظر والاستدلال والاستنباط. مما كانت له آثار مباشرة وظاهرة على مناهج الاستمداد من الوحي، والتنزيل على أرض الواقع، وهو ما أوجد نسقا إسلاميا متميزا في المعرفة والعمل، قوامه الوحدة والاتساق.