1 شوال 1438 / 26 يونيو 2017
مالكيات

المذهب المالكي في خصوصياته أو المذهب المالكي في إستراتيجيته المستقبلية
المذهب المالكي في خصوصياته أو المذهب المالكي في إستراتيجيته المستقبلية

   د. إدريس حمادي
كلية الآداب، ظهر المهراز/فاس

 عنوان البحث يعبر على حقيقة مفادها أن الشريعة خطاب للبشرية من مبعث محمد، عليه الصلاة والسلام، إلى يوم البعث. فلنبدأ إذا على بركة الله ومنه نستمد التوفيق.

يمكن الكشف عما يراد بالمذهب عموما والمذهب المالكي خصوصا بخمس حقائق:

أولاها: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية، ينطلق أساسا من الكتاب والسنة؛ إذ هو كغيره يرى أن القرآن الكريم: "هو كلي هذه الشريعة الذي يتضمن كل قواعدها وأصولها، وإن كان لا يشتمل على أكثر فروعها، والسنة هي التي فصلت هذه الفروع، وأتمت بيان الكثير منها... ولم يكن لأحد أن يفصل الشريعة عن هذين الأصلين، لأنهما عمودها، والمرجع الذي يرجع إليه"[1].

والثانية: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب، يقوم على مناهج وطرائق كان الأئمة "يتخذونها للوصول إلى استخراج الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية"[2]؛ بمعنى أن "أصحاب المذاهب هم الذين تكلموا في الأدلة التي هي الأصول، وتكلموا في طرائق الاستدلال ومسالك الاستنباط، ورد الواحد منهم على الآخر في حجية دليل أو حجية دليل آخر، وفي استقامة مسلك من مسالك الاستدلال وعدم استقامة غيره"[3].

والحقيقة الثالثة: أن وضوح هذه الأصول التي يقوم عليها كل مذهب من مذاهب الأئمة هي التي "قضت بأن يرتبط بهؤلاء الأئمة رجال من الفقهاء من بعدهم، يضافون إليهم ويحسبون عليهم مع أنهم مجتهدون مثلهم..."[4]. كأبي يوسف ومحمد بالنسبة لأبي حنيفة، وابن القاسم وأشهب بالنسبة إلى مالك.... وآخرين بالنسبة للشافعي وأحمد. وما ذلك إلا لأن "المذهب ليس عبارة عن ارتباط تقليدي بمقتضاه يصير الفقهاء الذين ينتمون إلى مذهب أو يتبعونه مقلدين لإمام المذهب في الأحكام، ولكنه عبارة عن التزام لأصوله وتخريج فروع على تلك الأصول، سواء أطابقت الفروع التي خرجها هو أم خالفتها"[5].

والرابعة: "أن اتفاق المذاهب ووحدتها أو اختلافها، إنما يرجع إلى كونها متفقة في الأصول أو متخالفة في الأصول، لا إلى المقالات الفرعية التي قد يختلف الفقيهان أو أكثر فيها"[6].

والحقيقة الخامسة والأخيرة: هي أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية ينتمي من جهة أصول الفقه إلى مدرسة المتكلمين التي تضم المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة. وينتمي من جهة الفقه إلى جماعات أهل السنة. وأهل السنة كما حددهم الإمام ابن حزم هم جماعات: الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنبلية وأهل الحديث الذين لا يتعدونه[7].

ولعل أهم ما يميز هذه المدرسة هو منهجها التركيبي الذي تسلكه في مقاربتها النصوص، بمعنى أنه إذا كان الحنفية يعتمدون المنهج التحليلي في الوصول إلى الغرض أي ينطلقون من الخطاب الشرعي إلى العناصر المكونة له، بحيث يردون الخطاب من زاوية الوضع إلى: العام، والخاص، والمشترك، والجمع المنكر، ومن زاوية الاستعمال إلى: الحقيقة والمجاز من جهة، والصريح والكناية من جهة أخرى، ومن زاوية الحمل إلى: واضح الدلالة وخفيها، أعني: المحكم والمفسر، والنص والظاهر من جهة الوضوح. والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه من جهة الخفاء-فإن الأصولي المتكلم لا يعمد إلى تحليل الخطاب إلا ليكون مطية لتوظيفه في منهجه التركيبي. ولذلك نجده إذا حلل الخطاب من زاوية الحمل إلى: محكم ومتشابه أو إلى نص وظاهر من جهة، ومجمل ومؤول من جهة، وإلى أدلة عقلية ونقلية وإلى أصل وفرع، ومقاصد ووسائل، فإنما يقوم بذلك ليزاوج بين هذه العناصر، أي بين المحكم والمتشابه، وبين الظاهر والمؤول، وبين المجمل والمبين وبين النقل والعقل، والأصل والفرع وبين المقاصد والوسائل ليخرج بنتائج لو بقيت الدراسة قاصرة على النظر في كل عنصر على حدة ما كان ليصل إليها[8].

هذا ورغم أن المذهب المالكي ينتمي إلى هذه المدرسة، مدرسة المتكلمين، بمعنى أن المرجعية التي

 تستند إليها هذه المدرسة هي عينها التي يستند إليها، والآليات التي تستعملها في الاستنباط هي عينها التي يستعملها المذهب المالكي... فإننا مع ذلك نجد هذا المذهب له خصوصيات يتفرد بها داخل هذه المدرسة، لأنه إذا لم تكن له تلك الخصوصيات لن يكون مذهبا قائما بذاته ولن يكون له كيان يعرف به، وتتجلى خصوصياته أكثر ما تتجلى في:

أولا: كثرة الأصول ومصادر الاستنباط، حيث يجد الباحث أن الأصول عند الحنفية لا تتجاوز: الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، ويجدها كذلك عند الشافعية لا تعدو: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. بينما هي عند المالكية أكثر من ذلك "فأقل عدد أحصوه لها تسعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، والاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع"[9]. ولا يخفى أن كثرة الأصول تساعد المشرع كثيرا في استيعاب النوازل والأحداث.

ثانيا: إن من يتأمل هذه الأصول التي يعتمدها المذهب المالكي بصفة عامة، يجد أن ما يميزها هو انطلاقه فيها من المصلحة "سواء ألبست المصلحة لبوس القياس وحملت اسمه، أم ظهرت في ثوب الاستحسان وحملت عنوانه، أم كانت مصلحة مرسلة، لا تحمل غير اسمها ولا تأخذ غير عنوانها"[10] أم ظهرت في الغايات والثمرات التي يتجه إليها الفقيه في استنباطاته كسد الذرائع-بل يجد حتى الأصول التي يشارك المالكية الحنفية في الأخذ بها تتسم بميزة المصلحة، بمعنى أنه إذا كان الاستحسان عند الحنفية ضربا من القياس، إذ هو "العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، ولذلك أطلقوا عليه القياس الخفي"[11]- فإنه عند المالكية يعني "الالتفات إلى المصلحة والعدل"[12] أو "الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي"[13]، ثم إذا كان العرف لا يلتفت الحنفية إليه إلا إذا كان عاما وشاملا كالاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من السقاء[14] فإنه عند المالكية أكثر احتراما "لأن المصالح دعامة الفقه المالكي في الاستدلال، ولا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من المصلحة، لا يصح أن يتركه الفقيه، بل يجب الأخذ به"[15]، حتى ولو كان قاصرا على بلد أو طائفة. جاء في المدونة الكبرى: "وسألت مالكا عن المرأة ذات الزوج أيلزمها إرضاع ابنها؟ قال نعم يلزمها إرضاع إبنها، على ما أحبت أو كرهت إلا أن تكون ممن لا تكلف ذلك، قلت لمالك: ومن التي لا تكلف ذلك؟ قال المرأة ذات الشرف واليسار الكثير التي ليس مثلها ترضع وتعالج الصبيان في قدر الصبيان، فأرى ذلك على أبيه وإن كان لها لبن"[16].

وبذلك يتبين أن الإمام مالكا قد خصص العموم الوارد في قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ (البقرة: 231)، بما كان القوم متعارفين عليه في المدينة المنورة من أن المرأة المترفة ليس واجبا عليها إرضاع وليدها وإنما هو واجب على الآباء إلا أن يرفض الوليد غيرها، أو لا توجد له مرضع.

ثالثا: وتتجلى خصوصيات المذهب المالكي أكثر ما تتجلى في هذا النوع من القياس الذي يقطع فيه الإمام مالك شوطا أبعد من كافة الأصوليين، حيث نجده يقرر أن الحكم الثابت في الفرع يصح أن يقاس عليه، لأنه بعد ثبوت الحكم في الفرع يصير الفرع أصلا "وإنما سمي فرعا ما دام مترددا بين الأصلين، لم يثبت له الحكم بعد"[17]، والفرع الآخر هو بدوره يصير أصلا بعد ثبوت الحكم فيه، ويجوز القياس عليه أيضا، وهكذا إلى ما لا نهاية. ولا يشترطون في صحة هذا النوع من القياس إلا تعذر القياس على الأصول الواردة في الخطاب "فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا، ولا شيء من ذلك علة تجمع بينه وبين النازلة، ووجد ذلك فيما استنبط منها، أو فيما استنبط مما استنبط منها، وجب القياس على ذلك"[18]. ويرى ابن رشد الجد... أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه، ولم يختلفوا فيه على ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على البعض، وهو صحيح في المعنى وإن خالف فيه مخالفون"[19].

ثم يدلل على صحة هذا المنهج بعقد مقارنة بين الأصول الشرعية والأصول العقلية فيقول: "إن الكتاب والسنة والإجماع، أصل في الأحكام الشرعيات، كما أن علم الضرورة البديهيات أصل في العلوم العقليات، فكما بني العلم العقلي على علم الضرورة، أو على ما يبنى على علم الضرورة هكذا أبدا من غير حصر بعدد، على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعيات، تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو على ما بني عليها، أو ما بني على ما بني عليها، بصحته هكذا أبدا إلى غير نهاية، على ترتيب ونظام، الأقرب على الأقرب ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد"[20].

ويوضح الشيخ محمد أبو زهرة المسألة بهذا السؤال والإجابة عنه فيقول: قد يقول قائل: كيف يتصور ذلك؟ فيقول: إن هناك قواعد مقررة ثابتة من مجموع النصوص، وعرفت على أنها نتائج مقررة ثابتة، وإن كانت لا ترجع إلى أصل معين، فإن هذه تعد أصلا لأقيسة تقاس عليها، فالأصل المعين يكون غير معروف. ولكنها مقررات شرعية يصح أن تكون أصلا بذاتها" ثم يقول: إنه من الناحية الفقهية لا نستطيع أن نوافق عليه، ولكنه من الأصول المالكية، لعل نظرية المصلحة المرسلة قد بنيت عليه.

ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن هذا المنهج "منهج القياس على الفرع" يعد معمولا به في تفسير القوانين الوضعية، فإن أحكام القضاة قد تبنى على أقيسة، واستخراج علل النصوص القانونية والبناء عليها، وإن هذه الأحكام قد تقررها محكمة النقض، فإذا قررتها تصير مبادئ قانونية يمكن القياس عليها، وتطبق على مقتضاها من غير نظر إلى أصلها من نصوص القانون، وإن ذلك منهاج قد اختص به المذهب المالكي الخصب"[21].

رابعا: كذلك تتجلى خصوصية المذهب المالكي فيما عبروا عنه بالمصالح المرسلة أو الاستدلال المرسل الذي هو عبارة عن "كل مصلحة تكون من جنس المصالح التي يقررها الشارع الإسلامي بأن يكون فيها محافظة على النفس أو الدين أو النسل أو العقل أو المال، ولكن لم يشهد لها أصل خاص حتى تصلح قياسا، فإنها يؤخذ بها على أنها دليل قائم بذاته، وهذه هي التي تسمى مصلحة مرسلة أو استصلاحا"[22].

أو بعبارة أخرى إن من المصالح "ما اعتبره الشارع أي وضع من الأحكام ما يوصل إليه، كالمحافظة على النفس والعقل ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين، ومنها ما ألغاه أي وضع من الأحكام ما يدل على إهداره: كالمبالغة في التدين بالرهبانية، ومصلحة الجبان في عدم خوض المعركة، ومصلحة آكل الربا في زيادة ثروته، ومصلحة المريض الميئوس من شفائه، أو من ضاقت به سبل العيش في الموت... ومنها ما لم يشهد الشارع باعتباره ولا بإلغائه"[23].

ومعنى هذا أن الإمام مالكا كان ينطلق من قاعدة راسخة لديه طالما عبر عنها الأصوليون بعده بقولهم: "إن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى"[24]. لعل السر الكامن من ورائها هو أن الخطاب الشرعي إنما جاء للإرشاد والهداية ولم يأت أبدا لحشر الناس في قوالب ضيقة لا محيد عنها.

وأعتقد أن هذا هو الذي يناسب حقيقة الاستخلاف، إذ الاستخلاف ليس معناه تجريد الإنسان من أهم    ما يميزه، وجعله مجرد منفذ لما يملى عليه، وليس معناه أيضا ترك الحبل على الغارب، بل معناه تحديد معالم له بقصد الهداية، تختلف وضوحا وخفاء، ولعل أبرز هذه المعالم التي نصبت على طريق الهداية هي:

أ. بيان المقاصد الكبرى أو المصالح التي ينبغي للمجتمع أن يستظل بظلها في مسعاه التشريعي والعمراني، وأعني بها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لتكون طريق البناء وطريق الوقاية من الهدم واضحة جلية.

ب. بيانه منهج الإعمار والتشريع المشخص في ثلاث رتب أو درجات هي: الضروريات أولا ثم الحاجيات ثم الكماليات. عن طريقه يتم "الوفاء بمطالب الحياة الإنسانية وإشباعها".

ج. بيان أن الوسائل المبلغة لهذه المقاصد وأعني بها الأحكام التي نص عليها الخطاب الشرعي أو استنبطت منه، ليست كلها ثابتة بل هي تابعة للمقاصد الشرعية، وقد عبر الأصوليون عن هذه الحقيقة بأساليب متنوعة منها:

ـ أن الأحكام تدور مع العلة أو مع المقصد وجودا وعدما.

ـ ومنها سد الذرائع وفتحها إذ "الأصل في اعتبار الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذ الفعل حكما يتفق مع ما يؤول إليه، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب، وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو منهي عنه"[25]، حتى ولو كان في الأصل مشروعا.

ـ ومنها ما عبر عنه الشيخ ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وهو: أن غرضه من بيان أنواع المصالح "ليس مجرد معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة منها؛ لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام... وهو دون عرضنا من علم مقاصد الشريعة ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح؛ لأن ذلك ملحق بالقياس... وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيرا من صور المصالح المختلفة الأنواع، المعروف قصد الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح، فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منها، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاما شرعية"[26]. إذ لا ينبغي الاختلاف بين العلماء "في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها... وأنه ليس للعالم أن يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين أو الملحقة بأحكام نظائرها...".

خامسا: بالإضافة إلى هذا قرر الأصوليون المالكيون أصلا آخر أطلقوا عليه: ما جرى به العمل. ومفاده الرجوع إلى الأقوال المتروكة أو الضعيفة في المذهب لسبب قد يكون هو تبدل العرف أو عروض مصلحة أو درء مفسدة أو خوف فتنة... وهو في جوهره لا يخرج عن الأصول التي استنبطها مالك.

سادسا: وقريب من هذا الأصل، هناك أصل آخر عبروا عنه بمراعاة الخلاف؛ إذ الأول عبارة عن الانفتاح على الأقوال المتروكة أو المحكوم عليها بالضعف داخل المذهب، وهذا عبارة عن الرجوع إلى الأقوال الضعيفة خارج المذهب متى كان التمسك بالراجح أو المشهور في المذهب يفضي إلى "مفسدة توازي مفسدة النهي أو تزيد"[27]. مثل العدول عن فسخ الأنكحة الفاسدة للصداق، ومثل توريث المرأة واستحقاقها الصداق إذا تزوجت بغير ولي مراعاة للخلاف؛ إذ لا يخفى أن الولي شرط في عقد الزواج، لا يتم العقد بدونه في المذهب المالكي أو المشهور منه على الأقل.

هل هذه الأصول قابلة للتطور؟

بقي بعد هذا سؤال يطرح وهو: هل هذه الأصول قابلة للتطور؟ أو بعبارة أخرى إذا كانت الفروع في تطور مستمر تبعا لتطور الأحداث والوقائع. فهل يمكن أن يلحق هذا التطور بالأصول التي هي مصادر الاستنباط؟

يمكن أن نسوق في الجواب عن هذا السؤال رأيين متقابلين: الأول منهما يوحي بأن هذه الأصول غير قابلة للتطور؛ لأن الذي وضعها هو الإمام مالك، ولأن أصحابه لم يكونوا مجتهدين إلا في الفروع فقط، قال الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور: "والذي اجتهد في وضع الأصول، والذي نظر فيما ينبغي أن يكون حجة وما لا ينبغي أن يكون، وقرر مثلا أن عمل أهل المدينة حجة، وأن الاستحسان حجة، وسد الذرائع حجة إلى غير ذلك هو الإمام مالك بن أنس... أما أصحابه فكانوا يجتهدون في الفروع ولا يجتهدون في الأصول. بينما هو كان يجتهد في الأصول وفي الفروع، فإذا قيل إنهم مالكية، فإنهم مالكية في الأصول، ومالكية في المنهج... بدليل أنهم اختلفوا مع إمامهم اختلافا واضحا في مسائل كثيرة هي قوام الدراسة الفقهية، ومع ذلك فإنهم فيما يرجع إلى حجية الأصول التي يرجع إليها في استخراج الأحكام الفرعية، فقد كانوا متبعين للطريقة الأصلية المنهجية التي وضعها مالك بن أنس استقراء من سير الفقه على عهد الصحابة وعهد التابعين رضي الله عنهم"[28].

أما الرأي الثاني فيفيد أن هذه الأصول قابلة للتطور من جهة، وغير قابلة له من جهة. فمن جهة عدم التطور يرى الإمام الشاطبي: "أن هذا القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها والتعريف بمفاسدها دفعا لها... وأن المصالح لا تعدو ثلاثة أقسام وهي الضروريات... والحاجيات... والتحسينيات... ولا زائد على هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد، وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها    لا تزيد على تقرير هذه الأمور... فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام"[29].

ثم يذكر أن الضروريات تأصلت في خمس هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل. وأن حفظ الدين حاصله في ثلاثة معان هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكذلك حفظ النفس حاصلة في ثلاثة معان... ثم يذكر في كتاب المقاصد أن المقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما يرجع إلى قصد الشارع، والآخر يرجع إلى قصد المكلف"[30]. أو بعبارة أخرى قصد المجتمع وقصد الفرد، ويذكر في باب الاجتهاد أن الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وهو المتعلق بتحقيق المناط وتنزيل الشريعة على أفعال المكلفين، والثاني الذي يمكن أن ينقطع وهو الاجتهاد في النص[31]. وكل ذلك يفيد أن الأصول في خطوطها العريضة محصورة متناهية.

نعم إذا تجاوزنا البعد العام في هذه الأصول نجد للإمام الشاطبي رأيا غير هذا حاصله أن "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه. إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به... ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك، والشافعي فإنه وإن لم يشهد للفرع جمع المصحف وكتابته، وترتيب الدواوين، وتدوين العلوم الشرعية واللغوية، أصل معين قد شهد له أصل كلي حفظ الدين، وكذلك الاستحسان على رأي مالك يبنى على هذا الأصل... وأصل الإجماع"[32]. ومن يقرأ في كتاب الموافقات للإمام الشاطبي يجد الكثير والكثير من هذه الأصول التي ولدها عن طريق استقراء الجزئيات.

كذلك نجد المذهب المالكي على مستوى المقاصد الجزئية يفتح المجال واسعا. فلقد لاحظنا من قبل كيف أن الإمام مالكا وأصحابه قد جعلوا من الفرع أصلا يقاس عليه عندما تثبت فيه العلة. والأمر كذلك بالنسبة للفرع الثاني والثالث والرابع إلى ما لا نهاية... وبذلك تتكاثر الأصول التي يقاس عليها، وتحصل التراكمات المعرفية التي إن نظرت إلى أصولها البعيدة عن الأصل الأول المنصوص عليه أمكن أن يقال لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية[33] لكن إن نظرت إلى هذه التراكمات في "ترتيب ونظام، الأقرب على الأقرب" وجدت دائما خيط الهداية حاصلا ومتصلا. ولعل هذا هو السر الذي يميز الشعوب المتقدمة من المتخلفة، فالمتقدمة لها الكثير من الأصول والمسلمات، والمتخلفة لها أصول محدودة معدودة تعض عليها بالنواجذ دائما.

وهكذا يكون من الممكن دائما أن نكتشف كثيرا من القوانين بقراءتنا الواعية في الخطاب، وفي التراكمات المعرفية التي ستصبح على مر الأزمان قوانين معبرة إما عن مصالح تجلب ويجلب أمثالها، أو مفاسد تدرأ ويدرأ أمثالها، إذ القراءة في الخطاب الشرعي وفي التراكمات المعرفية المتولدة من أصول فيه، كالقراءة في الكون فكما أن الاجتهاد في الكون غير متناه كذلك هو الاجتهاد في الخطاب الشرعي وما يلحق به غير متناه.

القراءة ومنهجها

وأعتقد أن المذهب المالكي قد رسم المنهج المتبع في هذه القراءة. وحاصله أن الشريعة إذا كانت خطابا لمخاطب:

أ. فإن القراءة من جهة الخطاب تتم بالنظر فيه بطريق الاستقراء، بقصد تكوين عمومات معنوية كتلك العمومات التي شخصوها من جزئيات عديدة، مثل: حفظ النفس، والعقل، ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين، إذ رأوا أن مثل هذه الأصول وإن كان لا يشهد لها دليل معين، فهي للأدلة العديدة التي تشهد لها بطريق غير مباشر تجعلها ترتقي إلى رتبة الأصول، وتمتاز عن الفروع باليقين الحاصل منها للمتتبع: "لأنه بهذا امتازت الأصول من الفروع، إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة وإلى مآخذ معينة، فبقيت على أصلها من الاستناد إلى الظن، بخلاف الأصول فإنها مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق، لا من آحادها على الخصوص"[34]، ومن ثم كانت دلالة هذه القوانين الكلية على الأحكام كدلالة الأصول الكلية التي نص عليها الخطاب، لا فرق بينها وبين قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: 166). وقوله سبحانه: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 76)؛ إذ صار ما استقرئ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، لأن "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل له طريقان: أحدهما الصيغ إذا وردت... والثاني استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ"[35]، وذلك هو الغرض الذي يستهدفه الأصوليون من تشكيل تلك العمومات المعنوية، إذ بواسطتها يستطيعون أن يغطوا كثيرا من النوازل التي لا توجد لها نظائر في الخطاب تقاس عليها...

بل إن هذه العمومات المعنوية أو المقاصد التي استنبطت من أدلة عديدة، تصبح هي بدورها طريقا إلى أصول أخرى تابعة ومكملة لها، وذلك "كالنكاح فإنه مشروع للنسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح"[36].

ثم لما كانت هذه المقاصد التبعية خادمة ووسيلة للمقصد الأصلي، إذ هي بالنسبة للنكاح "مثبت للقصد الأصلي، ومقو لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومتسجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف الذي يحصل به مقصد الشارع من التناسل"[37]. استدل بها الأصوليون المالكيون على أن "كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك، مقصود للشارع أيضا" مثل استدلالهم على أن نواقض هذه الأمور مضاد لمقاصد الشرع بإطلاق، وذلك كنكاح المطلقة ثلاثا بقصد التحليل، ونكاح المتعة، لأنه نكاح لا يقصد به التواصل والبقاء، لأن القصد إليها مخالف لمقصد الشارع عينا، فلا يصح التسبب بإطلاق"[38].

ب. وأما القراءة من جهة المخاطب أو الواقع فإن النظر فيه بقصد الحكم على النازلة بالدخول تحت العموم المعنوي المستنبط بالاستقراء أو بعدم الدخول تحته، يتشخص بسوق هذا المثال الذي يستعرض فيه ابن رشد وجهة نظر الذين يقولون بالمصالح المرسلة والذين لا يقولون بها، ثم وجهة نظره هو، يقول في جواز نكاح المريض مرض الموت أو عدم جوازه: "جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي، لا يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة، حتى إن قوما رأوا أن القول بهذا القول شرع زائد، وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف، وأنه لا يجوز الزيادة فيه، كما لا يجوز النقصان".

ثم يقول من جهة أخرى "والتوقف أيضا عن اعتبار المصالح إذا حصل تطرق للناس أن يتسرعوا، لعدم السنن التي في ذلك الجنس، إلى الظلم".

والحل في نظره أن "تفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها، وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان، أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقا إلى الظلم".

ثم يدل على كيفية النظر بقوله: "ووجه عمل الفاضل في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا يمنع النكاح، وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك، كما في أشياء كثيرة من الصنائع، يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم، إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة"[39].

خاتمة

وبعد، إذا كان أهم ما يميز شريعة الإسلام هو أن "مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل"  فإن الذي يمكن قوله في خاتمة هذا البحث هو: أن ليس هناك مذهب استطاع أن يكشف عن الحكم والمصالح في الشريعة الإسلامية ويبين المنهج الملائم لمواجهة الحاجات ومطالب الحياة الإنسانية بقصد إشباعها كالمذهب المالكي:

فهو الذي تجاوز في قراءته للخطاب الشرعي القراءة التجزيئية التي كانت قاصرة على ما يؤخذ من الخطاب بطريق اللفظ، أو بطريق التعليل إلى ما يؤخذ من الخطاب ككل عن طريق المقاصد التي يتغياها الخطاب، وهو الذي وضع نصب عينيه مصالح الناس بجميع أبعادها في قراءته واقع الناس،  لا يشترط فيها إلا شرطا واحدا هو أن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة الإسلامية، ومن جنس أمهات المقاصد الكبرى تندرج إما تحت الضروريات أو الحاجيات أو الكماليات...

الهوامش


1.    أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، ص: 225.
2.    المرجع نفسه، ص: 373.
3.    المرجع نفسه، ص: 374.
4.    المرجع نفسه، ص: 375.
5.    المرجع نفسه، ص: 376.
6.    المرجع نفسه، ص: 376.
7.    ابن حزم، الأحكام، 4/196.
8.    انظر إدريس حمادي، المنهج الأصولي في فقه الخطاب، بيروت: المركز الثقافي العربي 1998، ص: 11 وما بعدها.
9.    أبو زهرة، مالك، دار الفكر العربي، ص: 451.
10.    المرجع نفسه، ص: 453.
11.    مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، دمشق: دار القلم، ص: 123.
12.  ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق: محمد سليم محسن وشعبان محمد إسماعيل، مكتبة الكلمات الأزهرية، (1393ﻫ/1974م)، 2/210.

13.    الشاطبي، الموافقات، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة للطباعة والنشر، 4/405-الاعتصام، 2/139.
14.    محمد أبو زهرة، أبو حنيفة، دار الفكر العربي، ص: 351.
15.    مالك، م، س، ص: 420.
16.    الإمام مالك، المدونة الكبرى، المطبعة الخيرية، ط1، 1325ﻫ، ص: 2/416.
17.    ابن رشد، المقدمات الممهدات، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، 1/38.
18.    المرجع نفسه، 1/38.
19.    المرجع نفسه، 1/38-39.
20.    المرجع نفسه، 1/39.
21.  محمد أبو زهرة، أصول الفقه، دار الفكر العربي، ص: 232 وانظر: الخطاب الشرعي وطرق استثماره، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص: 281 وما بعدها.

22.    أصول الفقه، م، س، ص: 279.
23.    علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، مصر: دار المعرف، (1383ﻫ/1964م)،  ص: 161.
24.    بداية المجتهد، م، س، 1/3.
25.    أصول الفقه، م، س، ص: 288.
26.    محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة: محمد الميساوي، دار النفائس، ص: 225.
27.    الموافقات، 4/205.
28.    محاضرات للشيخ محمد الفاضل ابن عاشور، تونس: مركز النشر الجامعي، 1999.
29.    الموافقات، م، س، 4/27.
30.    المرجع نفسه، 2/5.
31.    المرجع نفسه، 4/89 وما بعدها.
32.    المرجع نفسه، 1/39 وما بعدها.
33.  يقول الإمام الغزالي: لو فتح هذا الباب لانتهينا بالتدريج إلى رتبة نعلم، على القطع، أنه ليس في معنى الأصل وهو كمن وجد حصاة، فالتقط أخرى لمشابهتها لها، ثم التقط ثالثة لمشابهتها الثانية، ثم التقط رابعة لمشابهتها الثالثة. هكذا إلى أن التقط مائة حصاة. فلو نظر إلى الأخيرة وقاسها بالأولى لم يجد بينهما مشابهة، وكان بحيث لو وجدها ابتداء شبهها بالأولى وهذا شيء لا شك فيه" شفاء الغليل" ص: 637.
34.    الموافقات، م، س، 1/38-39.
35.    المرجع نفسه، 3/398.
36.    المرجع نفسه، 2/396-397.
37.    المرجع نفسه، 2/397.
38.    المرجع نفسه، 2/407.
39.    بداية المجتهد، م، س، 2/55.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أثر الحيازة في كسب ملكية العقار في ضوء القواعد الفقهية المالكية

أثر الحيازة في كسب ملكية العقار في ضوء القواعد الفقهية المالكية

تعززت المنظومة التشريعية ببلادنا مؤخرا بصدور القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 178. 11. 1 بتاريخ 22 نونبر 2011. وقد نسخ هذا القانون كليا الظهير الشريف الصادر في19 رجب 1333ﻫ الموافق لـ2 يونيو1915م الخاص بالتشريع المطبق على العقارات غير المحفظة.

نشأة النقد الأصولي، دراسة منهجية في رسالتي مالك والليث رحمهما الله

نشأة النقد الأصولي، دراسة منهجية
في رسالتي مالك والليث رحمهما الله

لاشك أن الارتباط التاريخي الحاصل بين نشأة علم أصول الفقه والخطاب النقدي يصعب معه الفصل بينهما، غير أن ظهور المادة العلمية لفن الأصول والمبنية على أسس حاجية وضرورية تروم تقويم المعرفة الفقهية اجتهادا واستنباطا، تحسم من جهتها أولية الاعتبار الوجودي للظاهرة النقدية، وإن لم تعرف منظومة متكاملة، الشيء الذي يفسر تأخر ظهور الرسالة الشافعية عن هذا المنحى.

أصول وخصائص الاجتهاد المقاصدي في فقه المدرسة المالكية الأندلسية

أصول وخصائص الاجتهاد المقاصدي في فقه المدرسة المالكية الأندلسية

ليس يخفى بأن للاجتهاد المقاصدي حلقات متسلسلة، بدءاً بالشيوخ الأوائل، مرورا بحلقات العلماء الأعلام، إلى أن تصل حلقاته إلى الإمام الشاطبي المؤسّس الذي بنى على معطيات سابقيه، إلى عصرنا الحالي، حيث هذه الالتفاتة إلى المقاصد درسا وتمحيصا، مما يسمّى في مراحل العلم بــ"مرحلة التراكم أو التركيم" التي تسبق الفهم فالتأسيس والتأصيل، ذلك بأن التقعيد يأتي دائما بعد التراكم العلمي..