25 ذو القعدة 1438 / 18 غشت 2017
حوارات

محددات وأبعاد الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي
محددات وأبعاد الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي

 

حاوره:

عبد السلام طويل

في هذا الحوار الفكري الشامل مع الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للإيسيسكو، وبمناسبة إطفاء المنظمة لشمعة عقدها الثالث، تساءلنا مع فضيلته حول جملة من القضايا التي تهم واقع ومصير عالمنا الإسلامي في ظل المتغيرات والتحولات الكونية الراهنة، من قبيل: أبعاد ومحددات الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي، وما يتصل بها من "إستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار" و"إستراتيجية لتطوير الثقافة الإحيائية في العالم الإسلامي"، وإستراتيجية لتدبير الموارد المائية"، "وإستراتيجية لتطوير الطاقة المتجددة"، كما تساءلنا معه عن مدى الحاجة إلى بلورة واعتماد "سوسيولوجيا إسلامية" تسعفنا في تفسير وتغيير أوضاعنا الاجتماعية، وعن الموقف من الديمقراطية، ومن الحراك الاجتماعي الذي شهدته العديد من أقطار عالمنا الإسلامي، كما استفسرنا معه عن حقيقة مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية الذي ترعاه المنظمة..

وقد حرصنا في هذا الحوار الوقوف عن طبيعة العلاقة القائمة بين الإيسيسكو والإلكسو، وعن الحقوق الثقافية بين الكونية والخصوصية، والأبعاد الحقوقية والتربوية لمشروع الإصلاح؛ حيث أكد الأستاذ التويجري أن تنفيذ مشاريع الإصلاح الشاملة والهيكلية في دول العالم الإسلامي، من منطلق احترام حقوق الإنسان والحريات الأساس للأفراد والجماعات، بات يمثل فريضة دينية وضرورة حياتية ورسالة حضارية ومسؤولية جماعية مشتركة.


ـ ما إن تأسست المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، واستقرت بنيتها، واتضحت وجهتها، حتى رسمت لنفسها هدفا كليا يتمثل في العمل على إرساء أسس "مشروع حضاري إسلامي يعيد للأمة الإسلامية ريادتها وإشعاعها الحضاري.."، وقد رصدت لذلك العديد من الإمكانات، وحددت العديد من الآليات، وبلورت العديد من المشاريع، في مقدمتها اعتمادها للإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي.. إلى أين وصلت حصيلة هذه الإستراتيجية؟ وما هي أهم المعوقات الذاتية والموضوعية التي اعترضتها؟ وما السبيل إلى تفعيلها التفعيل الأمثل في ظل التحولات التي تعرفها مجتمعاتنا العربية والإسلامية ويعرفها العالم من حولنا؟

جاء تأسيس المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، في الثالث من شهر مايو سنة 1982، في المؤتمر التأسيسي الذي عقد في مدينة فاس، تعبيرًا عن الإرادة الجماعية والآمال المشتركة للدول الأعضاء المؤسِّسة، في تعزيز العمل الإسلامي المشترك في مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصال، وفي تقوية التعاون وتشجيعه وتعميقه بين الدول الأعضاء في هذه الميادين جميعًا والنهوض بها وتطويرها، في إطار المرجعية الحضارية للعالم الإسلامي، وفي ضوء القيم والمثل الإنسانية السامية.

ولقد جاء في ديباجة ميثاق الإيسيسكو أن حكومات الدول الأعضاء وضعت هذا الميثاق، إيمانًا منها بما يمثله الإسلام، دين السلام والتسامح والانفتاح، من منهج للحياة وقوّة روحية وإنسانية وأخلاقية وثقافية وحضارية، كان لها ولا يزال، إسهامٌ بنّاء بالغ الأهمية، في تكوين العالم الإسلامي، وفي تقدم الحضارة الإنسانية، واستجابةً لتطلعات الدول الأعضاء وآمال الأمة الإسلامية في تحقيق التعاون والتضامن والتقدم والازدهار في إطار العمل الإسلامي المشترك، واستشرافًا للتحدّيات التي تواجهها الدول الأعضاء في المجالات التربوية والعلمية والثقافية والاتصالية، وإدراكًا لأهمية هذه المجالات في تحقيق التنمية والتقدم والازدهار، دون تفريط في تراث الأمة المجيد، ووعيًا بالعُرَى الوِثاق التي تجمع شعوب العالم الإسلامي المتمثلة في وحدة الحضارة والقيم العقدية والروحية والأخلاقية والثقافية، وسعيًا إلى تشجيع التفاعل الحضاري وتعزيز هذه العرى الحضارية والثقافية والفكرية المشتركة، وتفعيلا ً لمبادئ التضامن والتكافل والمساواة لتقوية التعاون بين الدول الأعضاء للنهوض بالتربية والعلوم والثقافة والاتصال، بالوسائل الملائمة كافة.

ومن الأهداف المنصوص عليها في ميثاق الإيسيسكو، والتي تعمل المنظمة من أجل تحقيقها، من خلال خطط العمل الثلاثية ومشروعاتها وبرامجها وأنشطتها والإستراتيجيات التي وضعتها واعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي في دوراته المتعاقبة، التعريف بالصورة الصحيحة للإسلام والثقافة الإسلامية، وتشجيع الحوار بين الحضارات والثقافات وأتباع الأديان، والعمل على نشر قيم ثقافة العدل والسلام ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان، وفقًا للمنظور الحضاري الإسلامي، وتشجيع التفاعل الثقافي ودعم مظاهر تنوعه في الدول الأعضاء، مع الحفاظ على الهوية الثقافية وحماية الاستقلال الفكري، وتدعيم التكافل والتنسيق مع المؤسسات المتخصصة التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، في مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصال، وبين الدول الأعضاء في الإيسيسكو، وتعزيز التعاون والشراكة مع المؤسسات الحكومية المماثلة وذات الاهتمام المشترك، داخل الدول الأعضاء وخارجها، والاهتمام بالثقافة الإسلامية وإبراز خصائصها والتعريف بمعالمها في الدراسات الفكرية والبحوث العلمية والمناهج التربوية، ودعم جهود المؤسسات التربوية والعلمية والثقافية للمسلمين في الدول غير الأعضاء في الإيسيسكو.

وفي هذا الإطار، أعدت الإيسيسكو (الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي) التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي السادس المنعقد في داكار سنة 1991، وصادق المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة المنعقد في الجزائر سنة 2004، على تجديدها. وهي إحدى الاستراتيجيات من جملة ثلاث عشرة إستراتيجية مع آليات تنفيذها، وضعتها المنظمة وتعمل في إطارها.

لقد وضعت هذه الإستراتيجية الأسس العامة لرسالة الثقافة في العالم الإسلامي، وبسطت وظائفها ومهامها، وشرحت المفاهيم والخصائص، وحددت المصادر والأهداف، وأبرزت القضايا والموضوعات، ورسمت مجالات العمل ووسائل التنفيذ، وألقت الضوء على دور الثقافة في التنمية، مؤكدة أهميته وضرورته وحيويته، وأرست قواعد العمل الثقافي من هذه المنطلقات، فاكتمل بذلك الإطار العام لدور الثقافة في تنمية العالم الإسلامي شكلا ً ومضمونًا، نظرية ً وتطبيقًا، على النحو الذي يستجيب لتطلعات الأمة الإسلامية ويلبي طموحها، وهي تتهيأ لاستئناف دورة حضارية جديدة أوفر ما تكون حظًا من التماسك والترابط، وأقوى عدة واستعدادًا لمواجهة تحديات الألفية الثالثة، وأعمق وعيًا بمقتضيات التحول الحضاري الثقافي الذي هو شرط التغيير البنَاء المفضي إلى آفاق التطور ورحاب التقدم، في إطار الهوية الثقافية الإسلامية، وفي دائرة الذاتية الحضارية الإيمانية.

وبهذه الإستراتيجية وآليات تنفيذها التي التزمت بها الدول الأعضاء، انتقل العمل الثقافي الإسلامي المشترك، إلىمرحلة التخطيط العلمي القائم على استشراف آفاق المستقبل، والمستند إلى دراسة معطيات الواقع الإسلامي، واستغلال القدرات والإمكانات، وتوظيف الطاقات والموارد، وتحليل المعوقات والصعوبات، ودراسة التطورات والمستجدات، ومواجهة الاحتمالات والمفاجآت، والتصدي للتحديات أيًا كان مصدرها. وبذلك انسجم العمل الثقافي الإسلامي المشترك، على مستوى دول العالم الإسلامي، مع إيقاع العصر، وانفتح على مستجداته وتكيف مع واقعه، واندمج في إطار العمل الدولي في مجال الثقافة، محتفظـًا بخصوصياته، محصنًا بمقوماته، متميزًا بسماته.
ونستطيع أن نقول، ومن خلال الخبرات المتراكمة والتجارب المكتسبة لدينا، إن "الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي" تضع الأمة الإسلامية على أول الطريق في اتجاه تأكيد الذاتية الحضارية الثقافية الإسلامية، وإثبات القدرة على التعامل مع الثقافات الإنسانية بمختلف تياراتها ومشاربها، والتفاعل مع قضايا العصر بكل اتجاهاتها وموضوعاتها، والتعايش مع الإبداعات الفكرية والأدبية والفنية والإنسانية من موقع القوة والتفوق والتميز. وبذلك دخل العالم الإسلامي عصرًا جديدًا قوامه التخطيط العلمي للمستقبل، ودراسة تحديات الحاضر وقضاياه، وتحليل المشكلات الثقافية التي تعوق النمو الثقافي في البلدان الإسلامية.

ـ انطلاقا من وعيكم أن "المجتمع العلمي الذي يسود فيه العلم ويعلو مقام العلماء، هو الذي يصنع الحضارة ويحقق التنمية بمدلولاتها الشاملة.."، دعوتم العالم الإسلامي، في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من سياق، من موقعكم كمدير عام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة: "افتحوا الأبواب أمام البحث العلمي، أفسحوا المجال للتطوير والتجديد والتحديث باستخدام أساليب العلم وتوظيف نتائجه، أنفقوا على العلم أكثر مما تنفقون على الترفيه، وكرموا العلماء في كل الفروع والحقول والتخصصات، واجعلوا منهم نجوما في المجتمع حتى يكون التفوق في العلوم مجالا للمنافسة.." كيف تم تلقي دعوتكم وما السبيل إلى إشاعة هذا الوعي لدى النخب المعنية وإلى عموم الشعوب العربية والإسلامية؟

تولي المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة اهتمامًا بالغًا بنشر الوعي العلمي والثقافة العلمية في المجتمعات الإسلامية، وبتشجيع الدول الأعضاء على تعزيز قدراتها في حقول العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بحيث تترسخ قواعد البحث العلمي، ليصبح ثقافة مجتمعية، وقوة دفع للتنمية الشاملة المستدامة. وفي هذا النطاق أعدت الإيسيسكو (إستراتيجية العلوم والتكنولوجيا والابتكار) التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي الثامن المنعقد في طهران سنة 1997، وصادق المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي المنعقد في باكو سنة 2008 على تجديدها. وتتكامل هذه الإستراتيجية مع إستراتيجيتين أخريين اعتمدهما مؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد في ماليزيا سنة 2003، هما: (إستراتيجية تطوير التقانة الإحيائية في العالم الإسلامي)، و(إستراتيجية تدبير الموارد المائية في العالم الإسلامي)، يضاف إلى ذلك (إستراتيجية تطوير الطاقة المتجددة في العالم الإسلامي) التي اعتمدها المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء البيئة المنعقد في الرباط سنة 2008. وهذه الإستراتيجيات العلمية الأربع، تشكل إطارًا واسعًا للتعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، على مختلف المستويات. وهي جميعها تفتح الآفاق الواسعة أمام الدول الأعضاء، لتعزيز قدراتها العلمية والتقانية، ولإقامة القاعدة العلمية الراسخة للتقدم في مضمار البحث العلمي المنتج للتنمية الشاملة المتكاملة المستدامة.

وهكذا، فإن الإيسيسكو لا تكتفي بنشر الوعي بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار، على الرغم من الأهمية البالغة لإشاعة هذا الوعي وترسيخه، ولكنها تنفذ المئات من البرامج والأنشطة العلمية على الأرض، التي تستفيد منها الدول الأعضاء كافة، وتتعاون مع شبكة واسعة من المنظمات الدولية، وفي المقدمة منها اليونسكو، في تنفيذ أنشطة تدخل في نطاق الاختصاصات العلمية للمنظمتين الإيسيسكو واليونسكو، إضافة إلى التعاون القائم مع اللجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي "كومستيك" التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي.

ـ نجد لديكم وعيا مبكرا بأهمية المدخلين؛ التربوي والحقوقي في بعديهما القيمي والوظيفي كشرط لنجاح أي مشروع من مشاريع الإصلاح. ما تشخيص منظمتكم لجملة هذه التحولات التاريخية التي تعرفها منطقتنا العربية؟ وكيف ستتحدد استجابتكم الثقافية والعلمية والتربوية لها؟

الإصلاح هو المشروع الحضاري للعالم الإسلامي، في الحاضر وفي المستقبل، وهو منظومة متكاملة تجمع العناصر التربوية والحقوقية والعلمية والتقانية والثقافية، فإن فقد عنصر واحد منها، اختل التوازن الذي هو شرط لازم من شروط النهضة والتقدم في مختلف المجالات. وإن كان التأكيد على العنصر التربوي في المرحلة الأولى للإصلاح، في إطار تفعيل العنصر الحقوقي، يرتقي إلى مستوى الضرورات الملحة التي تفرض نفسها في سياق البحث عن مخارج للأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة الإسلامية. ولذلك فإن الدول التي استوعبت هذه الحقائق واستجابت للمتطلبات الإصلاحية المشروعة، هي التي استطاعت أن تتغلب على المشاكل القائمة وتجد لنفسها مخرجًا من الأزمة، وتصل إلى ضمان الفرص المواتية لاستكمال عملية الإصلاح في مأمن من المخاطر.

وعلى كل حال، فإن تنفيذ مشاريع الإصلاح الشامل والهيكلي في دول العالم الإسلامي، من منطلق احترام حقوق الإنسان والحريات الأساس للأفراد والجماعات، فريضة دينية وضرورة حياتية ورسالة حضارية ومسؤولية جماعية مشتركة.

ـ ألا ترون أن طبيعة المرحلة التاريخية التي تجتازها مجتمعاتنا باتت تقتضي، أكثر من أي وقت مضى، بلورة "سوسيولوجيا إسلامية" قادرة على استيعاب وتفسير مجمل التحولات التي يشهدها واقعنا، كمقدمة للإسهام في تحديد وترشيد وجهتها بما يعزز مسيرة الأمة ونهضتها الحضارية الشاملة؟

ألخص الفكرة الأساس الواردة في السؤال، في عبارة واحدة: (تجديد البناء الحضاري). ولي كتاب يحمل عنوان: (في البناء الحضاري للعالم الإسلامي) صدر منه حتى الآن إثنا عشر جزءًا، الجزء الأول منها ترجم إلى اللغة الإنجليزية، تناولت فيه أبعاد مفهوم التجديد الحضاري، بالدراسة والتحليل من جوانب مختلفة ومن خلال ممارسات واقعية، تستند إلى تجربتي في العمل الإسلامي المشترك، على مدى أكثر من ربع قرن، أو تجديد البناء الحضاري بالأصح. وقد كنت من المفكرين الأوائل الذين اهتموا بتأصيل مفهوم (تجديد البناء الحضاري) وتقعيده. ونشرت لي دراسات وبحوث عديدة حول هذا المفهوم عدا الكتاب الضخم المشار إليه والذي تصدر أجزاؤه تباعًا. ونحن في الإيسيسكو نعمل من أجل هدف إستراتيجي بعيد المدى، ألا وهو تجديد الحضارة الإسلامية، من خلال التحديث للمناهج والنظم التربوية والتعليمية، والتجديد للطرق وللوسائل وآليات التنفيذ، والتطوير للرؤى وللمفاهيم والتصورات، والترشيد للتوجهات وللاختيارات من منطلق القيم الإسلامية الحاكمة للفكر البناء المبدع للحضارة وللتقدم.

ـ لقد جهدتم في بلورة وتبني تصور مقاصدي؛ وظيفي وإجرائي للديمقراطية رغم وعيكم لأبعادها القيمية والمعيارية، ولتناقضاتها ونسبيتها التاريخية، وخلصتم إلى النظر إليها باعتبارها "نظاما سياسيا إجرائيا قابلا للتكيف مع الواقع في بلدان العالم الإسلامي، لا يتعارض من حيث الجوهر والقصد.. مع مبادئ الشورى والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية.." غير أن هذا التصور لا زال يشكو من وجود ممانعة شديدة على مستوى الثقافة السياسية السائدة لدى العديد من المهتمين بالسياسة الشرعية من منظور "سلفي". كيف يمكن لمنظمتكم أن تعزز دورها في إشاعة الوعي بهذا التصور المقاصدي والوظيفي للديمقراطية في صلتها بالشورى؟

الديمقراطية نظام من الأنظمة التي توافقت عليها دول العالم المعاصر لإدارة الشؤون العامة للمجتمعات البشرية.

وهي من حيث المقاصد والغايات، ومن حيث العمق، لا تتعارض مع مقاصد الشورى. ولذلك فإن الديمقراطية من حيث هي نظام سياسي واجتماعي وحقوقي قابل للتكيف مع الأوضاع في العالم الإسلامي، فإنها إطار متكامل للتقدم وللبناء والنماء، ووعاء مناسب للإبداع في ازدهار الحياة. وهي إلى ذلك كله، صمام الأمان، إذا روعي في تطبيقها الالتزام بالضوابط والأحكام الشرعية غير القابلة للتصرف أو التعديل طبقـًا للنصوص قطعية الدلالة.

ـ سبق أن دعوتم إلى ضرورة "إدماج مفهومي الحقوق الثقافية واحترام الخصوصيات الثقافية ضمن العناصر المؤسسة لفلسفة حقوق الإنسان"، كيف تتحدد لديكم العلاقة الجدلية بين الكوني والخصوصي؟ وما السبيل إلى النأي بالخصوصية من الأيلولة إلى عامل نكوص وتحجر ينافي ويعيق الارتقاء إلى مستوى الكونية التي تميز الحضارة الإنسانية والحضارة الإسلامية بوجه خاص؟

الحقوق الثقافية للمجتمعات البشرية تنبع من خصوصياتها الثقافية والحضارية والروحية. والقانون الدولي يعترف للأمم والشعوب بالحقوق الثقافية من منطلق احترام التعددية الثقافية. ولذلك فإن الحقوق الثقافية، هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الواجبة الاحترام والحماية والمراعاة. والإسلام يعترف بالحقوق الثقافية للأمم والشعوب ويحض على حمايتها، باحترامه للتعددية الثقافية والحضارية.

ـ سبق أن خلصتم إلى أن "منشأ الضعف العام الذي يعتري الكيان العربي الإسلامي والذي يحول دون ازدهار الحضارة الإسلامية واستئناف دورتها، والذي أفضى إلى الأزمة الحضارية بالمعنى الشامل، يعود، في أبرز وجوهه، إلى أننا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية نعيش مجتمعين متغايرين، ونحيا حياة منفصلة بين أنماط متغايرة في الفكر والسلوك والنشاط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والأبنية التنظيمية والمؤسسات، وهذا يقيم شرخا رأسيا في المجتمع، يفصم أبنيته وقواه، ويضع كل أولئك في تضاد وتعارض بعضهم مع بعض"، ما موقفكم من الرأي الذي يذهب إلى أن الحراك التاريخي الذي باتت تشهده معظم مجتمعاتنا العربية الإسلامية يمثل عودة لتوحد وانسجام حركية وإرادة الأمة بفعل حركية سوادها الأعظم، وهو ما سوف يشكل تجاوزا تاريخيا وحضاريا لحالة التمزق والانشطار الذي طالما عانت منه أمتنا؟

الحراك الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب الإسلامية في هذه المرحلة، هو ظاهرة صحية في جل الأحوال، تستدعي التجاوب معها بقدر كبير من اليقظة النابعة من الإحساس بالمسؤولية الجماعية. فإذا سار هذا الحراك الاجتماعي في الاتجاه السليم، ولم ينحرف عن جادة العقل والحكمة والمصلحة العامة المعتبرة، ولم ينح إلى الغلو والتطرف، انتهى إلى إحداث التغيير الحضاري الذي ينقل الأمة الإسلامية من مرحلة تتسم بالضعف والوهن والتمزق، إلى مرحلة تتوافر فيها الشروط الموضوعية للحياة الحرة، والعيش الكريم، والارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة.

ـ في ظل ما يعرفه عالمنا الإسلامي من تناقضات ومفارقات وأزمات.. واستجابة مع تأكيدكم على أن "عودة الحضارة الإسلامية إلى استئناف دورها في إغناء الحضارة المعاصرة، (بات يمثل) ضرورة إنسانية، وفريضة دينية، ورسالة حضارية.." هل يحق لنا أن نتحدث عن وجود "حضارة إسلامية معاصرة" تمتلك قوة التأثير التاريخي؟ أم أننا لا زلنا في مرحلة البناء التمهيدي لهذه الحضارة؟

تباشير ميلاد فجر الحضارة الإسلامية الجديدة، تبدو في الأفق البعيد، يراها حكماء الأمة وعقلاؤها ممن يستشرفون المستقبل. ولكن لابد من الإقرار بأن دون استئناف دورة حضارية إسلامية جديدة، صعاب وعراقيل ومشقات، لا يمكن التغلب عليها إلاَّ بصلابة الإرادة، وشدة العزيمة، وقوة الأمل، مع تجميع الصفوف وتوحيدها وتضافر الجهود وتكاملها، لبلوغ الأهداف السامية التي تجتمع حولها إرادة الأمة الإسلامية. والأمر يتوقف على صدق النوايا وسلامة الطوايا في المقام الأول.

ـ إلى أي حد استطاعت منظمتكم أن تمثل بالفعل ما عبر عنه العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني بـ"الضمير الثقافي للعالم الإسلامي"؟ وما هي، من وجهة نظركم، المستلزمات المستجدة الكفيلة باستمرار الإيسيسكو إطارا جامعا وفاعلا للعمل الإسلامي المشترك في المجالات التربوية والعلمية والثقافية والاتصالية والبيئية في مواجهة مختلف التحديات والمتغيرات الدولية؟

كان جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، هو الذي أطلق على الإيسيسكو عبارة (الضمير الثقافي للعالم الإسلامي)، بمناسبة استقبال جلالته لرؤساء وفود المؤتمر الإسلامي الثاني لوزراء الثقافة، في القصر الملكي بمدينة مراكش سنة 1998. وهي العبارة الدالة الجامعة التي تعبر بحق، عن فلسفة الإيسيسكو، وعن أهدافها التي تعمل لتحقيقها، وعن مكانتها في ضمير الأمة الإسلامية. ونحن نعتز بهذه العبارة، ونتمثلها دائمًا، ونسعى لأن يكون عملنا في الإيسيسكو منسجمًا تمامًا معها.

ـ لقد تبنت منظمتكم إستراتيجية جسورة للتقريب بين المذاهب الإسلامية تحقيقا لمبدأ الوحدة لإسلامية الجامعة. ما هي أهم منطلقات ومقاصد هذه الإستراتيجية؟ وما هي أبرز معوقاتها؟ وإلى أين وصلت؟

انطلقت الإيسيسكو في الإعداد لإستراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية، من اقتناعها العميق بضرورة بذل المساعي للمّ الشمل ونبذ الفرقة بين المسلمين وتعبئة الطاقات لمواجهة التحديات التي تعترض سبيل الأمة الإسلامية نحو الوحدة الثقافية والعقدية والشعورية المبنية على قاعدة التضامن الإسلامي. وشارك في إعداد هذه الإستراتيجية علماء ومفكرون ومفتون يمثلون المذاهب الإسلامية الثمانية. وعقدت هنا في الرباط دورتان من ندوة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعقدت دورتان أخريان في كل من القاهرة ودمشق، فتجمعت العناصر المنهجية والشروط العلمية لإعداد الإستراتيجية التي قدمت إلى مؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد في ماليزيا سنة 2003، الذي صدر عنه قرار باعتمادها. وقد تشكل في إطار آليات تنفيذ هذه الإستراتيجية، المجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية. وعقد هذا المجلس ثلاثة اجتماعات له في الرباط في السنوات 2007 و2008 و2011. ويضم هذا المجلس صفوة من العلماء والمفتين والمفكرين وأساتذة الجامعات الإسلامية. وهو آلية فاعلة من آليات تنفيذ استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية.

ولكننا في الإيسيسكو ندرك جيّدًا، أن مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية، دون تنفيذه بالكامل عراقيل كثيرة، منها ما تقوم به بعض الجهات من نشاط تخريبي لزرع الفتنة ونشر الشبهات والتطاول على صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزوجاته أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم وعنهن أجمعين، بوسائل شتى، خصوصًا من خلال الفضائيات التي تتخصص في شن هذه الحملات المغرضة، وعن طريق النشر والتوزيع المجاني لبعض المنشورات المغرضة المزيفة للحقائق والمدلسة على القارئ، والعمل على نشر المذهب الشيعي في الأوساط السنية بأساليب وطرق تتعارض كلية مع أهداف إستراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية. ومع ذلك فنحن مصممون، بعون من الله تعالى، على مواصلة العمل في تفعيل هذه الإستراتيجية وتنفيذها في واقع العالم الإسلامي، لتقوية الكيان الإسلامي الكبير، ولإبعاد الأمة عن مزالق التفرقة والطائفية ومهاوي الخلافات المدمرة.

ـ الملاحظ أن هناك تقاطعا وظيفيا كبيرا بين الإيسيسكو والألكسو. ما طبيعة العلاقة التي تربط بين المنظمتين؟ وكيف يمكن تعزيز التفاعل والتعاون والتكامل والتنسيق بينهما حتى لا تتكرر الجهود وتضيع؟

تربط بين المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "ألكسو"، اتفاقية للتعاون يتم في إطارها تنفيذ برامج دورية للتعاون تتجدد باستمرار، تشتمل على أنشطة تدخل في إطار اختصاصاتهما المشتركة. وأهداف المنظمتين الإسلامية والعربية، تتكامل، وجهودهما تتضافر. ولئن كانت الألكسو تمثل اثنتين وعشرين دولة أعضاء في جامعة الدول العربية، فإن الإيسيسكو تمثل خمسين دولة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. وعلاقات التعاون بين المنظمتين مثال للتعاون في إطار العمل العربي الإسلامي المشترك لخدمة أهداف التنمية التربوية والعلمية والثقافية للعالم الإسلامي. وأتمنى أن تتمكن الشقيقة الألكسو من تعزيز جهودها وتقوية نشاطها لمواجهة التحديات الكبيرة في العالم العربي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

النص والتاريخ: منظومة القيم القرآنية وقضايا التأويل والتفسير

النص والتاريخ:
 منظومة القيم القرآنية وقضايا التأويل والتفسير

في هذا الحوار الفكري الشامل لفضيلة الدكتور طه جابر العلواني مع مجلة الإحياء أبرز كيف أن التفسير يدور حول البناء اللفظي للآيات الكريمة، أما التأويل فيدور حول المعاني، وأن التوحيد يؤسس للعدل والمساواة، والحرية، وعليه تقوم التزكية، فمن لم يؤمن بوحدانية الله تهون عليه نفسه، فيمكن أن يعظم أي شيء.

!الأمة في حاجة إلى تفسير يعيد صياغتها من جديد

!الأمة في حاجة إلى تفسير يعيد صياغتها من جديد

يرى د. عبد العزيز برغوث، (الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا)، أن العقل المسلم المعاصر عاجز على إنتاج تفاسير تغطي حاجات ومتطلبات الإنسان والاجتماع البشري الجديد.. كما أشار في حوار مع مجلة الإحياء (العدد 27) إلى أن المشكلة لا تكمن في إنتاج تفسير جديد،

مقومات النهضة والاستقرار، وتخليق المجال العام.. المسألة الحقوقية وإصلاح التعليم

مقومات النهضة والاستقرار، وتخليق المجال العام.. المسألة الحقوقية وإصلاح التعليم

في هذا الحوار الفكر الرصين والماتع مع المفكر المغربي محمد الكتاني ارتدنا عوالم تجربته الحياتية؛ علما، وثقافة، وأدبا، ووطنية.. وقد صرح فضيلته من ضمن ما صرح به في هذا اللقاء؛ أن الثنائية التي نظرت من خلالها إلى الأدب العربي الحديث، بين قديم وجديد، ظلّت تشغلني فكرياً ومنهجياً في مقاربة كل الظواهر الفكرية، وأنها أخذت في كل عصر مصطلحات ومفاهيم خاصة..